باسم الله قاصم الجبارين، باسم الله ناصر المستضعفين، نحمده حمدا كثيرا متواليا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونصلي ونسلم على أشرف الخلق، وعلى آله وصحبه وأتباعه ومحبيه.

أما بعد، فيقول عز من قائل:

وَلَوْلَا دفاع اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ سورة البقرة الآية 249.

التدافع سنة كونية، وحالة طبيعية تعيشها الإنسانية في كل مراحل الحياة، بحيث أن التغيير ومقاومة التغيير يشكلان مظهرا أساسيا من مظاهر الحياة، والتدافع يعد محركا إيجابيا للإصلاح والتغيير المجتمعي.

الأصل هو أن الإنسان كائن يؤمن بالمُثُلِ والمبادئ الأخلاقية، ويسعى للعيش في مجتمع تسوده علاقات إنسانية مبنية على الأخلاق الحميدة، والقيم النبيلة، غير أن التناقض الطبيعي بين رغبات الأشخاص، وبين مصالح الفئات المختلفة، إذا لم يكن مؤطرا بضوابط وقوانين وتدابير فعالة، تضمن شفافية العلاقات، وسلامة المعاملات، فإن الباب يبقى مفتوحا لطغيان الأنانيات الذاتية، التي تعمي البصيرة، وتدفع لانزلاقات تتعمق مع الزمن، وتصبح مرضا يدعى الفساد والطغيان، ويهدد البنيان الاجتماعي في جملته.

وتكمن أهمية الفعل النقابي وجدواه في تحقيق تدافع اجتماعي، يساهم فيه كل طرف من موقعه في حراك مستمر يهدف إلى تحقيق العدل والكرامة والحرية ونصرة المظلوم والقضاء على الفوارق الاجتماعية والاستغلال والتمييز والتهميش…. في إطار وعي بالضوابط الراجحة المنسجمة مع مبادئ مؤطرة للعمل النقابي.

هذا التدافع يفرض على الفاعلين النقابيين أن يشكلوا مجموعة ضغط للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، بل عن كل ما يتعلق بهذه المصالح أو يمسها، سواء كان ذلك اقتصاديا، اجتماعيا أو حتى سياسيا، فلا يعاب بذلك على المنظمات النقابية إبداءها لموقف سياسي ما، أو خوضها لنضالات ضد خيارات سياسية بدت لها مضرة بمصالح منتسبيها. ولعل الواقع السياسي والاجتماعي والأوضاع العالمية عموما، صارت جميعها عوامل ضاغطة على النقابات، لتقحمها في الشأن السياسي المباشر، إذ أنها حتى وإن عزفت عن الاشتغال بالسياسة فتداعيات الوضع الاجتماعي والاقتصادي هي التي تتحول إلى واقع سياسي ضاغط يدفع النقابات إلى التعبير عن الموقف السياسي.

أكيد أن جدلية السياسي والنقابي تجعل النضال السياسي حاضنة للنضال النقابي، والنضال النقابي يتحول في مرحلة معينة ومتقدمة إلى نضال سياسي، بل يصير النضال النقابي بالضرورة معبرا تمر منه الشغيلة في اتجاه النضال السياسي العام.

لذا فإن مؤسسات المجتمع تتحرك كبنيات فوقية على واجهات اجتماعية عدة – اقتصادية، سياسية، ثقافية وفكرية – تتبادل مواقع التأثير والتأثر، فالاقتصادي ينعكس ويترجم سياسيا، والسياسي ينعكس ويترجم اقتصاديا، فلا نضال نقابي خارج العمل السياسي، والسياسة سياستان:

سياسة تزكي الواقع على علاّته، وسياسة ترفض الواقع وتسعى لبناء واقع آخر جديد، لذا وبالنسبة للعمل النقابي فالنقابة إما أن تدجن الطبقة العاملة في إطار مبدإ ليس بالإمكان أحسن مما هو كائن)، نموذج النقابات الحزبية الموالية للدولة التي تلعب دور النخاسة السياسية، تستسلم تحت مسمى الواقعية النضالية، تأتمر بأوامر الواقع السياسي والاقتصادي وتتأثر به دون أن تؤثر فيه بحجة أنه أكبر من حجمها فتنتج خطابا ديماغوجيا استسلاميا انهزاميا يدغدغ العواطف ويزرع اليأس من كل تغيير، فهي تزكي الظلم والاستبداد وتتفنن في تحسينه وتنميقه.

