أصدرت وزارة التربية الوطنية في شهر دجنبر، من السنة المنصرمة (2016)، مذكرة حول اعتماد ميثاق حكامة منظومة الإعلام، ونوهت إلى أنه جاء “تجسيدا للتوجيهات الملكية، القاضية بالعمل على ارتقاء الإدارة الإليكترونية، والحكامة الإدارية.” و ضافت إلى أنه “نظرا للأهمية القصوى التي تكتسيها المنظومة المعلوماتية في إنجاح الأوراش الإصلاحية للرؤية الاستراتيجية 2015-2030، تم إعداد ميثاق لحكامة منظومة الإعلام، وفق مقاربة تشاركية ومشاورات موسعة مع الأطراف المعنية”، ودعت جميع مصالحها “لاعتماد هذا الميثاق، الذي حدد مجموعة من المبادئ والأهداف التدبيرية العملية، التي من شأنها ترصيد المكتسبات وتحسين المردودية في احترام تام للقوانين والتشريعات الجاري بها العمل”.

       وبقراءة سريعة في هذا الميثاق – وهو بالمناسبة، مكتوب بلغة موليير، في تحد سافر وخرق واضح لدستور البلد الذي يقول إن اللغة العربية، تظل هي اللغة الرسمية للدولة (الفصل 5 من الدستور)-  نجد في مادته الرابعة التي تناولت الموارد البشرية، أن الوزارة تراهن على توفير  الموارد البشرية المؤهلة في إنجاح العملية برمتها. كما نجد في نفس المادة توصية تدعو إلى ضرورة الاهتمام البالغ والخاص، بهذه الأطر الإعلامية لأنها نادرة من جهة، ولأنها تكلف الدولة ثمنا باهظا من جهة أخرى.

      ثم بعد مرور شهرين تقريبا، أصدرت نفس الوزارة، عدة إشعارات بإعفاء عشرات الأطر من مهامهم الوظيفية. ومن هؤلاء المعفين، ثلاثة مهندسين إعلاميين، أمضوا ما يزيد عن عقدين من العمل في وظائفهم، وتتوفر فيهم تلك المواصفات التي تحدث عنها ميثاقهم.  وهم المهندس الإعلامي أحمد شعيبي، صاحب برنامج تدبير الامتحانات الشهير “GEXAWIN” والموظف بالمديرية الإقليمية بسطات. والمهندس الإعلامي محمد العيساوي، الموظف بالمديرية الإقليمية  ببني ملال. والمهندس الإعلامي الحسين العيادي، الموظف  بالمديرية الإقليمية  بصفرو.

     هذا، ولم تشر الوزارة في إشعاراتها أسباب ومبررات إنهاء مهام هؤلاء الأطر، وهو ما يعني  أن هذه القرارات قد اتخذت بشكل تعسفي و دون سند قانوني.

طالع أيضا  سوْءات "الإعفاءات" (1)

      نحن نعلم أنها -أي قرارات الإعفاء- قد تمت تسويتها في المطبخ السري لوزارة الداخلية، التي كانت ولا تزال تسمى أم الوزارات. ونعلم أيضا، أن وزارة التربية الوطنية، لم تفعل سوى تنفيذ التعليمات. لكن من حقنا، وحق كل غيور على هذا البلد، أن يتساءل باستنكار شديد اللهجة:

هل وزارة التربية الوطنية أصبحت ملحقة لوزارة الداخلية؟

وهل وزير التربية الوطنية أصبح موظفا لدى وزير الداخلية؟

ثم ما جدوى وجود وزير لا يستطيع الدفاع عن موظفيه، وهو يعلم – قبل غيره – أنهم ضحايا الشطط والتعسف؟  

بل  وما  جدوى دستور 2011،  الذي ينص في تصديره، على خيار بناء دولة الحق  والقانون الذي لا رجعة فيه؟

وأين هو الساهر على احترام الدستور، وصيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات (الفصل 42)؟

وأين رئيس الحكومة الذي يسهر على تصريف الأمور الجارية، أم أن هذه الجريمة المرتكبة في حق مواطنين أبرياء، لا تدخل في إطار الأمور الجارية؟          

     هذه الأسئلة وغيرها لن تجد جوابا، لأن المسؤولين المعنيين دفنوا رؤوسهم في الرمال، كما تفعل النعامة، إذ ليست لهم الجرأة ولا يمتلكون الشجاعة لقول الحقيقة، فيعلنوا للرأي العام أن قرارات الإعفاء، ما هي إلا تصفية حسابات ضد جماعة معارضة مستعصية على الترويض هي جماعة العدل والإحسان!

