اشتداد الابتلاء يقع بناء على جريان سنة الله في خلقه لغايات يقدرها الحكيم بحكمته وعلمه، وقد يدرك العبد المؤمن بعضا من هذه الحكم لعل أهمها:
1-  لتطهير النفوس وتزكيتها.
2-  لتمحيص الخلق و لتمييز الصفوف؛ حتى يظهر كل على حقيقته.
3-  لتجلية الحقائق؛ فتبدو حقيقة أن الله هو الناصر جلية لا غبش فيها ولا غموض.
4- لإقرار القيم؛ وهي قيم ربانية المصدر والمنهج والغاية يستنبطها أهل العقول المتحررة من الحقائق المطلقة الكامنة وراء الأحداث الزائلة. منها:

  • قيم الشجاعة والزحف على الباطل والإقدام والاقتحام: قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (المائدة 23).
  • قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاعتزاز بالله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدد مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة 54).
  • قيم الصبر وبذل الغالي والنفيس دون طمع مادي زائل أو شهرة دنيوية عابرة بل ابتغاء وجه الله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (سورة الرعد 22).

وتهدف هذه القيم الاعتقادية والتعبدية إلى تركيز مفهوم وحدانية المعبود، يقابل ذلك تحرير الإنسان من كل مظاهر العبودية لأي مخلوق أو كائن مهما عظم، فهو مخلوق على كل حال يحمل سمات النسبية والضعف ومواد الفناء والاندثار.
وتعزز شعائرُ العبادات الخمس هذه الصلةَ بالله، وتعمّق القيمَ الإسلامية في المجتمع من خلال التنفيذ الجماعي لهذه العبادات لانسجام وحدة العبادة مع وحدة المعبود في كامل صور الإبداع والاتساق، ويجد كلُّ ذلك أثره في سلوك الإنسان اليومي في كل مجالات الحياة. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (الروم 30).
5- لإقامة الموازين:  لكل من الحق والباطل موازينه الخاصة؛  فموازين أهل الباطل مستقاة من الدنيا ومن الحرص على الحياة الدنيئة، قال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (البقرة 96). ولو كانت حياة ذل  وخزي واستكانة تعتمد على التجميع التكاثري وعلى المكر والنفاق والخديعة.
 وللحق موازينه الخاصة وهي موازين أصيلة مخفية وراء ظواهر عارضة، منها:
•    أن يد القدرة الإلهية تبطش بالباطل وأهله فتذلهم وتخزيهم مهما كانت قوتهم وجبروتهم، قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء 18).
•    ومنها أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله: وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق آيات في سورة فاطر، يحسن ذكرها ليتضح معناها، يقول تعالى عن طائفة من المعاندين: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيْقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بَأَهْلِه فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر 42، 43).
ولما كان المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً، والكيدُ له عظيماً، سلاه الله بآية عظيمة، تبعث على الثقة والطمأنينة والأمل والراحة، ليس له صلى الله عليه وسلم وحده، بل لكل داعية يسير على نهجه ممن قد يشعر بكيد الكائدين ومكر الماكرين، فقال: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (النحل 127، 128).
 قال أحد الدعاة المخلصين: “فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئاً لنفسه، وقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون”،  والمهم أن يحفظ سياج التقوى، ولا يقطع إحسانه إلى الخلق، ثم ليبشر بعد ذلك ببطلان كيد الماكرين.
6- لجلاء السنن الإلهية للمستبصرين: فهناك أصول تجري وفقها الحياة في هذا الكون العجيب، والقوانين التي تحكم الحياة جارية وماضية لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافا. فمن درسها تكشفت له الحقائق والحكمة وراء الأحداث، واطمأن إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث وإلى وجود الحكمة الكامنة وراءها.
ومن أهم السنن الإلهية التي تتكرر:
– عاقبة الظالمين المكذبين لدعوة الحق على مدار التاريخ هي الهلاك المبين: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الأنعام 11).
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (النمل 69).
وكما جاء في الحديث الصحيح – كما عند البخاري – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليُمْلِي للظالِم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه”، قال: ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(هود: 102).
– مداولة الأيام بين الناس ودوام الحال من المحال: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (آل عمران 140): وتلك الأيام نداولها بين الناس، أي نصرفها للناس، للبلاء والتمحيص.
– استحقاق النصر للمؤمنين والمحق للمكذبين: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (غافر: 51).
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (الروم 47) وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (النساء 141).
– الصبر واليقين مفتاح الفرج: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (السجدة 24) وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا (آل عمران 120).

طالع أيضا  الوظيفة العظمى