قبل 13 عاما، وبالتحديد في 22 مارس 2004، التحق الشيخ أحمد ياسين بقافلة الشهداء حيث الانتساب إلى الأنبياء والصديقين والصالحين أولئك الذين أنعم الله عليهم، وحيث الحياة والفرح والبشارة بين يدي الله رب العالمين بل أحياء عند ربهم يرزقون.

السلام عليك أيتها الأرواح الطاهرة المنعمة الحية التي زينت الوجود.

السلام عليكم أنبياء الله، وعلى الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

السلام عليك أيها الشيخ الجليل أحمد ياسين، رجل حمل قضية أمة.

أولا: الشيخ أحمد ياسين .. الرجل

من هو هذا الشيخ الذي ارتبط اسمه بفلسطين؟ من هو أحمد ياسين، هذا الذي يرى المسلمون في وضاءة وجهه صورة الأقصى؟

إنه رجل كريم عند الله، جمع الله له رحابة الإيمان وعزيمة الجهاد، ربى أجيالا، حمّلها الرسالة والقضية، إنه الرباني المجاهدي الشهيد، وكفى بالله شهيدا.

1. نبذة عن حياة الشيخ

ولد أحمد إسماعيل ياسين في قرية تاريخية عريقة تسمى جورة عسقلان في يونيو 1936، وهو العام الذي شهد أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الصهيوني المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية. لجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد حرب العام 1948، أصيب بكسر في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه عام 1952 نتج عنه شلل جميع أطرافه شللاً تاماً.

عمل مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية، ثم عمل خطيباً ومدرساً في مساجد غزة، أصبح في ظل الاحتلال أشهر خطيب عرفه قطاع غزة لقوة حجته وجسارته في الحق، ترأس المجمع الإسلامي في غزة.

اعتقل الشيخ أحمد ياسين عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة، وتشكيل تنظيم عسكري، والتحريض على إزالة الدولة العبرية من الوجود، وقد حوكم الشيخ أمام محكمة عسكرية صهيونية أصدرت عليه حكماً بالسجن لمدة 13 عاماً، وأفرج عنه عام 1985 في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، بعد أن أمضى 11 شهراً في السجن.

أسس الشيخ أحمد ياسين مع مجموعة من النشطاء الإسلاميين تنظيماً لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” في قطاع غزة في العام 1987.

في ليلة 18/5/1989 قامت سلطات الاحتلال باعتقال الشيخ أحمد ياسين مع المئات من أبناء حركة “حماس” في محاولة لوقف المقاومة المسلحة التي أخذت آنذاك طابع الهجمات بالسلاح الأبيض على جنود الاحتلال ومستوطنيه، واغتيال العملاء. وفي 16/1/1991 أصدرت محكمة عسكرية صهيونية حكماً بالسجن مدى الحياة مضاف إليه خمسة عشر عاماً، بعد أن وجهت للشيخ لائحة اتهام تتضمن 9 بنود منها التحريض على اختطاف وقتل جنود صهاينة وتأسيس حركة “حماس” وجهازيها العسكري والأمني.

بالإضافة إلى إصابة الشيخ بالشلل التام، فقد كان يعاني من أمراض عدة منها (فقدان البصر في العين اليمنى بعد ضربه عليها أثناء التحقيق وضعف شديد في قدرة الإبصار للعين اليسرى، التهاب مزمن بالأذن، حساسية في الرئتين، أمراض والتهابات باطنية ومعوية).

أفرج عنه فجر يوم الأربعاء 1/1/1997 بموجب اتفاق جرى التوصل إليه بين الأردن والكيان الصهيوني للإفراج عن الشيخ مقابل تسليم عميلين صهيونيين اعتقلا في الأردن عقب محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الأستاذ المجاهد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”.

فجر 22 مارس 2004 استشهد الشيخ الجليل أحمد ياسين، وانتقل إلى جوار ربه بعد أن أحيى فريضة الجهاد وبلغ رسالة الإيمان 1.

2. من داخل الأسرة

نورد هنا بعض الشهادات التي قالها في حق الشيخ أقربائه، مستحضرين أن النجاح الحقيقي الذي يحمله الدعاة والمجاهدون ينطلق من داخل الأسرة.

تحدثت أم محمد أرملة الشيخ عن حياه الشهيد أحمد ياسين فقالت: “تزوجنا وعشنا حياة سعيدة وأنجبنا 3 أبناء و8 بنات قمنا بتربيتهم على خلق الإسلام مشيرة إلى أن الشيخ كان مثالا للزوج الحنون الذي يعطي كل ذي حق حقه وهي كانت تعامله بالمثل بحيث أشرفت دوما على حاجاته الخاصة، وتذكر أن الشيخ لم يكن ينظر في مسألة تزويج بناته سوى لاعتبار واحد هو التقوى”.

