التطبيع جهارا مع الداء:

    ذكرت الكيان الصهيوني بداية بكيان دون تعريف بال”كيان”  لأنه كيان نكرة حقيقة منذ زمن وقرون، مجهول الهوية، مغمور النوايا والخطط، مزيف التاريخ مختلق الأساطير والأكاذيب، لا يرجى التعامل معه ولا الثقة به ولا فتح علاقات معه مادامت يده ملطخة بدماء المسلمين وعقليته أسطورية قائمة على الافتراءات والغلو والإرهاب، بل ويده ملطخة حتى بدماء المغاربة في أسوء جريمة تاريخية في فلسطين أبادت في 1967 حيا للمغاربة بكامله دام لمدة ثمانية قرون.

     كيان يعلم الجميع أنه زراعة سرطانية  زرعته القوى الاستكبارية العالمية مرضا وداء وسط العالم الإسلامي والمشرق العريي وزرعا مقصودا وممنهجا  للحفاظ على توزان النظام الدولي، وحماية  لمكتسباته الاستعمارية الاقتصادية والاستراتيجية التي حصل عليها بعد سقوط  الدولة  العثمانية في 1924، وتقسيميها إلى دويلات و أقطار ممزعة الأوصال.

   فكان الكيان الصهيوني بلاء وابتلاء ابتليت به الأمة بسبب ضعفها وانحطاطها دولة ونتيجة غثائيتها شعوبا وأفرادا .

     وها هو الداء والمرض الذي نخر جسم الأمة كدولة عازل وكيان مجرم مغتصب  لفلسطين وما حول فلسطين يصل إلى شرفات أقطارنا العربية والإسلامية من باب حكومتنا وأنظمتنا بهدف التطبيع وعقد العلاقات المتعددة الأشكال مع الكيان الصهيوني، بذريعة إنماء الاقتصاد، وتنمية العلاقة السياسية، وتحقيق التواصل بين الدولتين والتعايش الديني، وتبادل الخبرات والثقافات، دون الاكتراث أن التطبيع مع المجرم يعد جريمة في حد ذاته، ويشرع إجرام  الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين والمسلمين واستباحة دمائهم والدوس على مقدساتنا الإسلامية والحضارية.

    ولا أظن النظام المغربي استثناء من هذا التطبيع فهو له باب خاص يشرعه على مصراعيه بإتقان وتميز واحترافية،  للتعامل مع الكيان الصهيوني من مختلف الأوجه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، مستفيدا في ذلك مصلحيا من قوة الكيان الصهيوني في المحافل الدولية لتزيين صورة النظام المغربي دوليا.

    وفي السنوات الأخيرة ومع النكوص السياسي وخصوصا هذه السنة تعددت مداخل التطبيع، وزاد حجمها وانتقلت ملامح الإعلان عنها جهارا، إلى حد رفع خرقة الكيان في مؤتمرات بالمغرب، فضلا عن تزايد الرحلات الفنية والإعلامية والأكاديمية والثقافية إلى الكيان الصهيوني، مما ينذر بتوسيع فجوة التعامل والتواصل المعرفي بين نخب وشخصيات وطاقات فكرية قد يشكل التعامل والتطبيع بها استقطابا صهيونيا لهذه الطاقات والنخب يخدم مصلحة الكيان الصهيوني بالمغرب.

طالع أيضا  الأستاذ فتحي ضيفا على "الشاهد" للحديث عن حملة "رصاصة التطبيع تقتل"

     لكن السؤال هل يرضى المغاربة وتاريخ المغاربة بالتطبيع؟ أم أنهم يمجونه مجا ويطرحونه طرحا ويرفضونه جملة وتفصيلا؟

وهل تطبيع الدولة المغربية مع الكيان هو دلالة مسبقة على قبول المغاربة للتطبيع مع الكيان والاعتراف به أم أن موقف النظام المغربي وجه، وتوجه المغاربة وجه وخيار آخر؟

المغاربة والتطبيع:

    إن قضية فلسطين وبيت المقدس بالنسبة للمغاربة  قضية متجذرة متجددة في قلوبهم، حية منذ قرون بتجدد معاني الحب والتعلق القلبي والتاريخي ببيت المقدس وفلسطين.

