رسالة تعزية وتهنئة للأحرار الأبرار من أُطُر العدل والإحسان شِعارا وسلوكا يُخفّف عنهم وطأة القهر والحَصر والمكر، ويبشّرُهم بأنّ الله مُطفئٌ نار مَن أوقدها للحرب والكيد، ومُتِمّ نورَه لأهل الصِّدق والوفاء بالعهد. وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد، ولله الحمد مِن قبل ومِن بعد.

“يطفئ نارهم ويتمّ نوره”

وتسألني: «لم الإعفاء جَوْرا؟ ** لأخيار سـمَوا عملا وقدرا
وكانوا في الورى أرباب عدل ** وفي الإحسان فاتوا الناس بِرّا
لم الإعفاء والأبرار قلٌّ ** وكانوا بالثّنا والشُّكر أحرى
وقد أبلوا شبابا في مَضاء ** وأفنوا في التُّقى والخير عُمْرا
وأعْلَوا شأونا في كلّ شأن ** شهادات وأخلاقا وفِكرا
وضبطا وانضباطا والتزاما ** رئيسُهمُ بهم يختال فخرا
ومَن كانوا على العمال رأسا ** فقد هاموا بهم حُبّا وذِكْرا
ومغربنا يُعاني مِن فَراغ ** ومِن هجر الأُسى عَلَنا وسِرّا
فهل هي خُطوة في ألف ميل ** لكسر العدل والإحسان قهرا؟
وإرضاء الكبار بحَصْر صُدْق **  أبَوا أن يركنوا للعضّ أسرى
أم الإرهاب أمسى عُذْرَ خَبٍّ ** لجعل الدّين “وزرا” جَلّ وِزرا
ويافطةً لبَسْط نفوذ غُفْل ** عَلَوا في الأرض طغيانا وكفرا
ولافتةً تُبرِّر رجم قوم ** أرادوا أَطْر باغي الشَرّ أَطْرا
ومَدعاة لإقصاء ومنع ** أَجِبْنا إنّنا في الأمر حيرى
وإنّا لم نَعُد نَقوى على ما ** يُطَوِّعُنا  دُمىً تُكْسى وتُعْرى
وهل يرضى بقَيْد الذُلّ حرٌّ؟ ** وهل يُجدي الرِّضى بالحكم صبرا؟
“شريعتُهم”رأى في الصّبر خِدْرا ** وعدّ الشُّكر عند القهر سُكْرا
وشِرْعَتُنا تَعُدّ الصّبر حِلْما ** ودَفْعَ الظّلم بالإحسان نصرا
رضينا لا اعتراضٌ، لا امتعاضٌ ** فخالِقُنا بعُقبى الخلق أدْرى
وبالمقدور لن نرضى فهلاّ ** لمن أعْفَوا نظَمْتَ الحَلّ شِعْرا»
«أخ الإسلام لا تعجل علينا ** وأمْهِلْنا نُحِطْ بالأمر خُبرا
فليل الظّلم يفضحه نهار ** يزيل ظلامه شِبْرا فشِبْرا
إلى أن تستبين سبيلُ جُرم **  بدا للغِرّ قبل الفجْر فجرا
وكيف يَبينُ حكم العضّ جَوْرا ** إذا لم يُظهر العُدوانَ ظُهرا؟
ولم يُجهِز على حقّ البرايا ** بأدهى ما جرى عَصْرا ومِصْرا
فمَغربنا غدا عَجَبا عُجابا **  بدعوى الدّين سام الدِّينَ نُكرا
وجرّد فاضلا مِن كلّ فضل ** وزاد مُجرَّما فضلا وأجرا
وأغنى مَن أساءوا واستباحوا ** حِمى شعب هوى للسُّحق فَقْرا
وأسْعارٍ عَلَتْ والأَجْرُ دانٍ ** وتَعليم غدا للجهل جِسرا
وإعلام يُسوِّق للمخازي ** ويُظهر حُلْمَهم للنّاس بُشرى
ويُبْدي ما رَأَيْنا ضِغْثَ حُلْم ** وما رُمْنا ليُسرى الشّعب عُسرى
فيُعْفي مِن أُسانا كُلّ شَهْمٍ ** لئلا يرتقي الآفاقَ نَسْرا
ويُبقي مِن أَساهُم كُلَّ وَهْم ** لِيَدْعَم حُكْمَهم مَدّا وجَزْرا
إذا كُنتَ المَدينَ بدَين زيْدٍ ** فإن قضاءه يَبتزُّ عَمْروا
وهل زيد سوى صندوقُ نقد؟ ** وهل عمرو سوى مَن كان بَرّا
أبى أن يُشتَرى تِينٌ بدِين ** ويَعْلُوَ قَيْصَرٌ ويَسودَ كِسرى
أبى أن يَدْخل الميدان غِرّا ** فيُهزَم قبل لُقْيا الخصم طُرّا
أبى نهج اتّباع الذّيل ظِلاّ ** يرى الدُّنيا عُلاً والتُّرب تِبْرا
أبى ألاّ يُقال خَئون شَعْب ** ويرضى أن يُقال العدل غَدْرا
أبى ألاّ يُقال لمن أساءوا ** بكُم حَلَّت بنا الأهوال تترى
أبى ألاّ يُبَوّأ ذو ضمير ** مكانا عُدّ للرُّقَباء حَصْرا
إذا أعفوا خِيارا فاعْذروهم ** فإعفاء القليل أَقَلُّ خُسْرا
ولو أعفوا موظّفهم لصارت **  إدارتهم مِن الأشباح صِفْرا
وفي التعميم ظُلْم واعتساف ** وللأخيار أبدال فعُذْرا
رحيل الجور مُنتظر وشيك ** ودام العدل في القرآن أمرا
دوام تلاوة علم وحفظ ** وموعظة وفرقان وذكرى
هدى وشفاء صدر من سقام ** ونورا لملإ الآفاق بِشرا
لهم جولات إجحاف وعَزل ** وصولات ابتزاز خاب كَوْرا 1
وليس لنا سوى المولى نصير ** وغير شعوبنا دعما ونصرا
ووعد الله سُلْوى بل عزاء ** لمن ذاق الأَسى عَضّاً وجَبرا
يُبشّرنا بيُسر بعد عسر ** ويُسْرُ الله بالعُسرَيْن أَزْرى
فكيف إذا أتى مِنْهم عَسير ** وجاء الضِّعْف مِن مَولاك يُسْرا
إذاً أَبْشِرْ فلا خوفٌ علينا ** ولا حزنٌ وهِم بالله شُكرا
فحَسْبُ العَبْد رَبُّ الخَلْق مَولى ** ولا مَولى لهم دُنيا وأُخْرى
صلاتي والسلام عليك طه ** بها قلبي مِن الأدواء يَبرا
ومَن صلّى على الهادي صلاة ** صَفا وعليه صلّى الله عَشْرا

فاس الجمعة 3 جمادى الثانية 1438هـ
الموافق لــ3 مارس 2017م


[1] الكور: قيل الكَوْرُ تَكْوِيرُ العمامة والحَوْرُ نَقْضُها وقيل معناه نعوذ بالله من الرجوع بعد الاستقامة والنقصان بعد الزيادة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه كان يتعوّذ من الحَوْر بعد الكَوْرِ أَي من النقصان بعد الزيادة وهو من تَكْوِير العمامة وهو لفها وجمعها.
طالع أيضا  ذ. العلمي: حملة الإعفاءات رد فعل على نجاح الجماعة في دعوتها للحوار