يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم وفي ذلك شرف منيف وفضل عظيم اختصّ به سيد خَلقه وصفوة عباده وخاتم رسله صلى الله عليه وسلم.

لقد أخبرنا الله عز وجل عن نفسه أنه سبحانه وتعالى يصلي على نبيِّه وأنّ ملائكته أيضاً يصلّون عليه ثم بعد ذلك أمر المؤمنين بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.

المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

والصلاة من الله تعالى رحمة ورفع درجات ومن الملائكة استغفار ومن المؤمنين دعاء. ولم يُذكَر عن أحد سوى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه وتعالى يصلي عليه هكذا ثم كلَّف به المؤمنين.

و للرسول صلى الله عليه وسلم أفضال عظيمة على الأمة كلها، فبه صلى الله عليه وسلم عرفنا خالقنا ومالكنا وتشرَّفنا بالإيمان وعن طريقه وصلت إلينا تلك التعليمات المباركة التي بها نحصل على فلاح الدنيا والآخرة في صورة القرآن الكريم والحديث الشريف.

قال ابن عبد السلام: (ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه؛ لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا، وأفضاله علينا، إذ لا إحسان أفضل من إحسانه صلى الله عليه وسلم، وفائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه دلالة ذلك على نضوج العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام).

وقال أبو العالية: (صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة عليه الدعاء).

قال ابن حجر: (وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله عليه ثناؤه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى).

قال الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب: 56].

يقول: يباركون على النبي، ومعنى ذلك أن الله يرحم النبي، وتدعوا له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو الدعاء، ويقول الله تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه تسليما، يقول: وحيوه تحية الإسلام.

وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى، ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه؛ ويشرق به الكون كله، وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي. وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم، وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم.

معنى صلاة الله والملائكة والرسول على المؤمنين كلمة الصلاة تعني مزيجاً من الثناء والمحبة ورفعة الشأن والدرجة وهذه الكلمة وردت بالنسبة إلى أعمال صالحة قام بها أصحابها، فاستحقوا بها الصلاة، وبالنسبة إلى جمهور المؤمنين عموماً، فالذين يصبرون على مصابهم، ويتحملون بجلدٍ بلواهم هؤلاء لا يحرمون من عناية الله ورحمته، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 156-157].

وهناك صنف آخر من عباد الله، يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليهم، هؤلاء هم الذين يخرجون الحق المعلوم ويكبتون وساوس الشيطان التي تأمر بالبخل والكزازة ويبسطون أيديهم بالعطاء تفريجاً للكرب، ودعماً للجهاد، هؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ صدقاتهم، وأن يصلي عليهم، قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: 103]، أي يجيب دعاءك لهم، وصلاتك عليهم.

ووردت آية أخرى تقول: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43].

وتبين هذه الآية الكريمة أن رب العالمين يحب أهل الإيمان، ويتولاهم بالسداد والتوفيق، وتحيط بهم في الدنيا ظلمات شتى، فهو يخرجهم من الظلمة، ويبسط في طريقهم أشعة تهديهم إلى الغاية الصحيحة، وترشدهم إلى الطريق المستقيم، وهذا المعنى في عمومه ذكرته الآية: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257].

إن الصلاة التي يستحقها الصابرون على مصابهم، والصلاة التي يستحقها المؤتون للزكاة، والصلاة التي يخرج بها أهل الإيمان من الظلمة إلى الضوء، ومن الحيرة إلى الهدى، هذه الصلوات كلها دون الصلاة التي خصَّ الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن صلاة الله وملائكته على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تنويه بالجهد الهائل الذي قام به هذا الإنسان الكبير، كي يخرج الناس من الظلام إلى النور، وهو الذي بدد الجاهليات، وأذهب المظالم والظلمات.

لقد نقل النبي صلى الله عليه وسلم وحده العالم أجمع من الضلال إلى الهدى، وأكد هذا المعنى قوله جل جلاله: لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: 1-3].

فما كان أهل الكتاب ولا كان المشركون ينفكون عن ضلالهم، يفارقون غوايتهم وحيرتهم وعوجهم، ما كانوا يستطيعون الانفكاك من مواريث الغفلة وتقاليد العمى؛ إلا بعد أن جاء هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الحليمي في شعب الإيمان تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم من شعب الإيمان وقرر أن التعظيم منزلة فوق المحبة، ثم قال: فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر وأوفر من إجلاله كل عبد سيده وكل ولد والده، بمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى، ثم ذكر الآيات والأحاديث، وما كان من فعل الصحابة رضوان الله عليهم معه، الدال على كمال تعظيمه وتبجيله في كل حال وبكل وجه.

كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

عندما نزلت الآية الكريمة، سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه فإنَّ كيفية السلام معلومة، فأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عُجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلتُ: بلى فاهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإنَّ الله علَّمنا كيف نسلِّم عليك، قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد).

