تقديم

تكاد لا تذكر تجربة عبد الله بن ياسين في الدعوة والتربية لعدة اعتبارات منها ندرة المادة المصدرية، إذ لم يفرد أحد هذا العلم بكتاب مستقل، إنما هي إشارات متفرقة في مصادر التاريخ العام دون كتب التراجم، اللهم إذا استثنينا الترجمة الوحيدة للإمام القاضي عياض رحمة الله عليه 1، وهي مختصرة في صفحة واحدة لا تعطي صورة متكاملة عن حياة ابن ياسين.
إن ما كتب على العموم قديما وحديثا لا يناسب قدر الرجل ولا يوفيه حقه، لاسيما وأن سيرته تزخر بدروس متنوعة في الدعوة والتربية والتغيير تستحق أن تكون موضوع دراسات معمقة، أضف إلى ذلك أن عبد الله بن ياسين شكل أهم وأقوى حلقة في المشروع الدعوي المرابطي الذي مهد لتشييد صرح أول دولة إسلامية سنية مالكية في بلاد الغرب الإسلامي امتدت من الأندلس شمالا إلى النيجر جنوبا في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي.

ترجمة موجزة لابن ياسين

هو عبد الله بن ياسين بن مكو الجزولي، ينتمي إلى قبيلة جزولة إحدى فروع صنهاجة، رحل إلى بلاد الأندلس في طلب العلم في عهد ملوك الطوائف وأقام بها سبع سنين حصل خلالها علوما كثيرة، ثم رجع إلى المغرب والتحق برباط وجاج بن زلو ناحية سوس وأصبح علما من أعلامها.
في هذا الرباط سيقع الاختيار على عبد الله بن ياسين للقيام بمهمة تعليم قبائل صنهاجة بناء على الرسالة التي وجهها أبو عمران الفاسي المستقر بالقيروان إلى وجاج بن زلو اللمطي يلتمس منه أن يرسل مع الحاج يحيى الجدالي فقيها تقيا فطنا، وهنا ستبدأ مرحلة جديدة في حياة ابن ياسين.
لم يتقبل بعض أعيان وأشياخ صنهاجة تعاليم ابن ياسين وأنكروا عليه ذلك وخربوا داره وكادوا يقتلونه، فقرر إنشاء رباط تربوي جهادي في جزيرة معزولة على مصب نهر السنغال يربي ويعلم ويدرب المرابطين الذين أقبلوا عليه من كل حدب وصوب.
ولما تأكد ابن ياسين من صلابة عودهم ورباطة جأشهم، واطمأن إلى صلاح أحوالهم وتحقق معاني الأخوة الإيمانية فيهم انطلق بهم في ربوع الصحراء وبلاد المغرب فاتحا وهاديا وداعيا وموحدا، إلى أن استشهد وهو يواجه ضلالات البرغواطيين سنة (451هـ/1049م) بموضع يعرف بكريفلة وقبره لا يزال هناك بين بن سليمان والرماني شاهدا على فصل من أهم فصول تاريخ المغرب العميق.

