يعتبر التراث على اختلاف أنواعه وأشكاله المرآة العاكسة لمصداقية حضارة الشعوب وتاريخ الأمم، تفخر وتعتز به لكونه المعبّر عن هويتها الوطنية والدينية. فهو يشمل كل ما خلفته الأجيال السابقة وتركته للأجيال اللاحقة في مختلف الميادين المسموعة والمكتوبة والمرئية، بالإضافة إلى الأبنية الأثرية والتراثية. فهو إذاً صلة وصل بين الماضي والحاضر. مما يفرض ضرورة المحافظة عليه وصيانته، بل وتطويره. فكل من تدعوه نفسه لتدمير وإزالة ماضيه فإنه بذلك يدمر ويزيل مستقبله، لأنه، كما يقال: “من يطلق مسدسه على الماضي فكأنه يطلق مدفعاً على المستقبل”.

ولقد كانت هناك دعوات كثيرة وصريحة في العالم ومنذ عقود، تدعو الشعوب والأمم، لحماية الإرث التاريخي وكل ما تركه الأجداد من مخلّفات حضارية وتراث معماري وفني،  حتى ولو كانوا أعداء لأصحاب هذا التراث.

بل أصبح التراث في عُرف الأمم، اليوم، لا يخص أمة بعينها، إنما هو ملك الإنسانية جمعاء، مما قاد إلى إقامة مؤسسات وطنية ودولية تتولى الاهتمام به وحمايته، كمنظمة هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة المتفرعة عنها مثل منظمة اليونسكو وغيرها… وفي عام 1954م عقدت اتفاقية لاهاي الدولية من أجل حماية الممتلكات الثقافية في حالة وقوع نزاع مسلّح، كما تأسست مؤتمرات دولية لمناقشة قضايا الآثار في مختلف تخصصاتها… أما في العالم العربي فقد نظمت سلسلة من المؤتمرات الأثرية الخاصة بالدول العربية التي قربت بين وجهات النظر والأفكار المتعلقة بحماية الآثار وصيانتها وترميمها، كما ساعدت على حماية وصيانة عدد من المدن التاريخية العربية.

وتعتبر الآثار الإسلامية وخاصة الآثار والمخلفات النبوية، منطلق عز الإسلام ومبعث  فخر المسلمين. والشاهد على التاريخ وتطوراته على مدى خمسة عشر قرناً، والاهتمام بها والحفاظ عليها هو حفاظ على ذاكرة الأمة الإسلامية وعراقتها وأصالتها وتاريخها. ومن المؤسف أن نعيش في زمن نرى فيه آثارنا الإسلامية الموجودة في أحب بقاع الأرض إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، تهمل و تضيع وتندثر تحت معاول الهدم والتلف والتخريب.

فإلى وقت قريب مضى  كنا نرى العديد من الآثار الإسلامية للرسول صلى الله عليه وسلم  وآل بيته الأطهار وصحابته الأخيار تتعرض للاندثار بسبب إهمالها أو العبث بها. أما اليوم فقد انتقلت الحالة وتحولت من مرحلة العبث والإهمال، إلى مرحلة الهدم والإزالة لأهم هذه الآثار الموجودة بمكة المكرمة والمدينة المنورة التي تؤرخ للسيرة النبوية العطرة وسيرة الخلفاء الراشدين، على مرأى ومسمع من العالم. إزالات تعتبر ولا ريب طمسا للتاريخ الإسلامي ومسحا لأصالته وإلغاء لذاكرته وتغييرا لمعالمه.

جاء في خبر للشرق الأوسط نشرته بتاريخ 15/1/1428هـ تحت عنوان: «تحديد 43 مسجداً صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على خارطة للمدينة من العهد السعودي» وأنه «لم يبق منها سوى أبرزها الذي هو المسجد النبوي، ومسجد قباء، ومسجد الإجابة، ومسجد القبلتين، أما الباقي فقد اندثر وطمس تماماً».

ويقدر معهد واشنطن القائم على شؤون الخليج، أن 95٪ من المباني القديمة والتي ارتبطت بحياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد تم هدمها في العقدين الماضيين، لم تعد صحراء الجزيرة تُضاء بالنجوم، لكن الآن تضيئها سلاسل الفنادق الفاخرة والمحال التجارية الرأسمالية المبهرجة أمثال ماكدونالدز، ستاربكس، باسكن روبنز والعديد من بوتيكات باريس هيلتون!!

لقد تم هدم هذه الأماكن التاريخية وإزالتها بحجة الزيادة في التوسيعات للساحات المجاورة للحرمين الشريفين، وفي هذه الحالة ما بال المواقع البعيدة بعشرات الكيلومترات كالإهمال الذي يطال غار حراء وغار ثور والآبار المشهورة بمكة المكرمة وكمساجد غزوة الخندق والآبار النبوية المشهورة بالمدينة المنورة، وغيرها… أو بسبب مبالغات من عدد محدود من الناس في عاطفتهم اتجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصدر عنهم بعض التصرفات التي قد تفاجئ البعض كالبكاء الشديد والتمسح بأركان هذه الأماكن وتقبيلها؟ لكن هذا لا يبرر إزالة تلك الآثار، وإنما الواجب هو التوجيه والنصح والإرشاد لأصحاب هذه التصرفات الظاهرية مع الاحتياط التام من التدخل في الأسرار التي تُترك لعالِمها عز وجل.