عايدة كبرى بناته تضيف بأن الشيخ كان حريصا على الاجتماع بالعائلة مرة كل أسبوعين، وبأنه كان دائم الزيارة لهم وإذا لم يتمكن كان يرسل ما قدره الله عليه إلى أرحامه الذين يتعذر عليه زيارتهم.

خليل حسن ياسين (أبو بلال) ابن شقيق الشيخ وكان واحدا من الذين عايشوه عن قرب، تحدث أبو بلال عن علاقة الشيخ بأقاربه ووصفها بأنها كانت غاية في المحبة والرحمة، وقال: كان يعطي كل ذي حق حقه من أقاربه وعائلته فكان يأخذ من وقته المشغول دائما ساعة أو ساعتين ليختلي بزوجته وأولاده وبناته، وقد كان كريما مع زوجته يحب دائما أن يدخل السرور لقلبها، ففي أوقات مرضها وعندما كان يأتي لزيارته د. محمود الزهار أو الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي -وهما طبيبان -، كان حينها ينادي الشيخ على زوجته لتتحدث عن الآلام التي تشتكي منها، وذلك ليُشعرها باهتمامه.

ويشير أبو بلال أن الشيخ كان عندما يرى طفلا صغيرا يعاني من أي مرض أو يشتكي من أي ألم يحثنا على الذهاب به إلى المستشفى من شدة حرصه وحبه للأطفال. ويضيف قائلا: لقد كانت معاملته الحسنة تفوق كل تصور وقد كان دائم الزيارة لرحمه.

ويتحدث عن كرم الشيخ ياسين ويقول لقد كنت جالسا معه في مكتبه ودخل أحد الزوار ومعه هدايا للشيخ مرسلة من الخارج ووضعها الزائر على الطاولة وبعد انصراف الرجل أردنا أن تَدخل تلك الهدايا للمنزل، فأمرنا الشيخ أن نتركها مكانها وبعد وقت قصير حضر زوّار آخرون فوزع الشيخ الهدايا عليهم ولم يُبقِ لنفسه شيئا.

ومن مواقف الزهد في الحياة يذكر أبو بلال أنهم عندما أرادوا تركيب ستائر للمكتب ومع معرفتهم بأن الشيخ سيرفض ذلك انتهزنا فرصة خروجه وقمنا بتركيب الستائر وعندما رجع ورأى ذلك بقي يقرّعنا أياماً عديدة بسبب ذلك وهو يقول لنا: تكسو الجدران أليس من الأفضل إطعام فقير بثمن الستائر؟

انتقل أبو بلال للحديث عن المواقف التي تدل على تمسك عمه الشيخ المجاهد وإصراره دائما على صلاة الفجر في المسجد باكيا وهو يذكر أحد المواقف قائلا: عندما كان يقيم الشيخ في معسكر الشاطئ خرج لصلاة الفجر برغم أنه كان مريضا ولم يرافقه حينها أحد وتعثر الشيخ ووقع وبقي مُلقَىً على الأرض حتى طلوع الشمس 2.

3. الرجل الأمة

من آيات الله في خلقه أن يجعل العبد الفرد الضعيف قوة لا تقاوم، وإرادة لا تقهر وعزيمة لا تلين، فيصبح الرجل الواحد أمة، قال الله تعالى إن إبراهيم كان أمة.

رجلا قانتا لله متعلقا به مستسلما له، فيعطيه الله عز وجل قدرة وإمكانات الأمة جميعا، ويمن عليه بطاقة نورانية قوية تحتضن الأمة، فتربي وتصلح الإنسان وتغير وتبني المجتمع.

هذه سنة الله في الصالحين من عباده، وهذا كان حال الشيخ ياسين رحمه، وفلسطين المقاومة والمجاهدة اليوم لنصرة الإسلام ليست هي فلسطين الأمس حين كان النضال والتحرر مبنيا على أرضية اليسار المقطوعة عن سماء الوحي والشهادة.

وما هذا التحول إلا ثمرة تربية هذا الرجل الأمة لجزء من هذه الأمة، فلسطين.

ثانيا: الشيخ أحمد ياسين .. القضية

1. ما القضية؟

القضية، مسجد الأقصى والقدس وفلسطين.

القضية، الهوية والتاريخ والأرض والعرض.

