قبل البدء

هيهات ثم هيهات لمتأمل، من خارج حصن الإحسان، مثلي، أن يتحدث عن “موضوع خطير موضوع السلوك إلى الله جل وعلا” 1 إلا من باب نقل الحروف والصور، أما المعاني وروحها ولبها فيلزمهما همم رجال عالية، صحبوا من صحب، وورثوا ممن ورث وراثة كاملة، تشربا وتلمذة ومخاللة، من أهم صفاتهم: سيماهم في وجوههم من أثر السجود 2، أذلة على المومنين أعزة على الكافرين 3 لو عزموا على قلع الجبال لقلعوها بلا ضجر، لكن حسبي همة الرجل التي عالج بها آفاقيا  وأنفسيا الأنفس وغير، يقول رحمه الله: “الإحسان بوابة جهاد النفس القابعة بين جنبي الإنسان، وجهاد الأعداء القابعين على المجتمع من حكام الجور، ومن أعداء الأمة المتربصين على الحدود جنباً، والمتوغلين في أرض الإسلام” 4، وحسبي الرحيق المبثوث بالصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة مفتاح التجديد وأساسه، جمع وانجماع، تربية جهادية وليست فردية قاعدة، بل جماعية جهادية 5 أن ترفع وتوقظ همتي الساقطة لأعي وأفهم عنهم جميعا وأبلغ، فرب مبلّغ أوعى من مبلِغ، فلا شك أن النحلة بعد مشوارها الطويل وامتصاصها الرحيق حيث الرحيق أن تصنع يوما ما عسلا فيه شفاء للناس، اللهم اشف مرضانا وارفع هممنا واجعل طلبنا وجهك الكريم.      

صاحب الإحسان

كان صاحب الإحسان؛ رحمه الله وأعلى قدره؛ رجلا فطنا، لا يكتب ليدل على نفسه تحليقا في سماء المعاني والثقافة، ولا شقشقة طلبا للشهرة والربح، ولا تملقا بغية حظوة لدى سلطان، ولو شاء لفعل، بل يكتب تحقيقا بشحمه ولحمه ودمه وروحه، يكتب بثبات وتؤدة، وبخطوات محسوبة، يكتب على بصيرة ونور من ربه، بل حتى أخذُ صورة له مع أهله وصحبه كانت للآخرة، للأبد لا للفانية، وإجمالا يكتب ليدل الناس على الطريق الصاعدة في عقبة الاقتحام إلى رحمة ربه، ويضع أقدامهم على أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: الإحسان “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ” 6.
أعظم بها وأسمع من تحفة أن تجد من يدلك على الله ويحببه لك، مفتاحا للخير مغلاقا للشر، لقد كانت نبرة كلامه كلها تفاؤلا وتبشيرا بالخير 7، ولطالما تمنى أن يجد في صحيفته يوم القيامة سعداء محسنين، بعد أن كان سببا في إزالة ضرهم دون ضرر، وبسط معهم آنية الوصال والود والأخوة والمحبة في الله، ولسان قلبه يقول: تعالوا، من هنا الطريق، تعالوا تسعدوا، تعالوا هنا السعادة الحقيقية، ولقد سعد من لبّى، منهم من قضى ومنهم من ينتظر.

الإنسان وموقفه من نفسه

اهتم الإسلام بالإنسان وجعله لب اهتمامه، ورد له اعتباره الذي ضاع بين المذاهب الأرضية، حيث نفوذ المادة والعقل، والتي لا تعدو أن تعتبر الإنسان مادة للإنتاج والاستهلاك، متسترة تحت مظلات حقوق الإنسان والرفاهية والكونية وغيرها من الشعارات الزائفة التي فضحها واقع ملايين الجائعين والعراة والمقهورين والمضطهدين والمهجرين والأطفال المخنوقين عبر خريطة العالم كلها، كل ذلك وغيره خدمة لأهواء من تجرد من المسؤولية الأخلاقية من المستكبرين وأهوائهم، وجمع بين السلطة، وأساء استعمالها، والمال.
باسم هذه المسميات وغيرها ديست كرامة الإنسان وعفته وغيرته وشهامته وعزته، بل قتلت فطرته وأصبح عبدا لشهواته ونزواته… فماذا بقي له بعد سلخه عن دينه وهويته إلا صورة اللحم والعظم؟ وللمسلمين النصيب الأوفر من ذلك، فيا ترى كيف يكون هذا الاعتبار واقع عين؟ وكيف نعيد من انفرط لتحيا القلوب وتتطلع إلى الإحسان عبادة وقولا وفعلا ولنعبد الله كأننا نراه؟ كيف السبيل إلى قلوب رحيمة وعقول حكيمة في أفق شخصية متوازنة زاهدة في الدنيا ومعمرة لها بفتح باب الخير وغلق باب الشر؟ متى يغير الإنسان موقفه من نفسه ويعلم أنه عقل وقلب وأن قوى القلب هي باعث الترقي دنيا وأخرى؟

