تلك صورة لأبي، أو أخي، أو زوجي، أو ابني، المهم أن أتقاسم وإياكم لواعج ألم الرجال حين يغلبهم كرم الطباع.
وإنه لمن كريم الخلق أن لا تنسى فضل صاحب الفضل.
ونظرت إليه فإذا وجهه الحزين يحكي آثار صبر السنين، وإذا بياض لامع يغطي لحيته ليزيده وقارا وهيبة. وإذا نظرات عينيه للأفق البعيد تعلمني أن إرادته استحالت قوسا يوجهه حيث كرسي الرضا… هنااااااااك: إخوانا على سرر متقابلين.
و تساءلت: يا جبلا.. من أحالك قفرا تعلوك نتوءات الرعاة؟ من سلبوك زينتك وبهجتك لتمنحهم طيب الحياة؟
فجئت اليوم لأكتب عن قهر الرجال حين تجتمع عليهم ظلمة الجور، وظلمة نصفه الثاني، من سكنته التي كانت له صاحبة.
وقلت: هل حقا تستأسد المرأة وتتنمر حين يكون راعيها الكريم، فتغلبه وتتغلب، ويتكرم هو صابرا ليكون الحال: رجل جبل وصمت ملأ، يمنعه سمو الخلق أن يكون بوقا شاكيا.
رجولة نادرة، بصمتها ناطقة، فليتوقف الكلام.
من أحال القضية قضية صراع؟ من وضع في طريق الكريمين ثقافة الشك وسوء الظن لتستحيل الجسور بينهما ركاما وسدودا ونقط تفتيش؟
“عدل الإسلام وإحسانه يريدان عالما واحدا تسوده الرحمة والمودة والعطاء المتبادل لا النزاع والعداوة” 1.
دين يعلمك أنه دخل رجل الجنة بسبب كلب سقاه، ودخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها، لهو دين أحق لرجاله ونسائه أن يرتقوا بأخلاقهم وحسن معاملاتهم وأن يتشوفوا الجنة ويتشوقوا لها.
وإني قد كتبت آنفا: “لا تخرجوهن من بيوتهن”… زفرة مكلومة مظلومة، نقلها القلم لواعج تهمهم بين ثنايا الأحرف والكلمات.
وقلت أن لي نفسا ذواقة تواقة… ومن ذوق العدل الذي تنسمته، وفوح الإحسان الذي تنفسته، أن يعدل القلم الكفة وينقلكم حيث هذه الصورة من الحياة: ولا تنسوا الفضل بينكم.
والغاية والمراد أن ننعم ونسعد في دولة الإنسان… وطرحت للنقاش معضلة فقهية وهي: سكنى المطلقات، لا لأنحاز لبني جنسي وأجور على من كان لي أبا مربيا، وأخا حاميا، وزوجا كريما، وابنا بارا، ولكن لأسائل هذا الفقه وأطرحه للنقاش… فقه يوازن كفة الحقوق والواجبات. لا من باب الذكورة والأنوثة ولكن من باب المصلحة العامة حيث يسعد الذكر والأنثى ويأمنان تغول الفساد والهوى.
“نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ نخاطبه ونحاوره ونسائله و ننتقضه ونستفيد منه حسب ما نجد عنده أو لا نجد، من خبر أو دراية أو رواية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم…” 2.
هذا الموروث الذي أنكر على المظلوم أن يشتكي ويحاور ويسائل وينتقد.
الأساس اللبنة الأم في البناء الاجتماعي: حين يأنس الرجل الزوج أن شقه الثاني ركن شديد يعتمد عليه، وتطمئن الضعيفة المكلومة أن رفيق الرحلة ثقة وحضن أمان.
“وما نقص أو زاد من أحكام خصت الرجل أو استثنت المرأة فإنما هو توزيع عمل، وتخصص، ليس ذلك مهانة على الإسلام ولا إهانة منه” 3.
“المؤمنات والمؤمنون أكفاء في شرع الله المنزل بميزان العدل، لا ترجح كفة الرجل ولا كفة المرأة إلا بالتقوى، تجد هي ويجد هو، فضل ذلك الرجحان في ميزان الحسنات يوم القيامة” 4.
هي والله لمظلمة كبرى أن تتزعم ذوات الضجيج الصاخب والعقول الفارغة، من وصفهن الشاعر حين قال:
ملأى السنابل تنحني تواضعا *** والفارغات رؤوسهن شوامخ
والفارغات دركات: منهن تلك التي تستأسد حين يسوقها أهلها إلى القبر الزوجي الهرم ريثما يساق هو إلى حتفه فترث الأموال والضياع… إن لم تأخذها منه عنوة وبوثيقة بيع وإجبار دون ميراث.
وأسوء الدركات: الفارغة قلبا والمقفرة عقلا، التي أحاطها الكريم بعنايته ولطف سريرته، فيستحيل بعده فراغ القلب سما قاتلا، وخواء العلق مخالب تنهش ذو الشيبة التقي… نهش وهرش من يكفرن العشير، فيلقى به في ركن منسي، سجين العرين.
ويدمر الانحطاط التاريخي، والفساد الاستعماري، وفجور الظالمين جدران البناء الإنساني… والمرأة المسلمة مستهدفة كما الرجل.
فما الذي نريد؟؟؟
نريد عدلا لا انتزاع حماية القافلة والزعامة من الرجال، وإن كان للحماية والزعامة شروط متى توفرت في صاحبها فهو أهل لها.
نريد إحسانا لا نكون فيه تبعا بل شقائق الرجال.
نريد علما يمنعنا جهل الحقوق. وفقها يمنعنا نكوصا عن “المغالبة” أو “المطالبة”.
نريد شرعة يحتكم إليها الضعفاء والضعيفات فتمنحهم إحساسا بالأمان، شرعة تحوط حديقة الإنسان بسياج مهيب من المنع والعقاب والجزاء والثواب.
حديقة ومشتل إنساني يزهر وتورق فيه البذور الطيبة، فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
إني أحلم بربيع إنساني دائم.

طالع أيضا  قضية المرأة المسلمة والتغيير الشامل (1/10)اقتحام العقبة

[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج1، ص102.
[2] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص18.
[3] تنوير المؤمنات، م. س، ج1، ص215.
[4] نفس المصدر، ص203.