أو هي نقابة ترفض ذاك الواقع، وتنزع الزيف والغشاوة عن عقول العمال والمأجورين وعموم المهمشين ليروا مصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهي تمارس بحق دورها الطلائعي بانخراطها في التدافع المجتمعي، وتصبح جزء لا يتجزأ من جبهة النضال التحررية.

على العموم نعتبر الفعل النقابي عملا غير معزول عن السياق الاجتماعي السياسي الاقتصادي التنموي، بل في صلبه وجزء لا يتجزأ من منظومة المجتمع ككل، والفاعلية النقابية تقاس بمدى تأثير الفاعل النقابي على القرار السياسي اعتمادا على رؤية أو مشروع مجتمعي يؤطر ممارسته ويساهم في متانة بنائه.

بالنظر للعمل النقابي بأوروبا نجد معظم النقابات منخرطة كليا في الفعل المجتمعي، فهي تساهم إلى حد كبير في التصدي للتداعيات السلبية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للعولمة، حيث استطاعت إلى حد ما أن تعطل العديد من القرارات الحكومية لتلك الدول التي تهدف إلى حل الأزمة الاقتصادية على حساب العمال والطبقات الشعبية، فهي دائما في مواجهة سياسة التقشف القاسية، وتنادي بدور أكثر فعالية في تحديد السياسات الاقتصادية والمالية لحكوماتها وللدوائر العالمية، وبذلك كانت المساهمة السياسية لهذه المنظمات حاضرة دوما في التصدي لسن القوانين التي تعتبرها معادية للديمقراطية أو تحد من ممارستها.

أما في المغرب، فقد ولدت الحركة النقابية وترعرعت في أحضان الحركة الوطنية، حيث انخرطت مبكرا في الفعل السياسي، المجتمعي، فقد كان للمقـاومة المسلحة التي قامت معاركها على أكتاف الخلايا العمالية المنضوية تحت لواء النقابات، دورا رياديا في الدفع بدينامـية الأحداث السياسية والتحكم في مجرياتها، لدرجة الانخراط في العمل السياسي المباشر الذي خلخل الأوراق الاستعمارية وعجل بالحصول على “الاستقلال”.

فمنذ إذ، شهد المغرب امتدادا قويا للحركة النضالية النقابية، أعطت زخما للحياة السياسية، وساهمت في صناعة الوعي النقابي والنضالي، رغم ما قد يسجل من اعتراض على الحمولة الإيديولوجية، فتحركت النقابات بقوة حتى شكلت هاجسا، بل تهديدا للنظام السياسي القائم.

لقد تجذر الوعي النقابـي الجـاد والمسؤول في صفوف العمال، وأثمر بناء حركة عمالية قوية رغم محدودية حجمها، كانت لها كلمتها في جل الأحداث السياسية في مرحلة ما بعد “الاستقلال”، ولعل انتفاضة البيضاء سنة 1981 أبرز مظهر للاحتجاج والغضب الشعبي في تاريخ المغرب المعاصر وما قدمه الفعل النقابي من تعبئة وتأطير وتضحية (أكثر من ألف شهيد وشهيدة واعتقالات في صفوف الشغيلة على رأسها المكتب التنفيذي لك.د.ش، وصلت حوالي 26 ألف معتقل) وما خلفه من ردود فعل فرضت على المخزن التراجع عن مخططاته وإذعانه لمطالب المحتجين، لخير دليل على مركزية الممارسة النقابية في التدافع المجتمعي وتأثيرها على كل مجريات الأحداث.