طالع أيضا  ذ. عبادي: نحرص على طهارة العقل والقلب والبدن فنتنور بنور الله

كُتب تسير على الأرض

إن كتب الإحسان التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم تمشي على الأرض هي النموذج، والذين كانوا زهادا “في الدنيا جميعا، بالجملة والتفصيل، مجاهدون وقّافون عند أمر الله تعالى ونهيه ووعده ونصيحته إذ يقول: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ 8. وإذ يقول: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 9. وإذ يضرب الأمثال الكثيرة للدنيا وزوالها، ويصف الآخرة ونعيمها، وينادي عباده للتقرب إليه وإيثاره وإيثار رسوله على أنفسهم. وإن أخلاقية القرآن التي رُبوا عليها كلُّها تزهيد في الدنيا وتحبيب لما عند الله ثم تحبيب لله ولحب الله ولقرب الله ولذكر الله. ولَذكر الله أكبر” 10.

أحيانَا سبحانه حتى رأينا وسمعنا، وليس من رأى كمن سمع، كتب الإحسان، المبشرة بزمن الخلافة الثانية تمشي على رجلين: تمشي في الناس بنور ربها وسراج منير من هدي نبيها صلى الله عليه وسلم، لَخير معين عملي لفهم كيف يغير الإنسان موقفه من نفسه ومن الحياة ومن الموت ومن الكون والوجود والمصير… لكن بعد استفراغ الجهد والطاقة صحبة ومخاللة “تنشرح الصدور ببركة الصحبة والذكر، وبركة صدق المتجالسين في الله” 11 وجهادا وتبتلا وكثرة الذكر ولزوم باب الله تضرعا وخشية… و“أعني على نفسك بكثرة السجود” 12، انطلاقا من القاعدة القرآنية إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 13 لأن “المسلم التائب عندما يتغير موقفُه من نفسه، ومن خالقه، ومن الكون، وعندما تتغير علاقاته تبَعا لذلك الموقف، وأخلاقُه، وتصورُه، يتغير ما به من رذيلة، وظلم اجتماعيٍّ، واستبداد سياسيٍّ، وعجز اقتصاديٍّ، وخمولٍ فكريٍّ، وتبعيةٍ للجاهلية” 14.
 
بهذه النماذج النورانية؛ التي تركها الإمام المجدد رحمه الله؛ السابقة بالخيرات زمانا، والذين جاءوا من بعدهم 15 وبالكلمة الرحيمة المبشرة، ننجح في اقتحام العقبات ونغزو قلوب الناس ونبني ونعمر ونترقى. “وما يستهين بمقامات الرجال إلا القلوب المتمزِّجة والنيات المتعوِّجة. وما يستطيع اللحاق بالرعيل الأول إلا من كان له بصحبة العارفين بالله شمل ملموم، وعن غير ذكر الله فمٌ مكْموم، وقلب مهموم، وهوىً في غير الله ورسوله مهزوم…” 16.

طالع أيضا  مجلس الإحسان |21| حب الله قطب رحى الدين

غاية الغايات

والغاية، “أعلى سلم المطالب (مقاصد الشريعة) الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه” 17، والغاية بناء شخصية إحسانيه متميزة ورفيعة المستوى، إذ بتعددها وكثرة انتشارها في المجتمع: في الأسواق والوظائف والمنتديات، تلمذة واقتداء واهتداء ومخاللة، شاهدة بالقسط، صادقة في القول والعمل مع ربها ومع الناس أجمعين، حية وحاضرة في كل المواقف والعقبات تأثيرا وجاذبية، محبة الخير للجميع، تغير، ويصلح المجتمع ويتغير، وتُغير نظرته لنفسه وخالقه، يقول الله تعالى:  أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها 18، ويقول سبحانه وتعالى أيضا: والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون 19 وأسوتنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام المحسنين، يقول الله سبحانه: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا  20، حيث كان المرء يأتيه في حال ويعود إلى أهله وعشيرته في حال آخر.

