من المعهود في كل المواثيق الدولية بل وحتى الأعراف الإنسانية أن يعاقب القانون على كل جريمة ارتكبت، عقابا يكون على حسب نوعها ودرجتها وقوة تأثيرها و… ولا يختلف عاقلان على وجوب إلحاق العقاب بكل مذنب كائنا من كان. لكن ما نراه مؤخرا وما نسمعه لا يتماشى مع الأصل الذي ضمنته الدساتير، ونصت عليه المواثيق، وخولته القوانين، وتوافق عليه الناس، بل إن هذا الأصل يعتبر من المشتركات التي يسعى الجميع على الحفاظ عليها وتطويرها وبلورتها كلما دعت الضرورة.
غاية وضع القوانين حماية مصالح الناس وضمان حقوقهم، لكن عندما تهدر هذه الحقوق وتنتهك الكرامات وتغتصب الإنسانية، آنذاك لا يمكن الحديث عن القوانين ولا عن المواثيق ولا عن غيرها، فما معنى أن يحرم من رُسّب من حقه في الاحتجاج؟ وما معنى أن يحرم الشباب من ولوج أسواق الشغل لا لسبب سوى لأنه شباب واعٍ يحمل همّ مجتمع بأكمله،  في حين تصدح الشعارات الرنانة المنادية بتكافؤ الفرص في الأجواء؟ وما معنى أن يعفى إطار من الأطر المهنية المشهود له بالكفاءة والنزاهة والتفاني في أداء الواجب من عمله بدون سبب سوى أنه مخلص في عمله، محب للخير لجميع الناس، باحث عن الخلاص للأمة التي لا تكاد ترفع رأسها من حفرة من حفر الاستبداد حتى تجد نفسها في الدرك الأسفل من القهر والظلم؟ وما معنى أن يموت كل يوم بريء لا لذنب سوى أن حظوظه في الحصول على العلاج في الوقت المناسب منعدمة؟ وما معنى أن تموت بين الفينة والأخرى امرأة أو طفل لا لشيء سوى عدم وجود الأطر الطبية أو معدات صحية أو طرق معبدة؟ وما معنى وجود مناطق منفية في وطنها تعيش الغربة والحكرة؟ أليست هذه جرائم ترتكب في حق من لا حول لهم ولا قوة؟ ألا يجب إعادة النظر في القوانين التي تتجاوز هذه الكوارث التي يكون أغلب ضحاياها من الضعفاء الذين لا سند لهم سوى الله تعالى؟
هل يعقل ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث ترفع شعارات “حقوق الإنسان» و«الصحة للجميع» و«معا من أجل تعليم عمومي لكل أبناء الشعب» و«هدفنا تحقيق تكافؤ الفرص بين الشباب» وغيرها من الشعارات المبهرجة، التي لا تعدو أن تكون مثل الشهب تشع وقت الحملات الانتخابية وتنطفئ بمجرد ظهور نتائج الاستحقاقات الانتخابية، فهل لا نستحي من الحديث عن منع من حق الاحتجاج والتظاهر السلمي؟ وهل يعقل العبث بالحياة المهنية للأفراد بدعوى المصلحة العامة؟ ألم يإن الأوان لتجاوز الحديث عن ارتفاع نسبة الأمية وفي وطننا كوادر وأطر يفتخر كل بلد يعظم مكانة العلم والعلماء لانتسابهم إليه؟ أليس من العيب الحديث عن وفيات بسبب الإهمال أو النقص في المعدات والطواقم الطبية؟
إن ما يحدث في بلدنا الحبيب يعبر على أن هناك خلل ما في منظومتنا سواء الاجتماعية او الاقتصادية أو السياسية، وأن هناك جرائم فوق القانون لا يطالها، أو بالأحرى يتجاهلها، وقد كان الأولى التزام القانون ومعاقبة المسؤولين عن كل هذه الحوادث وإلا فإننا سنظل ندور في دوامة الظلم والقهر والحكرة و….