دروس في الدعوة والتربية

الدرس الأول: الدعوة تهمم وتخطيط

شارك في التخطيط للدعوة المرابطية والشروع في تنفيذها أربعة رجال إليهم يرجع الفضل في بناء الأساس الأول الذي بنيت عليه أعمدة الدولة المرابطية هم: الزعيم الصنهاجي يحيى بن ابراهيم، الفقيه القيرواني أبو عمران الفاسي، الشيخ السوسي وجاج بن زلو، الداعية الجزولي عبد الله بن ياسين.
عرف الزعيم الصنهاجي يحيى بن ابراهيم بخصال مميزة منها حرصه الشديد على إصلاح المجتمع الصنهاجي الصحراوي الذي لم يتلق التربية الإسلامية الكاملة في عهد الفاتحين الأولين بسبب بعده عن حواضر الإسلام، ولهذا الغرض رغب في استقدام عالم مصلح يكون سببا في إنقاذ قومه مما هم فيه من ضلالات وفتن.
في سنة (427هـ 1035م) غادر يحيى الجدالي بلاد صنهاجة 2 لأداء مناسك الحج وأثناء عودته مر بمدينة القيروان بإفريقية “تونس حاليا”، ولقي بها الفقيه الداعية الذائع الصيت أبا عمران الفاسي ودار بينهما حوار أبان فيه زعيم صنهاجة عن جهل قومه بتعاليم الإسلام ورغبته في أن يصطحب معه أحد علماء القيروان ليعلمهم دينهم الذي يجهلون منه الكثير 3.
أشفق الفقيه أبو عمران على الحالة التي آلت إليها قبائل الصحراء، وتهمم بهذا الأمر، وقرر ألا يودعه إلا بشيء يرضه، وهذا حال الفقهاء المالكيين في هذا الزمن الحريصين على إعلاء لواء المذهب المالكي ونشر تعاليم الإسلام السني في كل البقاع مهما كانت الظروف والصعوبات.
لم يجد الفقيه المالكي من بين تلامذته من هو أهل للقيام بهذه المهمة على الوجه المقبول الحسن، فالبلاد بعيدة تقع في طرف بلاد الإسلام 4، والجهل عام في هذه القبائل 5 ولسانهم أمازيغي غير لسان أهل القيروان، لذلك نعت له فقيها ورعا من شيوخ المصامدة اسمه وجاج بن زلو صاحب رباط سوس، وكتب له في هذا الشأن كتابا (رسالة).
غادر زعيم صنهاجة القيروان وحل برباط سوس حاملا معه هما ثقيلا وخبرا مهما ورسالة تتضمن شروطا دقيقة ومواصفات محددة ينبغي أن تتوفر في رجل المرحلة 6، وهي خصال يمكن تحديدها في ثلاث:

  • خصال مرتبطة بالأخلاق والدين والورع.
  • خصال مرتبطة بالقدرة على التعليم والتربية.
  • خصال مرتبطة بالسياسة وحسن التدبير.

خصال ثلاث اجتمعت في الجزولي عبد الله بن ياسين الذي كان كما وصفه ابن أبي زرع من حذاق الطلبة الأذكياء النبهاء النبلاء من أهل الدين والفضل والورع والفقه والأدب والسياسة مشاركا في العلوم 7.
كان إذن اختيار ابن ياسين لهذه المهمة، مهمة تعليم قبائل صنهاجة التي تضم أكثر من سبعين قبيلة، إيذانا بقرب دخول عهد جديد وفتح صفحة مشرقة سطع نورها من قلب الصحراء وبلغ مداها ما وراء البحر شمالا إلى نواحي النيجر جنوبا.
عكست هذه الصورة جانبا مشرقا يظهر أهمية التهمم الجماعي الإيجابي بالدعوة الإسلامية في الغرب الإسلامي والإفريقي أسهم فيها فريق متكامل من خيرة بلاد الغرب الإسلامي ضم الزعيم السياسي والعالم الفقيه والمرابط الصالح والطالب المقدام.
حرص وتهمم، هندسة وتخطيط، متابعة وإنجاز، مبادرة واقتحام، أثمرت مشروعا دعويا استهدف إصلاح المجتمع الصنهاجي حتى ينعم بحياة إسلامية إيمانية في ظل الشرع الإسلامي والهدي النبوي.

