أصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يوم الأربعاء 19 أبريل 2017، تقريرا عن منظومة القيم في المدرسة المغربية، مسجلا انحدارا خطيرا في مؤشر القيم، فـ“الواقع ـ حسب التقرير ـ يكشف جملة من الصعوبات والاختلالات التي تتجلى على الخصوص في تعدد برامج التربية على القيم، والتفاوت بين أهداف البرنامج الدراسي وواقع الممارسة التربوية في المدرسة، والتعارض وضعف الانسجام بين القيم التي تتمحور حولها المواد الدراسية، علاوة على محدودية نجاعة الطرق التربوية المعتمدة في تحقيق الأهداف المتوخاة”؛ اختلالات شخصها التقرير في “اتساع الهوة بين الخطاب حول القيم والحقوق والواجبات، وبين الممارسة الفعلية لها”.

وأما عن سؤال مرجعية التقرير، فقد لخصها القائمون على الشأن التربوي في المجلس الأعلى في تفعيل دستور 2011 الذي ألح على انخراط المجتمع المغربي في “المنظومة الدولية ومواثيقها المتعلقة على الخصوص بحقوق الانسان والمرأة والطفل، والمساواة بين الجنسين، وحقوق ذوي الإعاقات وذوي الوضعيات الخاصة، علاوة على تثمين التعدد الثقافي واللغوي”.

ووفاء لنفس منهجية الاشتغال، دعا التقرير إلى “وضع برنامج عمل وطني وجهوي على صعيد كل مؤسسة للتربية والتكوين والبحث العلمي”، وأوصى “بإعداد ميثاق تربوي تعاقدي وطني للتربية على القيم بمختلف أبعادها، في إطار مقاربة تشاركية، وبلورة إطار مرجعي لمنظومة القيم المدرسية التي يتعين استهدافها في برامج وأنشطة التربية القيمية، وتنويع المقاربات والأساليب في تفعيل المقترحات والتوصيات، وتعزيز أدوار الرصد والتقييم المنتظم، إلى جانب توفير الإمكانات البشرية والمستلزمات المادية والتشريعية التي يتطلبها تفعيل مقترحات وتوصيات هذا التقرير”. لغة خشبية معهودة تطمئن إفلاس المنظومة التعليمية بطول العمر.

إن التقرير لم يأت بجديد، فإشكالية القيم قديمة في المنظومة التعليمية، وانفصام المدرسة عن محيطها هدف اشتُغل عليه وبدهاء من طرف الجهات الوصية حتى لا تضطلع المدرسة المغربية بوظائفها بناء للإنسان وامتلاكا للمهارات وصناعة للوعي السليم بالذات والمحيط.

طالع أيضا  تقرير رسمي: 83% لم يتابعوا أي دروس عن بعد بالتعليم الأولي.. وخبير تربوي يعلق: تدني نجاعة التعليم عن بعد كان متوقعا

إن نعي المجلس الأعلى للتربية والتكوين، باعتباره هيئة سيادية، منظومة القيم في المدرسة أشبه بالسؤال: “أين الثروة؟”، وإلا من المسؤول عن هذا الانفصام بين القول والسلوك؟ وماذا عن السياسات والاختيارات الإعلامية والثقافية والفنية ومدى إسهامها في قصف منظومة القيم الأصيلة للشعب؟ وماذا عن مهرجانات تؤرخ “للعهد الجديد”، سارت بصفقاتها الفلكية وفضائحها الأخلاقية الركبان؟ من يرعاها؟ من يأمر بتسخير مقدرات الدولة لفعالياتها؟ ثم ما هي مخرجاتها على مستوى القيم، إلا أن تكون القيم هي شيء غير المتعارف عليه، وهو ما وافق الطبع السليم وقبلته الفطرة!؟ 

إن “استفحال السلوكات المخلة بالقيم ـ يؤكد التقرير ـ داخل المدرسة وفي محيطها، من قبيل ظواهر العنف بمختلف أنواعه (المادي والنفسي واللفظي) والغش، والاعتداء، والتهديد، والتعصب، والتمييز بين الجنسين، والانحراف، والتحرش، وعدم احترام الأدوار، والمساس بنبل الفضاء المدرسي والجامعي، وتراجع الالتزام بالأنظمة الداخلية للمؤسسة التعليمية، والإضرار بالبيئة وبالمِلك العام…” نتائج متوقعة بل ومستهدفة من خلال حكامة غير راشدة وسعت دائرة الحرمان والفقر والهشاشة على جميع الصعُد وترسيخ الريع ثقافة، شراء للضمائر وإفسادا للذمم وتنويعا للدوائر الحامية عن الفساد والمنافحة عن استمراره.

وبهذا لن تخرج إثارة استفحال هذه الظواهر من خلال تقرير رسمي في هذا الظرف مجرد تبرير مكشوف لمزيد من إحكام القبضة الأمنية على الشأن التعليمي، لا رغبة في إنقاذه إنما إصرارا على جعله أرضا قاحلة عن إنتاج أجيال الحرية والكرامة،  الواعية بمكمن الخلل والمسؤولين عنه بلا لف ولا دوران ولا اختباء وراء شعار الدفاع عن قيم ما المسؤول عنها غير الجهات المتباكية اليوم زورا عن تلك القيم.