قال سبحانه وتعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.

بعض معاني لفظة الصلاة

– اختلف العلماء في اشتقاق لفظة الصلاة فهي تحمل معاني كثيرة؛ فقيل:

– الصلاة لغة: الدعاء، وقيل للداعي مصل تشبيها له في تخشعه بالراكع الساجد. قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم 1. أي أدع لهم، ومنها الصلاة على الجنازة أي الدعاء للميت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم) 2.

– وقيل اشتقاقها من الصلا بالقصر وهي النار من صليت العصا إذا قومتها بالنار فالمصلي كأنه يسعى في تعديل ظاهره وباطنه كمن يحاول تقويم العود بالنار.

– وقيل الصلاة: الملازمة تصلى نارا حامية 3. سيصلى نارا ذات لهب 4..

– وقيل أصل الصلاة: الترحم.

– وقيل أصلها التعظيم قاله الحليمي.

– وقيل إسم مشترك لمعان حكاه الماوردي.

– وتستعمل الصلاة بمعنى الاستغفار قال أبو حاتم ومنه الحديث “على كل منسَم من الإنسان صلاة، فقال رجل: ما أشد ما أتيتنا به يا رسول الله فقال: (إن أمرك بالمعروف صلاة ونهيك عن المنكر صلاة وكل خطوة إلى الصلاة صلاة)” حديث آخر (كل عمل المؤمن صلاة، حتى إماطته الأذى عن الطريق صلاة) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم) أي أستغفر لهم، ويؤيده الرواية الأخرى (يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلق معي، فخرج فخرجت معه حتى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلا).

 وتستعمل بمعنى البركة.

– ومنه قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها 5. أي لا تجهر بقراءتك القرآن ولا تخافت.

 كما تستعمل بمعنى الرحمة.

بعض معاني الصلاة في الآية الكريمة (إن الله وملائكته يصلون على النبي…) الآية

وتختلف حال الصلاة بحسب حال المصلي والمصلى له والمصلى عليه فإذا كان المصلي الإنسان وهو محل التغير فتختلف صلاته لاختلاف أحواله، وأما اختلاف حال المصلى من أجله فمثل صلاة الكسوف والاستسقاء، وأما اختلافها باختلاف المصلى عليه فمثل صلاة الحق على عباده كما في الآية الكريمة إن الله وملائكته يصلون على النبي. قال أبو بكر القشيري: [الصلاة لمن دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، وللنبي صلى الله عليه وسلم تشريف وزيادة تكريم]. وعن أبي العالية: [صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء].

– وذكر ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام: أن تفسير معنى الصلاة منه سبحانه على عباده بمعنى: الرحمة والمغفرة ضعيفان لوجوه: أحدهما: أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالواْ إنا لله وإنا إليه راجعون: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف. والوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمرتها ومقصودها (….) وذكر وجوها كثيرة منها انه (تعالى) أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يصلون عليه، والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله فصلوا أنتم أيضا عليه، فأنتم أيضا أحق بأن تصلواْ عليه وتسلمواْ تسليماً لما نالكم ببركة رسالته ويمن سفارته من خير شرف الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه لو عبر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه ولم يحسن النظم، فينقض اللفظ والمعنى، فيصير التقدير إلى أن الله وملائكته ترحم ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له وسلموا، وهذا ليس مراد الآية قطعا بل الصلاة المأمور بها فيها الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب وسمي هذا: السؤال والدعاء منا نحن صلاة عليه لوجهين:

– أحدهما أنه يتضمن ثناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه، وفضله والإرادة والمحبة كذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب.

 والوجه الثاني: أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه. فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به (…) 6.

– وقال أبو حاتم في كيفية الصلاة التي أمر الله بها: أن فيها معنى لطيف غير ما فسرها المفسرون من معنى البركة والرحمة والدعاء، لأنه قد أمرنا أن نقول في الدعاء: (اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وارحم سيدنا محمدا وآل سيدنا محمد). فلو لم يكن فيها معنى غير الرحمة والبركة والدعاء لما ذكر معها الرحمة والبركة والدعاء.