     هي قضية عقدية دينية إيمانية  قبل كل شيء، فالمغاربة تعلقهم بسورة الإسراء ووصية الإسراء  والمعراج تعلق قلبي  بفهم عميق وفقه واع متبع منذ التاريخ. 

    إن هذا الارتباط الشديد ببيت المقدس والمسجد الأقصى هو أكبر من قضية تضامن أو دعم قومي أو قضية وطنية فلسطينية شخصية تختزل في أرض أو حدود فلسطين وشعب فلسطين، بل يعتبرها المغاربة قضية أمة وقضية مصير، ومصير إنسانية، وهذه النظرة المغربية الإيجابية اتجاه فلسطين تعود إلى: 

    – نظر المغاربة إلى  أرض فلسطين أنها  أرض تضم أطهر بقعة ومسجدها هو وصية الله يقول القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[الإسراء: 1].  

     فالمسجد الأقصى كما نرى من النصوص الإسلامية هو مسرى الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ومنطقة عروجه وهو أولى القِبلَتين، وثاني مسجدَين وُضِعَا في الأرض، وهو منزل مبارَك تُضاعَف فيه الحَسنات، وتُغفر فيه الذنوب.

   -نظر المغاربة منذ زمان إلى المسجد الأقصى على أنه مكان تاريخي  يفضح الداء والأدواء الطامعة منذ القرون الصليبية  لاحتلاله كطريق لاحتلال الأمة والعالم، ونظر له المغاربة كمزار شريف، ومنزل مبارك وموضِع مقدَّس كريم، فشدُّوا إليه الرِّحال، وأحرموا منْه للحج والعمرة، وزاروه لذاتِه بغية الصَّلاة والثَّواب، وأحاطوه برعايتهم الدينيَّة الكريمة.

طالع أيضا  ذ. الرياحي لقناة القدس الفلسطينية: نرفض التطبيع لأنه اعتراف بالكيان الصهيوني

هذا التعلق القلبي والحب المغربي للمسجد الأقصى نابع من بساطة إيمان، وفقه متوارث من تراث إسلامي مغربي سليم وصحيح، لذلك نجد المغاربة يرفضون أي كيان داخل الأرض المباركة التي أنعمت عليهم بالبركة والرزق منذ قرون، ويرفضون التطبيع مع المجرم الصهيوني الذي دنس الأرض الطاهرة  رغم تجاوز الدولة المغربية إرادة وصوت الشعب، بل وتجاهلت تاريخ المغاربة وجذوره التاريخية المقدسية في  المعمار والتشييد والإثراء التراثي، وجهوده  التكاملية التخصصية المقدسية في الفكر والجهاد، والرحلات الأدبية، والوقف العلمي، والصناعة الحرفية.

     كلها مظاهر لجهود مغربية تكاملية تخصصية أضفت الرونق والجمال على قبب ومساجد وأحياء وحارات وبيوت وزوايا بيت المقدس،  بل وتغافلت الدولة المغربية  جرائم الإبادة العنصرية الصهيونية ضد العنصر المسلم الفلسطيني والمغاربي عموما والمغربي خصوصا.

بواعث الاستنكاف الشعبي المغربي عن التطبيع:

    وهناك جملة من الدوافع  التي تدفع المغاربة إلى  الاستنكاف الجماعي الشعبي عن التطبيع،  والعف عن التعامل مع الكيان الصهيوني جملة وتفصيلا، والرفض المطلق  للتطبيع معه ومجه مجا، من هذه  الدواعي المغربية المقدسية التي أحصيتها في ثلاث محركات وقوى وبواعث أصيلة تاريخيا وحاضرا ومستقبلا إن شاء الله  نذكر :

1- قوة الوعي بأصولية المجرم:

   يرفض المغاربة التعامل مع المجرم الصهيوني وعيا منهم بيده الملطخة على مدى التاريخ  بالدماء، وفقها منهم بفترات وجودهم  الطافحة بالفتنة والدهاء في مختلف بقاع الأمة، وتدبير  المكايد والفخاخ.

