متفيئة بظلال قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم 1، انعقدت بتوفيق من الله تعالى الأسبوع المنصرم مجالس النصيحة التي يشرف عليها مجلس إرشاد الجماعة وثلة من أطرها؛ مجالس أطرها هدف عام هو: “الاقتداء مفتاح السعادة الأبدية”، سعت مواد المجلس من مدارسة للقرآن الكريم والسيرة والإحسان والموعظة لمعالجته.

وإذا كان الاقتداء والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلا لنيل محبة الله تعالى والفوز بعفوه ومغفرته، فإن توالي قرون من الانكسار التاريخي وما رسخه من فهم جزئي للدين ومن مصادرة للاجتهاد، اقتضى تصحيحا لمفهوم الاقتداء استكشافا لكنهه وضوابطه وتأهيلا لشخصية مؤمنة تسير في الناس بنورانية الهدي النبوي، وتعطي من نفسها المثال في البذل والسعي لبناء عمران أخوي في الأخلاق كما في الاقتصاد وفي السياسة والاجتماع.

إن الاقتداء تجسيد للصحبة مبنى ومعنى. وحيث إن الاقتداء/ الاتباع شرط لصحة الإيمان بما هو تجسيد لمقتضيات الشطر الثاني من الشهادتين، فهو طريق التتويج بتاج محبة الله تعالى.

إن “الاقتداء/الاتباع” مفهوم مركزي يجسد عمليا حقيقة الشطر الثاني من الشهادتين “وأشهد أن محمدا رسول الله”، الذي بدونه لا يصح إسلام، فكيف بالإيمان ومن يمني النفس بمقام الإحسان. إن الاقتداء عمليا هو اصطحاب للنموذج النبوي حسا ومعنى. لذلك، فـــ“مفتاح السعادة الأبدية الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وهيئته وأكله وشربه وقعوده وقيامه ونومه وكلامه، حتى يصح لك الاتباع المطلق” 2، و“متى اقتدى العبد اهتدى… فإن من اهتدى بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، واقتدى به، وتمسك بعهده، أقبل على الله، وأعرض عن غيره” 3.

وبعد وقفات تدبرية لآية الانطلاق من سورة آل عمران المحببة للاتباع المرغبة فيه بما يترتب عنه من محبة الله عبدَه ومغفرة ذنوبه، تناولت مادة السيرة نماذج عملية من اتباع الصحب الكرام وعضهم بالنواجذ على هديه صلى الله عليه وسلم في صغير الأمر وكبيره؛ اتباع أساسه الحب والوله برسول الله صلى الله عليه وسلم أثمر يقظة إيمانية وانخراطا في مشروع بناء مجتمع الرحمة والهداية والعدل تحريرا للإنسان وإطلاقا لطاقاته وما أودعه الله تعالى فيه من خير وإيجابية. وأما مادة الإحسان (قراءة في كتب الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه بما يتوافق ومحور المجلس)، فقد تكفلت بتحديد ضوابط “الاقتداء” وتنقيحه من شوائب “فقه” الانحباس المبرر للقعود والانكفاء عن الذات والانقياد لحكم السيف.

طالع أيضا  لجنة النصيحة والتربية تتدارس فضل مجالس الإيـمان

إن المتتبع لواقع المسلمين اليوم وما يعج فيه من “مشاريع” تتخذ من التمسك بالكتاب والسنة منطلقا تنفر من الإسلام رحمتِه وتعايشِه وتسوقُـه مرادفا للتقتيل والانغلاق وتكفير المخالفين في الرأي، يكشف عمق أزمة نموذج نبوي كامل شامل وداءً عضالا ابتلي به المسلمون مجسدا في غياب أو تغييب النموذج النبوي، فتشعبت بالأمة السبل باسم الكتاب والسنة ادعاءً؛ فـــــ“السنة المطهرة ما هي شكل اللباس… السنة النبوية روح ونور ورحمة وفضل… السنة شورى في الحكم… السنة إخاء وعدل… السنة قوة… السنة تنافي البدع، تنافي الشرك المتسرب إلينا مع كل خيط يربطنا برباط التبعية والتلمذة والانكسار الانهزامي أمام الجاهلية…” 4 وعليه، فـــ“الاعتصام بالكتاب والسنة عمل إرادي طاقته ونوره الانبعاث القلبيّ الكاشف لخطوات الاقتحام والعقل” 5.

إن مجالس النصيحة، وانطلاقا من أهدافها بما هي مجالس إيمانية تروم بث معاني اليقظة القلبية وشحذ الهمم لطلب معالي الأمور وأعز ما يطلب: حب الله والتشوف للقائه، تسعى لتحقيق تلكم الأهداف بالتحصين العلمي لمعاني السلوك إلى الله وربط العلم بالسلوك والعمل في ميدان التدافع ضمانا لاقتداء سليم.

ومن الموافقات اللطيفة أن وافق انعقاد مجالس النصيحة في الأسبوع الأخير من شهر أبريل 2017 بداية شهر شعبان 1438هــ وما يعنيه من ضرورة الاستعداد للتعرض للنفحات الربانية التي خصها به الحق سبحانه الأمة في شهر رمضان، وقد شكلت هذه الموافقة فرصة مواتية ـــ وفي إطار الاقتداء ـــ للتذكير بالهدي النبوي واستعداده لعطايا الرحمن في موسم الغفران، شهر رمضان، شهر العتق من النار.

هذا وتعقد مجالس النصيحة بشكل دوري، وهي مجالسُ تربويةٌ بامتياز “تذوب فيها بفضل الله كل الفوارق العُمْرية والتنظيمية والاجتماعية. تهفو إليه قلوب الشباب والشيوخ… طِلبة الجميع اللهُ، وبغيتهم تزكية أنفس وإعداد قلوب للقاء الله، ورفع عيون أفئدة إلى مقعد الصدق عند مليك مقتدر…” 6.

                                                                         والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  مجالس النصيحة: الوفاء بالعهد

[1] سورة آل عمران. الآية: 31.
[2] “الإحسان” للأستاذ عبد السلام ياسين، ج: 1، ص: 335، نقلا عن كتاب “البرهان المؤيد” ص: 80.
[3] نفسه، ص: 105، نقلا عن كتاب “حالة أهل الحقيقة مع الله”، ص: 102.
[4] “القرآن والنبوة” للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 39.
[5] “تنوير المؤمنات” للأستاذ عبد السلام ياسين، ج: 1، ص: 282.
[6] “هذه هي المجالس التي يحاربون”. مقال للأستاذ عبد الكريم العلمي (2006).