ولذلك ذهب كثير من العلماء أنَّ هذه الصيغة هي أفضل الصِّيَغ للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كره البعض منهم إفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة دون التسليم.

المراد بالبركة في قوله: “وبارك على محمد”:

المراد بالبركة في قوله: “وبارك”: النمو والزيادة من الخير والكرامة، وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: المراد ثبات ذلك ودوامه واستمراره من قولهم: بركت الإبل: أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركةُ الماء (بكسر أوله وسكون ثانيه)؛ لإقامة الماء فيها وبه جزم، وقد يوضع موضع التيمن فيقال: للميمون مبارك بمعنى أنه محبوب مرغوب فيه.

والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر، فإذا قلنا: اللهم بارك على محمد فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته، وكَثّر اتباعه وأشياعه، وعَرّف أمته من يمنه وسعادته أن تشفعه فيهم، وتدخلهم جنانك، وتحلهم دار رضوانك، فيجتمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أولى الناس بي أكثرهم عَلي صلاة” 1 .

فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجداً، فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، فرفع رأسه قال: من هذا؟ قلت عبد الرحمن، قال ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله سجدت سجدة حتى ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال: “إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن الله عز وجل يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً”” 2 .

وعن أبي بردة بن دينار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما صلى عليَّ عبد من أمتي صلاة صادقاً من قلبه إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، محا عنه بها عشر سيئات” 3 .

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل وفي رواية ثلث الليل قام فقال: “يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، قال أبي بن كعب فقلت يا رسول الله: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال: ما شئت قلت الربع. قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت: فالنصف. قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: قلت فالثلث. قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك. قلت أجعل لك صلاتي كلها. قال: إذا يكفي همك، ويغفر ذنبك” 4 .

وفي لفظ لأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: “إذا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك” 5 .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيما رجل كسب مالاً من حلال فأطعم نفسه أو كساها، فمن دونه من خلق الله، فإنه له زكاة، وأيما رجل لم يكن عنده صدقة، فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنه له زكاة” 6 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرا” 7 .

وروى النسائي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطَّت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من أحدٍ يُسَلَّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ عليه السلام” 8 .

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

– أخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً”.

– وأخرج الترمذي أيضاً عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: “قُلتُ: يا رسول الله، إني أُكثِرُ الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: “ما شئت”، الربع؟ قال: “ما شئت، فإن زدت فهو خير لك”، قلت: النصف ؟ قال: “ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك” قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: “إذاً تُكفى همّك ويُكَفَّر لك ذنبك””.

وفي هذه الأحاديث دلالة على شرف هذه العبادة من تضعيف صلاة الله على المصلي، وتضعيف الحسنات وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وأن عتق الرقاب مضاعفة، فأكثر من الصلاة على سيد السادات، ومعدن أهل السعادات، فإنها وسيلة لنيل المسرات، وذريعة لأنفس الصلات، ومنع المضرات، ولك بكل صلاة صليتها عليه عشر صلوات، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

وهو صلى الله عليه وسلم شفيق على أمَّته لدرجة أنّ الناس عندما تقول نفسي نفسي يوم القيامة يكون هو الوحيد صلى الله عليه وسلم الذي يقول: يا رب أمَّتي أمَّتي، ثم يشفع للناس أجمعين يوم لا يجرؤ أحد أن يتقدَّم للشفاعة وإنَّما هو حبيب رب العالمين والرحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وحده الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى حق الشفاعة فيشفع ويُشَفَّع وتكون شفاعته على قسمين: شفاعة عامّة وتشمل الناس أجمعين من مؤمنين وكافرين وذلك لتعجيل الحساب بعد طول انتظار، وشفاعة خاصة تكون لأفرادٍ من أمَّته.

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته

لقد ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم فضائل كثيرة للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته بصورة خاصة، ورُويَ ذلك عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لذا ينبغي أن يضاعف كل واحد منّا ورده في يوم الجمعة وفي ليلته خاصة عن بقية الأيام.

أخرج ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”أكثِروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وإنّ أحداً لن يصلي عليّ إلا عُرِضَت عليّ صلاته حتى يفرغ منها”، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: “إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام”” 9 .

وقال صلى الله عليه وسلم: “من قال حين يسمعُ الأذان والإقامة: اللهم رَبّ هذه الدعوة النافعة، والصلاة القائمة آتِ مُحمَّداً الوسيلة والفضيلة، وابعثهُ مقاما محموداً الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة” 10 .

وأخرج أبو داود عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم وفيه قُبِضَ وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم تُعرَضُ عليّ فأدعو لكم وأستغفر”.

ولقد قال الشافعي رضي الله عنه: (أحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال وأمّا في يوم الجمعة وليلتها أشدُّ استحباباً).