قلت وذلك موافق لما ورد في صفة صلاة الملائكة في الحديث بلفظ مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (… فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه…) وفي رواية: (الملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، اللهم اغفر، له ما لم يحدث أو يخرج من المسجد) 7.

وقال ابن عطية: (صلوات الله على عباده عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياهم في الدنيا والآخرة) وقال: في قوله تعالى: هو الذي يصلي عليكم وملائكته 8. (صلاة الله على العبد هي: رحمته له، وبركته لديه، ونشره الثناء الجميل عليه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم). وقيل: الصلاة من الله تعالى: إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: صلاة الملائكة تبريكهم عليه حكاه الماوردي عن ابن عباس. وقال الزمخشري: (فيها لِمَا كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده أُسْتُعِيرَ لِمن ينعطف على غيره حُنواً عليه وترؤفاً كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوها على ولدها ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم* صلى الله عليك * أي * ترحم وترأف *، فإن قلت: (هو الذي يصلي عليكم) إن فسرته: بترأف وترحم، فما تصنع بقوله تعالى: (وملائكته) قلت: هي من قولهم: اللهم صل على المومنين، جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلين للرحمة والرأفة). وقال الماوردي: (إسم مشترك لمعان، فمن الله في أظهر الوجوه الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المومنين الدعاء. وقال: إنما أكدها بالعطف مع اختلاف اللفظ لأنه أبلغ والله أعلم).

– جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه قالت بنو إسرائيل لموسى صلى الله عليه وسلم هل يصلي ربك؟ فتكايد موسى لذلك فقال الله تعالى: ما قالوا لك يا موسى؟ فقال: قالوا الذي سمعت، قال: (فأخبرهم أني أصلي وأن صلاتي تطفىء غضبي). وإسناده جيد ورجاله ثقات محتج بهم في الصحيحين. قال الفيروز أبادي: فإن قلت: فما معنى صلاة الله؟ معناه: الثناء والرحمة، ومعناه: أرحم وأغفر وأستر. وكذلك في جميع ما ورد من هذا النمط من الأحاديث كحديث عبد الله بن الزبير يرفعه [قال له جبريل ليلة أسري به: إن ربك يصلي، قال يا جبريل كيف يصلي؟ قال يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي].

في تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي…)

قال الإمام الحافظ شمس الدين محمد السخاوي الشافعي في كتابه القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص: 26-27: هذه الآية مدنية والمقصود منها أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة نبيه صلى الله عليه وسلم عنده في الملإ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين وأن الملائكة يصلون عليه ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة عليه والتسليم ليجتمع الثناء عليه من أهلي العالمين العلوي والسفلي جميعا (….) والآية بصيغة المضارعة الدالة على الدوام والإستمرار لتدل على أنه سبحانه وتعالى وجميع ملائكته يصلون على نبينا صلى الله عليه وسلم دائما أبدا وغاية مطلوب الأولين والآخرين صلاة واحدة من الله تعالى وأنى لهم بذلك بل لو قيل للعاقل ايما أحب إليك أن تكون أعمال جميع الخلائق في صحيفتك أو صلاة من الله تعالى عليك ؟ لما اختار غير الصلاة من الله تعالى، فما ظنك بمن يصلي عليه ربنا سبحانه وجميع ملائكته على الدوام والإستمرار ؟! فكيف يحسن بالمؤمن أن لا يكثر من الصلاة عليه أو يغفل عن ذلك قاله الفاكهاني…. وأفاد أيضا أنه ليس في القرآن ولا غيره فيما علم صلاة من الله على غير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فهي خصوصية اختصه الله بها دون سائر الأنبياء.

وقال: وقد ذكرواْ في هذه الآية الشريفة فوائد منها ما رواه الواحدي عن أبي عثمان الواعظ سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: التشريف الذي شرف الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: إن الله وملائكته يصلون على النبي… الآية. أتم من تشريف آدم عليه السلام بأمر الملائكة له بالسجود لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر الله سبحانه عن نفسه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن الملائكة، فتشريف يصدر عنه أبلغ من تشريف يختص به الملائكة من غير أن يكون الله تعالى معهم في ذلك. انتهى.