    وإن مغاربتنا المقاومين في الحروب العالمية لأعلم بشأن هذا الخبث والداء الذي مجه الأوروبيون وصدروه إلى بلاد المسلمين ليكون وبالا علينا وتفتيتا لأمتنا  بدل التعشيش في دولهم الغربية.

    فالمغاربة تاريخيا وحاضرا ومستقبلا  يرفضون التطبيع  مع الكيان  الصهيوني لأنه مجرم أصلا بذاته، ولأن طبيعته الدموية والإفسادية طبع متأصل منذ قرون، ولا يعترفون به جملة وتفصيلا.
 2- قوة المخيلة الشعبية الرافضة:

لا ينطق المثقفون والمفكرون المغاربة منذ فترات تاريخية في تآليفهم، ولا العلماء في منابرهم، ولا الأطفال في شوارعهم، ولا الأساتذة في مدارسهم، ولا الشيوخ في زواياهم، ولا الأدباء في أشعارهم، ولا المغنون في خشباتهم بأن الكيان الصهيوني دولة  اسمها “إسرائيل” بل يقولون: كيان صهيوني، أو مرض الأمة وداؤها.

طالع أيضا  ولنا في القدس حارة

 هذا ما تعارفت عليه الأجيال وصبغ التراث المغربي فكرا وأدبا، وطبع كلام الأجداد في الأمثال والحكايات الشعبية، والقصص والأحاجي والنكت الشعبية والذاكرة المغربية الوطنية، حتى إذا سألت الجدة الكبيرة عن مسمى شيء اسمه إسرائيل  دعت بدعوة شديدة على المجرمين.

وإذا سألت الطفل المغربي عن مسمى إسرائيل ومكان وجودها في الخريطة يقول: اسمح لي لا أعرفها ولم أسمع بها.

هذه هي المخيلة الشعبية المغربية لا تعترف بشيء اسمه الكيان الصهيوني أو دولة اسمها إسرائيل،  فكيف بالنظام المغربي يأتي في حاضرنا ودون التعبير عن رأينا وتجاوزا لهويتنا، فيطبع مع الكيان اعترافا   “بهويته” ودولته ووجوده دون احترام لهوية وقيم وثوابت المغرب الوطنية والتاريخية الحضارية؟ فهذا التطبيع ضرب لكل المبادئ المغربية وأصولها.

   الاعتراف في حد ذاته جريمة واعتراف مسبق بالجريمة والظلم والطغيان الذي أصاب الأمة والفلسطينيين والمغاربة هناك.

 قبول الظالمين ظلم في حد ذاته.

3- قوة الهوية:

     كان من الأجدر للدولة المغربية احترام هويتنا ومواقفنا التي نقشت في جدران حارة المغاربة منذ عهد الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي وقف أول وقف للمغاربة وهو حارة المغاربة وحي بكامله.

     وكان الأولى للدولة المغربية بدل التطبيع مع الكيان الصهيوني  تقديس الروابط التاريخية والحضارية التراثية  المبثوثة في السجلات العثمانية والمقدسية لحد الآن بين الحضارتين المغربية والمقدسية، بل ومعترف بها من قبل عصبة الأمم والانتداب البريطاني بعد ثورة المغاربة والفلسطينيين و المسلمين على أعمال شطط اليهود لما تجاسروا  على حائط البراق.

    وهي أول ثورة فلسطينية وعربية حقيقية حدثت في 1929 هي ثورة البراق أو ما تسمى ثورة باب المغاربة والتي كان سببها  التطاول على باب المغاربة وحائط المغاربة من قبل الأصل الصهيوني الذي أسميه “الداء التاريخي”.