القضية، الإسلام في صراع مع الكفر.

القضية، الحق في تدافع مع الباطل.

القضية، مآل الفرد ومصير الأمة.

مجموع هذه المعاني شكّل قضية الشيخ التي ندب لحملها وخدمتها حياته، لم يعقه عن ذلك مرضه وكبره وشلله.

2. صدق المبادئ ووضوح المقاصد

قال الشيخ أحمد ياسين: “إذا اعتقد أحد أن الشعب الفلسطيني سيتنازل عن أرضه وحقوقه فهو واهم .. إن أي خطوة فيها تنازل عن حقنا هي مرفوضة مطلقا ولن نقبل إلا بعودة كل فلسطين ولابد أن تستمر المقاومة حتى رحيل الاحتلال عن أرضنا ومقدساتنا” 3.

إن هذا القطع الواضح في المنطلقات والأهداف، نابع عن الصدق والوضوح مع الذات والشعب، ولعلّ للأمر مقصدين:

الأول: تسمية الأشياء بمسمياتها، فاغتصاب الأرض واحتلالها وتهجير الشعب الفلسطيني وتوطين الصهاينة الغاصبين، لا يمكن تسميته إلا بأسمائه “اغتصاب، احتلال، تهجير، توطين” والقفز على كل هذه الحقائق وتسمية الاستسلام والتطبيع بألفاظ منمقة: السلام، التعايش.. هو تغليط للتاريخ واستصغار للعقول وإهانة للشعب الفلسطيني الذي ضحى بكل غال من أجل مقدساته. إن هذا النوع من التحصين وإكساب المنعة ضد محاولات التغليط المقصودة له مبرره، خاصة والبعض كان يروج للتخلي عن المسلّمات المقدسة، عوض إزالة الاحتلال بالرجوع إلى حدود 1967 أو 1984 في أحسن الأحوال، وإمكانية التعويض المادي والتوطين في دول الجوار للفلسطينيين المهجرين عن أرضهم ووطنهم بدل الحديث عن حق العودة، وإمكانية اقتسام السيادة على المدينة المقدسة، القدس.

من أجل ذلك يؤكد الشيخ على أن الباطل لا يصبح حقا بفعل مرور الزمن، إذ لا تقادم في القيم.

الأمر الثاني الذي يستدعي الصدق والوضوح في المبادئ والمقاصد هو إدراك حجم التضحيات، فعلى قدر جذرية المطالب يكون البذل وتقديم التضحية، لذلك نرى كيف أن الشعب الفلسطيني، وفي مقدمته حركة حماس، يبذل أبناءه شهداء ليستعيد أرضه ويحافظ على كرامته.

إن صدق ووضوح الشهيد أحمد ياسين دفعه إلى تقديم التضحية من ذاته قبل أن يطلبها من غيره، فكان اعتقاله سنة 1983 ثم في 1989 قبل استشهاده سنة 2004.

ومن الصدق أيضا أن جعل الشيخ أحمد ياسين الإسلام مرجعيته الكبرى، فبِه عاش وعليه ربى أجيال المقاومة، وحتى لا تكون جوفاء ربط حركة الأرض بمدد السماء، واستمد الصدق والنصر ممن يملكهما سبحانه إن تنصروا الله ينصركم.

كما اعتمد العمل المسلح والمقاومة العسكرية أسلوبا في مواجهة العدو الصهيوني فكانت ضربات كتائب القسام، وغيرها من تنظيمات المقاومة، ضربات موجعة ارتعدت لشدتها فرائس العدو “لقد آمن الشيخ بأن مقاومة المحتل لا تتحمل الموقف الوسط والمهادنة ولا التأجيل ولا الاستراحة وأن الطريق إلى فلسطين يمر عبر فوهة البندقية” 4.

3. التأسيس التنظيمي

لا يمكن مواجهة هذا الكيان الغاصب المحتل الذي له جيوش وعتاد ومخابرات.. إلا بتنظيم متماسك متراص مؤمن بالقضية ومستعد للجهاد من أجلها، إذ لا جهاد إلا بتنظيم ولا تنظيم إلا بتربية.

لقد كان الشيخ ملزم ببدء العمليات العسكرية الجهادية ضد الصهاينة وفي نفس الوقت مطالب بإعداد الأرضية اللازمة لذلك، والمتمثلة في بنية تنظيمية ورجال صادقين “فالجهاد عملية كبيرة تبدأ بمقدمات ضرورية مثل الإعداد الإيماني والنفسي، ثم إيجاد السلاح والتدرب عليه، ثم الانطلاق إلى العمل الجهادي” 5.