واعلم أنه كما ورد أنّ من صلى عليه صلى الله عليه وسلم فإنّ الله يصلي عليه عشراً هكذا ذكر العلماء أنّ من أساء في حق شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم فإنّه تنزل على كل إساءة عشرة لعنات من العزيز القهّار على المُسيء نعوذ بالله من ذلك.

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة لنيل أرفع الدرجات

أي عمل أرفع وأي وسيلة أشفع وأي عمل أنفع من الصلاة على من صلى الله عليه وجميع ملائكته، وخصه بالقربة العظيمة منه في دنياه وآخرته، فالصلاة عليه أعظم نور وهي التجارة التي لا تبور، وهي كانت هجيري الصالحين في المساء والبكور، فكن مثابراً على الصلاة على نبيك، فبذلك تطهر نفسك، ويزكو منك العمل، وتبلغ غاية الأمل، ويضيء نور قلبك – وتنال مرضاة ربك وتأمن من الأهوال يوم المخاوف والأوجال صلى الله عليه وسلم تسليما كما كرمه الله برسالته تكريما، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما.

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال “إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام” 11 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله تعالى إليَّ روحي، حتى أرد عليه السلام” 12 .

التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “احضروا المنبر”، فحضرنا، فلما ارتقى درجته قال: “آمين”، ثم ارتقى الثانية، فقال “آمين”، ثم ارتقى الثالثة، فقال: “آمين”، فلما نزل قلنا يا رسول الله قد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، فقال: “إن جبريل عرض لي، فقال بغض من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بغض من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت “آمين”، فلما رقيت الثالثة قال: بغض من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت “آمين””.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نسي الصلاة عليَّ نُسِيَ – وفي رواية خطىء – طريق الجنة” 13 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم من الله ترة (الترة: الباطل وهو الصَّغار والبعد عن الجادة يوم القيامة)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم” 14 .

وقال صلى الله عليه وسلم: “بحَسْب المَرءِ من البُخل أن أُذكرَ عنده ولا يُصلِّي عَليَّ” 15 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رَغِمَ (أي لصق بالرغام وهو التراب، وهو كناية عن الذل والحقارة) أنف رجُل ذُكرتُ عنده، فلم يُصلِّ علي” 16 .

استحباب ابتداء الدعاء بالصلاة والسلام عليه

قال صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً، فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليسأل، فإنه أجدر أن ينجح” 17 .

وعن فضاله بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يُصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”عجل هذا”، ثم دعاه فقال له أو لغيره: “إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء”” 18 .

وقال النووي: أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم الدعاء بهما).

الصلاة عليه عند القيام بصلاة الليل

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “يضحك الله إلى رجلين: رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه، فانهزموا، وثبت، فإن قتل استشهد وإن بقي فذاك الذي يضحك الله إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم حمد الله ومجده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستفتح القرآن فذاك الذي يضحك الله إليه يقول: انظروا إلى عبدي قائماً لا يراه أحد غيري” 19 .


[1] أخرجه الترمذي وابن حبان وقال الترمذي: حسن غريب، وقال ابن حبان: صحيح.
[2] قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث وأخرجه أحمد والبيهقي كذلك.
[3] رواه ابن أبي عاصم في الصلاة، والنسائي في اليوم والليلة والسنن والبيهقي في الدعوات والطبراني ورجاله ثقات، ورواه اسحاق بن راهويه والبزار بسند رجاله ثقات أيضا.
[4] رواه أحمد وابن حميد في مسنديهما والترمذي وقال: حسن صحيح.
[5] وإسناده جيد.
[6] أخرجه البخاري في الأدب المفرد بنحوه وأبو يعلى والبيهقي في أدبه.
[7] رواه مسلم.
[8] رواه أبو داود بإسناد صحيح.
[9] قال الدميري: ورجال إسناده كلهم ثقات.
[10] أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان.
[11] رواه أحمد والنسائي والدرامي وأبو نعيم والبيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحهما وقالا: صحيح الإسناد.
[12] رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي بإسناد حسن بل صححه النووي في الأذكار.
[13] رواه البيهقي في الشعب والسنن الكبرى والتيمي في الترغيب وإسناده حسن وإنما أراد بالنسيان الترك.
[14] رواه أحمد والطيالسي والطبراني في الدعاء وأبو الشيخ وإسماعيل القاضي وأبو داود والترمذي واللفظ له.
[15] أخرجه النسائي وابن حبان والترمذي وقال حسن صحيح.
[16] رواه الترمذي وقال حديث حسن.
[17] أخرجه عبد الرازق والطبراني وابن أبي الدنيا بسند صحيح.
[18] أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: هو على شرط مسلم وفي موضع آخر على شرطهما وأخرجه النسائي بنحوه.
[19] أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة وعبد الرزاق بسند صحيح.