اليوم ومع اختلاف الشروط، حين أريد للعمل النقابي أن ينكمش، ويتراجع دور النقابة وتتقلص قيمتها المجتمعية، تقمص الفعل النقابي أشكالا احتجاجية أخرى من خلال توظيف جمعيات وتنسيقيات المجتمع المدني، وبالرغم من تقاعس النخب الثقافية، السياسية والنقابية وخذلان معظمها، إلا أن الجهد اليسير للفعل النقابي في حلته الجديدة ومساهمته في الحراك الاجتماعي لـ20 فبراير حقق نتائج مهمة تذكر على جميع الأصعدة، خاصة في المجال الاجتماعي، حيث جاءت جولة الحوار الاجتماعي بنتائج فوق المتوقع، مما يؤكد بالملموس أهمية وقوة الممارسة النقابية والفعل الاحتجاجي في التدافع المجتمعي.

أكيد أن هناك عقبات جمة تلجم قوة الممارسة النقابية وتحد من فاعليتها، أكيد أن الظروف الموضوعية والمادية واختلال توازن القوى لصالح قوى الاستكبار العالمي وأذنابه، قد تستهدف العمل النقابي الجاد وتضعف إطاراته وتدجنها وتشتتها، وقد تؤجل التغيير المنشود إلى حين، لكن سنة الله اقتضت دائما أن يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم… طليعة مجاهدة من المناضلين الأحرار، الذين يتمتعون بسمت حسن ونظافة يد، واعون بحجم العقبات التي تعترضهم، يبذلون جهدهم لإنقاذ الحركة النقابية من براثن الانقسامات الصراعية والانتهازية ومما تعانيه من قمع وتهميش وتشويه لتاريخها ولدورها الطلائعي، يساهمون بوعي في صنع الفعل النقابي الراشد المنضبط والملتزم بأهداف واضحة، ومبادئ أخلاقية تحكم الفعل وتوجهه.

فبفضل نضالاتهم واستماتتهم قد تعاد الثقة في العمل النقابي ومصداقيته، وبفضلهم قد يتغير واقع الحركة النقابية وتعزز مشاركتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بفضلهم قد يعاد للممارسة النقابية بريقها ومركزيتها في التدافع المجتمعي.

فمهما بلغ التدهور، تظل النقابات إحدى أدوات النضال الأساسية التي لا غنى عنها لمنع الانحطاط، ولتعزيز القدرة على الكفاح من أجل التغيير المنشود، يجب فقط أن يعي كل أفراد المجتمع هذا الدور، وأن تعي القيادات السياسية خاصة أهمية العمل النقابي في البناء المجتمعي والسياسي، والحد من التعامل الانتخابوي مع البناء النقابي.

إن قضية التغيير، قضية تخص الشعب المغربي بكل مكوناته السياسية والاقتصادية والجمعوية والنقابية والثقافية، ويبقى دور قوى التحرر المنشدة للتغيير في الاصطفاف إلى جانب كل حراك اجتماعي ودعمه ومساندته، بل إعادة تأسيسه إن خمد، كما وجب عليها حماية النضال النقابي من كل انزلاق في اتجاه أي انحراف، بالتأطير والرعاية والتوجيه والإرشاد.

اللحظة التاريخية تقتضي بناء قوة مجتمعية كفيلة بخوض معارك حقيقية لشق الطريق نحو تحقيق المطالب العادلة والمشروعة للشغيلة المنهكة والكفاءات المعطلة واستشراف مجتمع العدل والكرامة والحرية.

ولا ننسى أن سنة التدافع تقتضي الصدق في الطلب، والاعتماد على الله تعالى بعد إفراغ الجهد، والانخراط الجاد والفاعل في سيرورة التغيير، فالله تعالى وضع في كونه قانونا سببيا بمقتضاه تترتب النتائج على المقدمات، والفاعل الله لا غيره وتأتي النتيجة عند السبب أو معه لا به.