فيما يلي الورقة التقديمية التي أعدتها اللجنة التحضيرية للجنة الوطنية لمساندة المتضررين من الإعفاءات التعسفية، والتي قُدمت ضمن ملف صحفي خلال ندوة يوم الإثنين 20 مارس 2017، حول “قراءة سياسية وقانونية وحقوقية في قرارات الإعفاء التعسفية”:

1.    السياق العام

منذ أسابيع وقف المتتبعون للشأن السياسي والنقابي بالمغرب على تواتر حالات الإعفاء من مناصب المسؤولية وتنقيلات، مست عددا من المسؤولين بالإدارات العمومية في قطاعات مختلفة. وسرعان ما اتضح أنها تندرج ضمن حملة ممنهجة تستهدف مواطنين بسبب انتمائهم السياسي الذي يشكل القاسم المشترك بين الأغلبية الساحقة من المتضررين. وتسربت بعد ذلك وثيقة إدارية منسوبة لأحد رجال السلطة تطلب من مرؤوسيه وضع لوائح بأسماء المسؤولين في الإدارة التي يرأسها الذين ينتمون إلى بعض التنظيمات السياسية والهيآت الدعوية والتيارات الدينية تم تحديدها بوضوح في المراسلة التي تم تداولها بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم صعوبة التأكد من مصدر تلك الوثيقة، إلا أن الأغلبية الساحقة من المعنيين ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان الذي ارتفع عدد المستهدفين منهم إلى 129 حالة حتى نهاية الأسبوع ما قبل الماضي. ويرتفع عدد المتضررين بوتيرة سريعة، والحصيلة التي استطعنا جمعها بإمكانيات متواضعة تمس المهندسين، المتصرفين،  التقنيين، رؤساء مصالح ورؤساء أقسام، ومدير إقليمي، ومديري ثانويات وإعداديات ومدارس، ومفتشين ومستشارين تربويين، وحراس عامين، ومقتصدين، ونظار، و…، وتتوسع القطاعات والمناطق مما يجعل المعطيات قابلة للتحيين بوتيرة متقاربة.
إن ما يتضح أيضا من الحالات التي تم تجميعها هي الخروقات القانونية الفجة التي نتجت عن القرارات الإدارية  التي اتخذت بشأنها، والتناقضات الصارخة التي سقطت فيها تلك القرارات، بل والعبث الذي ميز بعضها، خاصة حين يتم إعفاء موظف من مهمة هي مجال تخصصه الذي تكوّن فيه واشتغل في إطاره لسنوات ولا يمكن أن يمارس مهمة أخرى خارج ذلك الإطار؛ المفتشون والمستشارون في التوجيه التربوي نموذجا.

طالع أيضا  يطفئ نارهم ويتمّ نوره.. "كلّما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله"

