وأخيرا، آن أن ينتهي المسلسل الممجوج للمرحلة الرديئة؛ فما بين 7 أكتوبر و5 أبريل تفاصيل حكاية استبداد تخلى عن “مداراته المقنَّعة” ليخوض معركة الترويض والارتداد والإذلال بوجهه السافر المكشوف.

موقفنا من طبيعة النظام الذي يشكل الحكومات على عينه كان وما يزال واضحا، وقراءتنا لِلَحظات مفصلية عرفها البلد، التناوب التوافقي والعهد الجديد ودستور 2011، أثبتت التجارب والسنون صحتها وسلامتها؛ فالاستبداد المغربي يعطي ليأخذ ويمنح ليمنع ويغير ليبقى. ليستمر هو هو دون تغيير أو إصلاح، تتناوب الوجوه والأدوات والمراحل والشخصيات ولا يتخلى عن روحه المخزنية. بينه وبين الديمقراطية المدعاة خصومة مُبينة وعداوة مقيمة.

ما يقع اليوم يؤكد ما سبق أن قلناه، وقاله غيرنا من المنصفين، من أن الانتخابات في المغرب لا تؤدّي الدور الذي تعارفت عليه الدنيا، ومن أنها محطة للبهرجة والتسويق الخارجي وآلة للإلهاء والتنفيس الداخلي، ومن أن وسائلها من لائحة وتقطيع ونمط وعتبة وإشراف… لا تفضي إلا إلى التحكم في الخرائط والمآلات لتكون المؤسسات “المنتخبة” الصغيرة في خدمة المؤسسة “غير المنتخبة” الكبيرة، ضبط تريده الدوائر العليا بالنقطة والفاصلة ودون تشويش، فإن حصل بنسبة من النسب، فالتحالفات آلية لاحقة للفرملة. واسبح أنت في مثاليتك الحالمة، فـ”التحكم” محيط بك من كل جانب، والآلية الانتخابية لا تعدو أن تكون واحدة من أدواته.

ما يقع اليوم ليس إلا التعبير الحقيقي عن الأوهام التي بشر بها دستور 2011، والملكية الثانية التي تحدث عنها البعض، والاستثناء المغربي الذي تغنى به آخرون؛ فالدستور لم يعد نصا واضحا فَصَل السلط وقلص من مساحة الملكية التنفيذية، ولم يصبح نصا مبهما نستكمله بالتأويل الديمقراطي الذي اتضح أنه كان سمفونية تخدير، بل الدستور أصبحت له روح كما جاء في بلاغ الإعفاء، والروح كما تجلت في التطبيق ليست صراعا داخل الدولة بين السلطوية والديمقراطية، كما قيل زمن الانحناء للعاصفة، بل إنها رغبة قصر وإرادة حاكم أغلق تماما قوس الأماني الواهية، وجلى استمرار الفصل 19 المعلوم، وأكد حقيقة “الملك أسمى من الدستور”، وكشف أن العرف المخزني أقوى من كل دستور مكتوب . فمقولة الحسن الثاني “العرش ليس أريكة فارغة” كان وما يزال شعار  الحكم في المغرب.

طالع أيضا  مؤشر الديمقراطية: نظام الحكم في المغرب "هجين"

ما يقع اليوم يضع خيار الإصلاح من الداخل في النفق المغلق والطريق المسدود مجددا؛ ذلك أن محاولة التغيير من داخل قواعد النظام المغلق، التي يضعها مهندسوه، ستبقى دائما محكومة بالفشل الكلي، وإن ظن أصحابه النجاح الجزئي أو اللحظي، فقواعد اللعبة المخزنية مصاغة لضمان الاستمرار بنكهة التغيير في حال الضرورة وبقاء الاستبداد بلبوس الديمقراطية عندما يقتضي الحال.

إن الإصلاح من الداخل، أو الإصلاح في ظل الاستقرار كما يسميه أنصاره يكون للحديث عنه معنى إن كان يفضي إلى امتلاك أدوات التماس المباشر مع الشأن العام عبر السياسات العمومية التي تخدم المواطنين، والتي تتيحها الدولة عبر مدخل الانتخابات. أما حينما تكون الانتخابات بابا خادعا يفضي بك إلى دوامة “وهم الإصلاح” الذي لا يبدأ إلا لينتهي، والذي سرعان ما يستسلم للكبار وذوي المصالح والنفوذ ويسميهم بغير أسمائهم، والذي يأخذ من المواطنين الموْجُوعين بقهر العيش ليضع في جيب المخزن وخدامه وكبرائه، والذي يقبل بأن يظل الحكم تسلطا واستبدادا يدور حول الفرد لا أن يصبح حكم شعب يملك سلطته وزمام أمره، فإن “الإصلاح من الداخل” لا يعدو أن يكون كلمة تقال لا حقيقة لها على الأرض، ومطب ينال من مصداقية القائلين به مقابل دعم مجاني لنظام يأبى الإصلاح.

مجددا نجد أنفسنا ملزمين بالحديث في المعلوم من السياسة بالضرورة، التي لا شك تنبني على الممكن وفي ميدانها الكثير من النسبي ويقع أصحابها في صعوبة قراءة اللحظة وتقدير الموقف، لكنها أيضا -أي السياسة- منضبطة لمبادئ لا غبار عليها من صدق في المبادئ وحدود في المرونة وتمسك بالصلاحيات ووضوح مع الناس وثبات على الموقف، كل ذلك مع شرط إرادة جادة من نظام في التغيير والتنمية والتربية والتطوير والإصلاح، فإن انعدمت هذه الإرادة فاللعب مع الأفعى يورد المهالك.

طالع أيضا  مؤشر الديمقراطية: نظام الحكم في المغرب "هجين"

إن النظام السياسي المغربي يأبى أن يتخلى عن تسلطه الذي ترسخ سنين وعقودا وورثه الخلف عن السلف، ويتمنع في تجاوز اختلاله البنيوي القائم على السلطة المطلقة والحكم الفردي، وهي الأشياء التي يخفف من حدتها في لحظات الانفجار كما في حراك 2011 ليستعيدها سريعا لأنها جزء من ماهيته وذاته.

إن الحقائق الشاخصة اليوم تؤكد أن المخزن والديمقراطية لا يلتقيان.. ولسان حاله يقول: انتهت اللعبة.