وعجلت إليك ربي لترضى

جزء من آية من كتاب الله ـ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى 21ـ  على لسان سيدنا موسى حين ناداه ربه بالإقبال عليه لأخذ الألواح، فأرى ربه البرهان من نفسه، أن ترك الدنيا وقومه على أثره لتلقي أمر ربه، لم يكن القصد إسراع الخطى المادية إليه سبحانه فحسب، وإن كان هذا أول الاستجابة من العبد حين ينادي المنادي حي على الصلاة أو حي على الفلاح أو حي على الجهاد، لكن الغاية لهفة القلب وتبع هواه للمحبوب: الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والنموذج حنظلة غسيل الملائكة بين السماء والأرض وعمير بن حمام الذي رمى التمرات وسارع إلى رضوان ومغفرة من ربه ولم يتبطأ…
وإن لم نفعل فعتابه سبحانه للمومنين ووعيده كلما تثاقلوا إلى الأرض ولم يلبوا النداء بالنفير، خير نذير وموقظ للهمم، إذا تريد أن تترقى، يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 22.
تثاقل إلى الأرض، يعني حب الدنيا وكراهية الموت، يعني التنافس على جمع حطامها وظلم من فيها، إنه خطر الحرص على حب الرئاسة والمال، فيضيع أداء الصلاة في وقتها وحضور الجماعات، بل تضيع حقوق الناس.
لذلك فإن مقامات الإحسان لن نتبوأها قفزا، إن نحن فرطنا فيما فرضه الله علينا من عبادات فردية، وقصرنا في فرض الصلاة -الصبح في المسجد- ونفلها، وفرض الذكْر ونفله 23. لذلك يحضنا سبحانه على المسارعة والمسابقة إليه باقتحام العقبة، لكن الإنسان؛ بطبعه الجاحد للنعمة والمنعم؛ ينسى ويتناسى فينسبها إليه قائلا بحاله ولسانه: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ 24.

طالع أيضا  شعب الإيمان | الإمام عبد السّلام ياسين

خلاصة

ليس عبثا أن يقر الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه على ما كان يفعل، لقد كان “يأخذ بيد الرجل من الصحابة فيقول: تعال نؤمن ساعة! روى الإمام أحمد عن أنس أن عبد الله فعل ذلك وقاله ذات يوم لرجل، فغضب الرجل وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم “يرحم الله ابن رواحة! إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة” 25.
لقد تشتت الناس وأصابهم الغم والحزن، خطب يشيب له الرجال الذين أصابهم الهم، هم الآخرة، وهو توفيق واجتباء وهداية وعناية منه سبحانه وتعالى، فهيا بنا إلى مجالس الصالحين، إلى السكينة والرحمة إلى حيث نذكر في الملإ الأعلى، إلى حيث هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، إلى حيث يبنى الخير كله اقتداء واهتداء وعهدا 26.


[1] ياسين عبد السلام، ألا وإن في الجسد مضغة (الإحسان ج 1): 22.
[2] الفتح: 29.
[3] المائدة: 54.
[4] ألا وإن في الجسد مضغة (الإحسان ج 1): 22.
[5] من مداخلة للأستاذ عبد الكريم العلمي.
[6] رواه مسلم عن عمر بن الخطاب.
[7] من مداخلة للمهندس المحتسب محمد سعودي.
[8] النحل: 96.
[9] الأعلى: 16/17.
[10] الزهد والورع (الإحسان ج 1): 442.
[11] رسالة الإمام لمجلس النصيحة، رجب 1418ه.
[12] رواه مسلم في كتاب الصلاة.
[13] سورة الرعد: 11.
[14] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 180.
[15] الحشر: 10.
[16] الزهد والورع (الإحسان ج 1): 443.
[17] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ ص: 76.
[18] الأنعام: 122.
[19] الزمر: 33.
[20] سورة الأحزاب الآية: 21.
[21] الأعراف: 83/84.
[22] سورة التوبة: 39/38.
[23] رسالة النصيحة.
[24] القصص الآية 78.
[25] ياسين عبد السلام، كتاب الإحسان: ج1، ص332.
[26] من مداخلة للدكتور ياسين لحلو.