وبالفعل، بعد تحفيز وتحريض وحث وتهييء للبيئة القوية، وبعد تجارب ومقاومات عسكرية صغيرة هنا وهناك منها منظمة الجهاد والدعوة والتي اعتقل الشيخ بتهمة ترأسها سنة 1985، أسس الرجل المجاهد، بمعية مجموعة من إخوانه وأبنائه حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وذلك سنة 1987، هذه الحركة التي توسطت الشعب الفلسطيني وحازت ثقته وإمامته، وقادت الجهاد، وقدمت رجالها ونساءها شهداء لتحرير الوطن.

4. المطلب الشهادة

من أسمى مطالب الرجال الصادقين أن يختم الله لهم بحسنى الشهادة، وأن يُزف المؤمن إلى موكب الشهداء. صدق أحمد ياسين الله فصدقه الله وحلاه بشهادة المجاهدين.

قالت الحاجة أم محمد أرملة الشيخ الشهيد: “إن الشيخ كان يشعر في الأيام الأخيرة أنه سوف يستشهد، وأبلغ أهل بيته بذلك لكنه لم يبلغني مباشرة، وقال الشيخ: أشعر أنني سوف أستشهد وأنا أطلبها، وأبحث عن الآخرة ولا أريد الدنيا.

وقالت ابنته عايدة: استبشرنا خيرا من اتصال هاتفي جاءنا فيه أن طفلا عمره 8 أعوام رأى الشيخ في منامه وهو يجلس على كرسي من ذهب وحوله يحيى عياش وصلاح شحاته وآخرين من الشهداء” 6.

انتقل الشيخ الشهيد أحمد ياسين إلى ربه، إلى جنة الخلد، إلى مقعد الصدق عند مليك مقتدر، وفي انتقاله حياة لا موت، حضور لا غياب، وفي شهادته شهادة على الأمة وفيها.

5. العبرة

“أراد الله سبحانه أن يقول به لنا: أنتم أقوياء، وإن القوة ليست في الجسم وليست في المادة، ولكنها فيما يحتويه الجسم من روح، وفي من يمسك بالمادة ويواجهها من إرادة بشرية، وأراد الله به أن نعرف أن الإرادة البشرية هي الفولاذ ذاته، بل إنها هي التي تفل الحديد … كان دائما واثقا ثابتا وفي صوته الضعيف قطع وإصرار، وفي سكون جسمه ما يشير إلى العزم والاستقرار، وكل ذلك ناتج عن الإيمان بالله سبحانه، وعن التسليم بقدر الله الواصل إلينا بالحكم واليقين، كان إرادة كله، وكان جهادا كله، ومات ميتة المجاهدين الذين نهانا القرآن أن نحسبهم أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون 7.

وقال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى مشيرا إلى العبرة في وفاة الرجل: “ولننظر العبرة في وفاة الرجل، في استشهاد رجل كريم عند الله، رجل من أبطال هذه الأمة وقادتها. العبرة في ذلك الجسيم النحيل المريض، وفي ذلك الصوت الرقيق الذي طالما تلى آيات الله وصلى لله وناجى ربه عز وجل، العبرة في رجل أنشأ الله عز وجل به جيلا بل أجيالا من أبطال الإسلام. حيّى الله تلك الوجوه في فلسطين، أولئك الذين رفعوا للأمة راية المجد في هذا الزمان، حياهم الله، وزادهم الله رفعة، ونصرهم الله، العبرة في رجل أحيى الله به أمة اتجهت إليه” 8.


[1] السيرة الذاتية للشيخ أحمد ياسين، موقع المركز الفلسطيني للإعلام.
[2] إخوته وزوجته وبناته يتحدثون عن الشيخ “الإنسان”، موقع المركز الفلسطيني للإعلام.
[3] حوار مع الشيخ أحمد ياسين، شبكة العربي 15/12/1425هـ.
[4] عادل أبو هاشم، وترجل الشيخ، شبكة الإنترنت للإعلام العربي 15/12/1425هـ.
[5] عاطف إبراهيم عدوان، المقاومة المسلحة في فكر وسلوك الشيخ الشهيد أحمد ياسين، موقع المركز الفلسطيني للإعلام.
[6] إخوته وزوجته وبناته يتحدثون عن الشيخ “الإنسان”، مرجع سابق.
[7] طارق بشرى، ميتة المجاهدين، مجلة القدس عدد 64.
[8] الأستاذ عبد السلام ياسين، كلمة في حق الشيخ إثر استشهاده موجودة على موقع www.aljamaa.net