 يقول الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان، وهو فقيه ومؤرخ وأديب سعودي وعضو لهيئة كبار العلماء في السعودية وعميد كلية الشريعة بجامعة أم القرى سابقاً، في محاضرة له نشرت ملخصها «المدينة» بالعدد 15970 ما نصه:
“إن المحافظة على الآثار تحقق إحياء المعاني الروحية وإحياء التاريخ في أبنائنا وأجيالنا القادمة وتعلمهم الممارسة الشرعية الصحيحة والتعامل الصحيح مع هذه الآثار، فإن الوسائل لدينا عديدة للحفاظ على هذه الآثار من ممارسة الجهلة والمشعوذين والخرافيين”.

ويقول الشيخ أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي السابق في تصريح له: ”ظننتُ أني سوف أرجيء كتابتي عن الآثار الإسلامية لسنة قادمة لأن ما أعرفه من مخططات أعلن عن بعضها وأخفي غيرها، أصابني بالذعر.. إلاّ أن الإقدام على نبش قبور آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، وهدم مسجد ومدرسة ومكتبة الإمام علي العريضي ابن الإمام جعفر الصادق وحفيد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.. قد أنساني لهوله وشناعة فعله المخاطر الخارجية التي ستزول يوماً من الأيام. فقد هزتني المخاطر التي تهدد آثار الإسلام وهي إن زالت فسوف تزول إلى دوام. وكأني أشعر بوجود مخطط مدروس لإزالتها من الوجود”.

ويستمر الشيخ يماني في قوله بعد الإشارة إلى المخططات الوهابية لإزالة البقية الباقية من آثار الإسلام: ”لو أردت أن أسرد الآثار الإسلامية الهامة في مكة المكرمة أو المدينة المنورة والتي تم حتى الآن هدمها وإزالتها بحجّة سدّ الذرائع أمام البدع ومهالك الشرك لأطلت واستفضت، وما ذلك هدفي من رسالتي.. ولكنها زفرة مكلوم، فقد فاض الكيل وتعذّر السكوت، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي تقرأ تاريخه ثم تراه على الطبيعة، يُوثّقُ ذلك التاريخ فيزداد بذلك إيماننا بعقيدتنا وإسلامنا… ولئن انحرف بعض العامة لجهلهم بعقيدتهم، فإن التصدّي لذلك الانحراف لا يتمّ بهدم ثروة تركها أجدادنا لنا عبر القرون، ولا يجوز بحال من الأحوال هدم آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار صحابته وآل بيته، فالتاريخ لن يرحمنا إن فرطنا فيما منحه الله لنا وهو أمانة في أيدينا”.

وجاء في تصريح لخبير الآثار الإسلامية والمعمار الحجازي والباحث في الحضارة الإسلامية الدكتور سامي عنقاوي، الذي كلف بدراسة مكان بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بمكة المكرمة والتنقيب فيه في الشهر الخامس من عام 1210ه، هذا التنقيب الذي دام أربعين يوما فقط ليتم هدم البيت تماما بعد ذلك لتُبنى مكانه أماكن للوضوء: “… وهنا لطيفة تستدعي التأمل وهي أن الأثر يحرك القلوب إما إيجابًا نحو عاطفة المحبة مثل قول الشاعر (وما حب الديار شغفن قلبي///ولكن حب من سكن الديارا). والبعض يبالغ في عاطفته فيبدو منه ما قد يستنكره الآخرون، وهذا ليس ذنب الأثر. ونحتاج هنا إلى إرشاد وتوجيه لتكمل الاستفادة من الأثر بما يحب الله ويرضى. والبعض يبالغ سلبًا بمشاعر الخوف مما قد ينتج عنها من بدعٍ أو شركٍ -العياذ بالله- بإزالة الأثر. فيكون كمن ينظر إلى المرآة ولا يعجبه ما يرى، فيحاول أن يغير في المرآة، والأسوأ أنه قد يكسرها؟ والمرآة هي انعكاس للإنسان الذي عليه أن يعيد ترتيب نفسه. وليس التخلص من المرآة. ويصل الخلاف بين الجانبين إلى أن يتهم البعض بالبدع والشرك والآخر يتهم بعدم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم…”.

فعوض دراسة هاته الأماكن والمواقع بعناية فائقة للتعرّف على ما تضمّه من آثار وتراث وتقييمها عن طريق خبراء وأخصائيين في العمارة والعمران والآثار، والقيام بتسجيلها وتوثيقها، وعوض وضع خطط لترميم المعرضة منها للتصدع والمهددة بالانهيار والزوال لإنقاذها وصيانتها، وتطويرها وتحديثها بالزيادة وليس بالإزالة، كما يوصي بذلك معظم علماء الآثار،  نجد آلات الهدم وبدون إحساس من محركيها، لا تتورع ولا تتردد بأمر آمر من التخلص منها وبسرعة فائقة لا تترك مجالا للتفكير أو التراجع، ولا تعير اهتماما للثائرين المتأثرين ولا تعطي بالا للمعترضين والمحتجين على كثرتهم، تتسابق مع الزمن لتنفيذ مخططاتها، وتلبية رغباتها الجامحة لبناء الفنادق الفاخرة والمحلات التجارية والأبراج الناطحة، والجاهلون للقيم والأصالة لا يدرون أن مثل هذه المواقع والآثار التي تخص أعظم رجل في تاريخ البشرية وأحب مخلوق إلى الخالق سبحانه والتي تمثل أهم مرحلة تاريخية للمسلمين قاطبة لا يمكن تعويضها أبدا… أبدا… أبدا.