    ولعل من أعظم المصائب التي حلت بقطاع التربية الوطنية، هي معاول الفساد التي تكالبت عليه من كل حدب وصوب، فأردته في حالة احتضار حقيقي، لم تنفع معه كل الوصفات التي رامت إنقاذه، رغم  الأموال الطائلة التي رصدت لذلك، دون أن تظهر مخرجات تلك الوصفات على أرض الواقع. وكأن الأمر فيه ترصد مع سبق الإصرار على تخريب التعليم وتدميره، تَرى من كانوا السبب في ذلك – بدل السعي إلى إيقاف النزيف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه- تراهم يتخذون قرارات مثيرة للدهشة والاستغراب، تزيد الأمر استفحالا وخطورة. إذ كيف يعقل التفريط في أطر متكاملة من المهندسين من ذوي الخبرة العالية، دون أن يقترفوا جُرما، أو يصدر منهم فعلٌ يتنافى والقوانين والتشريعات الجاري بها العمل.

طالع أيضا  د. سلمي: اختيار الموجهين التربويين يتم بناء على الاستحقاق وليس بالإسناد

ويبدو جليا، أن من اتخذ هذا القرار لا يهمه أمر التعليم، ولا مصلحة الوطن، كل همِّه هو إخضاع الناس لهواه وجعلهم يسبِّحون بحمده ويلهجون بذكره. والويل ثم الويل، لمن لم يركع، ويعلن عن ولائه التام، وغير المشروط للحاكم، فإن لم يفعل صادروا حقوقه وامتهنوا كرامته، وهذا – لعمري – هو عين الاستبداد، إنه الغرور بالرأي، والاستعلاء فوق الأرض، والتصرف في حقوق الناس وشؤون الرعية بالمشيئة بلا خوف، ولا عقاب.

       على سبيل الاستئناس والعبرة:

      في سنة 1957، رفع “ماو تسي تونغ” شعارا مغرقا في الرومانسية هو: “دع مائة زهرة تتفتَّح ومائة مدرسة تتنافس” فقامت وسائل الإعلام الموالية له، ببروباغندا واسعة للترويج لهذا الشعار، لكن الحقيقة أن هذا الشعار لم يكن سوى مصيدة،  لتشجيع المعارضين للنظام على إظهار أنفسهم إلى العلن. وبعد أن انطلت الحيلة على كثير منهم، رفع “ماو” شعارا آخر هو: “اقتلعوا الأزهار السامة”، فقامت السلطات الصينية حينذاك، بممارسة قمع متوحش وعنف دموي في حق آلاف المثقفين والمفكرين والأدباء ممن يُشَك في ولائهم!

     وفي سنة 1976، رحل “ماو تسي تونج”، الذي كان يريد من الناس أن يقدسوه ويبجلوه لدرجة الألوهيّة. فتولى بعده “دينج زياو بينج” الذي قاد الصين إلى المستقبل، وأحدث بها نهضة كبرى، وتجاوز جنون “ماو تسي تونغ” وتعاطى مع الجميع وأصلح ما أمكن إصلاحه، متجاوزًا بذلك فترة الحكم الفردي التي عاشتها الصين.

وأخيرا:

      إن هذا الفعل الشنيع الذي قامت به الدولة يعتبر جريمة نكراء في حق هؤلاء الأبرياء، وفي حق هذا الوطن قبل كل شيء، لأنه حُرِم من خدمات وكفاءة أطر من أجود الأطر، التي تزخر بها البلد. هذا الفعل الذي أُدين من قِبَل جل القوى الفاعلة والحية، يحتاج إلى الكثير من الوعي واليقظة لدى جميع شرفاء الأمة، من أجل التعاون والحوار، ثم الرقي إلى مستوى العمل المشترك وخلق جبهة موحدة، للوقوف صفا واحدا ضد كل أشكال الفساد والاستبداد.