ثلاثة عشر سنة على رحيل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ولما تزل ذكراه حية تنبض وتلامس شغاف قلوب الأحرار وتعانق أرواحهم، تتعطر بكلماته الخالدة ألسنتهم وتتغنى بسيرته شاهدة على صدق جهاده قولا وبذلا متأسية به مجددة عزمها كلما ألم بها ضعف أو اعتراها فتور طارئ لتستعيد توازنها باستحضار الشهيد الذي لم يزده غيابه إلا حضورا في وجدان الجماهير التواقة للتحرر والانعتاق من ربقة الاحتلال الصهيوني، كيف لا وقد تحول الرنتيسي إلى رمز وقد تحول إلى مرجع في العزة والإباء والعنفوان.
لم تكن حياة الرنتيسي إلا تعبيرا صارخا عن الوجع الفلسطيني ولمحة موجزة عنه، فعمره الذي يقارب عمر نكبة شعبه، حيث كانت ولادته قبل أشهر قليلة من إقامة دولة الكيان الغاصب، يشهد منذ  طفولته المبكرة عن هول المحنة التي ذاق ويلاتها من خلال كل أشكال القهر والحرمان التي عاشها، كسائر أبناء جيله، بسبب التهجير من أرض الأجداد ثم الاستقرار في مخيم لا تتوفر فيه أدنى مقومات العيش، والذي تجهض فيه الأحلام وتكسر أمامه الطموحات، لكن الشهيد بشخصيته الصلبة وذكائه وجده واجتهاده تحدى كل ذلك وقهره واستطاع أن يتفوق في دراسته ويحصل على أعلى الشهادات.
الأمر الأكثر أهمية في سيرة الشهيد الرنتيسي هو نكرانه لذاته، فرغم كل ما كابده في السابق لم يحقد  على وطنه أو شعبه مثلما يفعل البعض ولم يختزل علاقته مع بلده بما يقدمه له من امتيازات في حسبة ضيقة لا تخلو من أنانية.
الرنتيسي لم يكن كذلك، وقد كان بإمكانه أن يسيح في أرض الله الواسعة ويبتعد عن أية أخطار محتملة، لكنه اختار أن يبقى في أوساط شعبه منخرطا في مجتمعه ممارسا عمله بحسه الإنساني الرفيع الذي زاده قبولا بين الناس، ولم يقف عند هذا الحد، فقد كان لتهممه بأمر الدعوة وحرقته البالغة في سبيلها  انعكاسات كبيرة على الواقع الغزي.
على أن كل هذا لم يكن كافيا، فالتطور الطبيعي لشخصية مثل شخصية الشهيد الذي يجعلها لا تقبل التعايش مع واقع مختل ولا يمكن لها أن تهادنه بأي حال من الأحوال، مع ما تحظى به من مؤهلات قيادية استثنائية، بالإضافة إلى التحولات الهائلة التي كانت تحدث على المستوى الإقليمي وكذا الفلسطيني، كل هذه العوامل صقلت شخصية الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأهلته تدريجيا للعب أدوار قيادية في الكفاح من أجل رفع الظلم عن أبناء شعبه.
ويكفي في هذا الصدد أن نذكر بالنقلة النوعية التي أسهم بها رفقة ثلة من القيادات الإسلامية للانتقال بالحركة الإسلامية من الساحة الدعوية والعمل الأهلي إلى الصدام المباشر مع الاحتلال الصهيوني، والكلفة الباهظة التي تحملها لقاء تبني هذا الخيار من اعتقالات متكررة وإبعاد عن الوطن في مرج الزهور ثم محاولات الاغتيال العديدة التي أكرمته آخرهن بشهادة طالما تمناها.
الحقيقة أن مرارة الفقد ووجع الفراق لا يتقادم، فاستشهاد الرنتيسي خلف أثرا في النفوس يصعب أن ينمحي لدى محبيه داخل فلسطين وخارجها، ليس من باب الحسرة والبكاء على الأطلال الذي يصيب العاجزين من يظلون أسرى للماضي، فالطريق الذي سار فيه الشهيد لا زال سالكا ولا زال الآلاف من إخوانه وتلامذته سائرون فيه رغم كل الصعاب والمعيقات، لكن يبقى غياب رجال من طينة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي عنا صعبا بالنظر للمكانة الاستثنائية التي كان يحظى بها وشخصيته التي أسرت الأمة العربية والإسلامية من أقصاها إلى أقصاها.

طالع أيضا  نهاية النكبة وبداية قومة الشعب الفلسطيني