2.    القراءات المتعددة لحملة الإعفاء من المسؤولية والتنقيل

تتعدد القراءات لهذه الحملة، من القراءة القانونية والقراءة السياسية والقراءة الحقوقية وغيرها. فالجانب القانوني ضروري لتمحيص ما بات يعرف بقضية الإعفاءات لتوضيح طابعها التعسفي، والوقوف على الخلفيات السياسية وراء هذه الحملة الممنهجة ضد مواطنين بسبب مواقفهم المعارضة للسلطة مطلوب لفهم أكثر عمقا للموضوع، وكشف الانتهاكات الصارخة للمعايير الحقوقية التي مورست ضد المتضررين وضد مرتفقي الإدارات المعنية يساهم في الوقوف على حجم الضرر الناتج عن هذه الحملة.
فعلى المستوى القانوني والإداري: بدأت الإرهاصات الأولى للحملة بوزارة الشبيبة والرياضة ومديرية الأرصاد الجوية، إلا أن حدتها ازدادات بقوة أواخر شهر يناير حيث شملت أطرا في وزارة المالية والفلاحة والصيد البحري، كانوا يشتغلون رؤساء أقسام ومصالح راكموا خبرات مهمة وقدموا للوزارات خدمات جليلة فتوصلوا بدون إخطار ولا سابق إنذار بإنهاء شامل لمهامهم وسط استغراب شديد لموظفي وأطر الإدارات المعنية. وارتفعت الحملة بشكل غير مسبوق خلال الأسبوع الأول من فبراير 2017، في وزارة التربية الوطنية في أغلب المدن المغربية وبمختلف المستويات (مفتشون، مسشارون في التوجيه، مديرون، حراس عامون…)، ولا يخفى على أحد الفترة الحساسة من السنة الدراسية والنقص المهول للأطر التربوية والإدارية. إن تواتر هذه الوقائع يبعث على القلق الشديد على اعتبار أن ما جرى فيه ضرر كبير ليس بالمعنيين به مباشرة فقط، بل بالوظيفة العمومية والمرتفقين أيضا.
أما على المستوى الحقوقي، فقد استهدفت حملة الإعفاءات والتنقيلات العشرات من الأطر من قطاعات متعددة وبمناطق مختلفة بشكل تعسفي بدون مبرر ولا مسوغ قانوني ودون الاستماع إليهم، ولا توجيه أي ملاحظات لهم قد تستدعي الإعفاء، مما يشكل خرقا سافرا لحقوق المعنيين، حيث لم يسبق الأمر أي ملفات تأديبية في مسارهم المهني، بل منهم من يشهد له الجميع على كفاءاتهم التي تشهد عليها أيضا الشهادات التي نالها العديد منهم.
إن ما جرى خرق لمعيار التوظيف والترقي الذي يجب أن يظل هو الكفاءة بدون تمييز على أي أساس – ومن ضمنه التمييز بسبب الرأي أو الانتماء السياسي – إذ أن التوظيف ليس منة، بل هو حق لأي مواطن ومواطنة على أسس ومعايير موضوعية، مما يجعل من قرارات الإعفاء انتهاكا صريحا لمقتضيات الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
أما الخلفيات السياسية لهذه الحملة، فلا يخفى على أحد أنه لم يسلم أي صوت حر في هذا البلد من تضييق أو محاولة لتكميم الأفواه أو تقديم الإغراءات لخدمة أجهزة النظام، حيث تتوالى هجمات السلطة المخزنية على كافة الأصعدة والمناحي منذ حراك 2011، والتي لم تستثن أحدا من المناضلين ضد الفساد والاستبداد، من الجمعيات المدنية والحقوقية والأحزاب السياسية والنقابات والصحافيين وغيرهم، في سياق يتسم بمحاولة خنق الحياة السياسية، واستهداف المعارضين بشتى وسائل الترهيب والتخويف والتشويه والتخوين.
وهذه الحملة، محطة ضمن مسلسل استهداف نشطاء الحراك من تلفيق للتهم والمحاكمات الصورية التي تفتقد إلى شروط المحاكمة العادلة، والتضييق على أنشطة الجمعيات والمنع من استعمال الفضاءات العمومية والتحكم في الإعلام الخاص والمستقل، مما يؤشر على الحنين إلى ما قبل 2011.

طالع أيضا  ندوة اللجنة الوطنية لمساندة المتضررين من الإعفاءات التعسفية: الحصيلة وأفق الاشتغال

3.    أهداف الندوة

أمام هذه الحملة وماشابها من شطط وخروقات، وتنويرا للرأي العام وإحاطته علما بهذه التراجعات وانعكاساتها على النضال من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية في بلدنا، والأولويات المطروحة على الصف الديمقراطي المصطف في خندق محاربة الفساد والاستبداد، تأتي هذه  الندوة: ” قراءة سياسية وقانونية وحقوقية للإعفاءات”، لتسليط الضوء على أهم التجاوزات من الناحية القانونية والحقوقية والسياسية، دون إغفال الجوانب الأخرى التي قد يتطرق لها المشاركون والمشاركات في الندوة من خلال النقاش.
وتشكل الندوة مدخلا لتأسيس هيئة وطنية لمساندة المتضررين المباشرين من هذه الحملة وفضح الأضرار الناتجة عنها. فقد بادرت بعض الفعاليات بعد موجة الاستنكار الشعبي والتضامن الواسع من قبل مختلف أطياف ومكونات المجتمع، وكذا مجموعة من الشخصيات الوطنية، إلى الدعوة إلى تأسيس إطار لمساندة المتضررين من حملة الإعفاءات التعسفية، استفادة من التجارب السابقة التي بينت أن الوحدة النضالية والعمل الميداني المستمر يوقف تغول المخزن ومحاولته تركيع الأحرار والانتقام من النشطاء والمعارضين.
وسيخصص الشق الثاني من هذا اللقاء للتداول في كل الجوانب التي تهم الموضوع بما فيه: الاسم، والهيكلة وبرنامج العمل… وغيرها من الجوانب التي سيطرحها المتضامنون والمتضامنات مع المتضررين من الإعفاءات التعسفية.