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

– قال ابن الجوزي في بستان الواعظين ص: 338-339: اعلمواْ عباد الله وأحباب الله رحمكم الله ! أن الله تبارك وتعالى لطف بعباده المؤمنين وأمرهم بالصلاة على سيد المرسلين، ليستنقذهم بها من العذاب الدائم المهين فصلى عليه ربنا ومولانا تشريفا وتكريما، وصلت عليه ملائكته تفضيلا وتعظيما، وأمر عباده أن يصلوا عليه ليبيح لهم الجنة مقاما كريما، فقال من لم يزل سميعا عليما عليا عظيما: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما 9 فاجتهدوا بنا يا معاشر الإسلام في الصلاة والسلام على محمد خير الأنام فعسى أن يشفعه فينا يوم تشقق السماء بالغمام.

ذكر في بعض الأخبار أن ما من ملك ولا نبي، ولا ولي ولا صفي، ولا صديق ولا شهيد، ولا شقي ولا سعيد إلا وهو يقول يوم القيامة: بحرمة محمد أن تنجيني من عذابك، وما من عبد صلى عليه وسأل الله مولاه حاجة له فيها رضا عنه، إلا قضى الله حاجته، وصرف عنه عند صلاته على محمد صلى الله عليه وسلم سبعين نوعا من البلاء في بدنه وفي دينه وفي ماله وفي أهله. ورفع له سبعين درجة في الجنة، اللهم صل على النبي محمد المختار، وسيد الأنبياء والأبرار، وزين المرسلين الأخيار، وأكرم من أظلم عليه الليل وأشرق النهار، أبي القاسم الأواب المختار.

وقال: وذكر في بعض الأخبار أن ما من بقعة يكثر فيها الصلاة على محمد إلا تصير روضة من رياض الجنة، وحصنا وحجابا بين المصلين وبين حجاب النار. فاجتهدوا في الصلاة على محمد يا معشر المؤمنين والمؤمنات، وتحصنوا بها من العذاب الشديد.

– وقال الفيروز أبادي صاحب كتاب الصلات والبشر: وقال الإقليشي “أي علم أرفع؟ وأي وسيلة أشفع؟ وأي عمل أنفع من الصلاة على من صلى عليه الله وجميع ملائكته وخصه بالقربة العظيمة منه في دنياه وآخرته، فالصلاة عليه أعظم نور، وهي التجارة التي لا تبور، وهي كانت هجيرة الأولياء في الإمساء والبكور”.

– وروى النميري وابن بشكوال موقوفا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه: “الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل من عتق الرقاب، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم: أفضل من مهج الأنفس أو من ضرب السيف في سبيل الله”.

وذكر الحافظ أبو النعيم في الحلية عن كعب قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام: (لولا من يحمدني ما أنزلت من السماء قطرة ولا أنبت من الأرض حبة، وذكر أشياء كثيرة إلى أن قال: يا موسى أتريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك؟ ومن وساوس قلبك إلى قلبك؟ ومن روحك إلى بدنك؟ ومن نور بصرك إلى عينك؟ قال: نعم يا رب، قال: فأكثر الصلاة على (حبيبي) محمد صلى الله عليه وسلم).

ويروى: يا موسى أتحب أن لا ينالك من عطش يوم القيامة؟ قال: إلهي نعم، قال: فأكثر الصلاة على  صفيي محمد صلى الله عليه وسلم.

وروى التميمي عن زيد العابدين أنه قال: “علامة أهل السنة كثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

 


[1] التوبة: 104.
[2] رواه مسلم، كتاب النكاح، 2/1054، برقم: 1431.
[3] الغاشية: 4.
[4] المسند: 3
[5] الإسراء: 110.
[6] جلاء الأفهام: 86.
[7] متفق عليه.
[8] الأحزاب: الآية 143.
[9] الأحزاب: 56.