الدرس الثاني: الدعوة اقتحام  للعقبة

ما كان  لغرس الدعوة المرابطية أن ينغرس لولا حرص وإلحاح الزعيم الصنهاجي يحيى بن إبراهيم على استقدام عالم مصلح إلى بلاده، ولولا تهمم الفقيه أبي عمران القيرواني الذي انتهز علاقاته الواسعة ونفوذه ومكانته كعلم من أعلام المالكية لخدمة قضية من أجل وأقدس القضايا، ما كان لهذا الغرس أن يثبت لولا وفاء الشيخ وجاج بن زلو الذي سارع فور توصله بالكتاب لاختيار أنبه طلابه عبد الله بن ياسين للقيام بهذه المهمة الجليلة.
بهذه النيات الحسنة، والقلوب الطيبة، والعقول النيرة، والإرادات الحازمة تم الشروع في وضع أول لبنة في صرح الدعوة المرابطية.
أخذ ابن ياسين الكتاب بقوة وأقبل على هذه المهمة بكل حماسة ويقين في موعود الله بالنصر والتمكين، وسار مع موكب الحجيج صحبة رفيق دربه الجديد يحيى بن إبراهيم، إلى أن بلغ ديار جدالة بصنهاجة في أعماق بلاد الصحراء، وهو كله طموح وأمل وعزم أن يكون عند حسن ظن فقهاء الغرب الإسلامي، وأن يكون خير مبعوث لرباط سوس الشهير، وما ان وطأت قدماه هذه الأرض حتى شمر على ساعد الجد يشخص حالة القبائل ويختبر العامة والخاصة فوجد “أكثرهم لا يصلون ولا يزكون وليس عندهم من الإسلام إلا الشهادة، وقد غلب عليهم الجهل” 8.
شرع ابن ياسين في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبين شرائع الإسلام وحقائق الإيمان، وقد لقي في البداية تعاطفا من العامة والخاصة واجتمع عنده من الطلبة والفقهاء من مختلف القبائل سبعين طالبا 9، وهكذا بدأ صيته يذيع وخبره ينتشر وتعاطفه يتسع، ويعزى هذا النجاح لعدة عوامل أهمها:
– التكوين العلمي الواسع لابن ياسين الذي تمكن منه بسبب تردده على كبريات حواضر العلم بالمغرب والأندلس.
– التكوين التربوي الذي تلقاه في أكبر رباطات سوس مع الشيخ وجاج بن زلو.
– معرفته باللسان الأمازيغي، وبعوائد الناس وطبائعهم  مما سهل عليه عملية التواصل.
– دعوته بالحال قبل المقال، وزهده فيما عند الناس، واكتفاؤه بما يوفره من عمل يده؛ يذكر ابن أبي زرع أنه “لم يزل صائما من يوم دخل بلادهم إلى أن توفي رحمه الله تعالى” 10.
حقق ابن ياسين نجاحا باهرا ولقي تعاطفا واسعا، لكن سنة الله في الدعوة إليه أن تعترض سبيل الدعوة عقبات لابد من اقتحامها، وابتلاءات تتطلب صبرا ومصابرة وجهادا ومجاهدة، ومن العقبات الكبرى التي اعترضت صاحبنا معارضة أعيان القبائل ووجهائها لدعوته التي يرون فيها منافسا لسلطتهم.
اصطدم ابن ياسين بواقع جديد إذ وجد نفسه أمام كتلة منظمة متعاونة من الأعيان والوجهاء وأهل الأعوان والنزوات الذين لم يألفوا الخضوع لسياسة تكبح من تسلطهم وتضع حدا لشهواتهم وأهوائهم.
تفطن ابن ياسين إلى أنه يواجه واقعا جديدا، لا ينفع معه الوعظ الشفهي والخطب المنبرية، إنما ينفع معه قوة متكتلة منظمة مماثلة تأخذ بيدهم إلى جادة الصواب، وهذا ما سيقدم عليه مع رفيق دربه يحيى بن إبراهيم الجدالي.
تظهر هذه الصورة جانبا مشرقا من معدن الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ونحن نعيش اللحظة بقلوبنا مع ابن ياسين الذي اعترضته هذه الصعاب ونستحضر المشهد أمام أعيننا، كان بإمكانه أن يكتفي بتشييد صرح علمي يجمع فيه الطلاب يبين لهم الحلال والحرام والمعروف والمنكر، وقد أدى واجبه على أحسن وجه، كان بإمكانه إنشاء زاوية يجمع فيها المريدين يعلمهم الأذكار والأوراد وقواعد السلوك ويتعاون معهم على مجاهدة النفس وتزكيتها حتى يلقى ربه وهو راض عنه، كان بإمكانه أن يرجع من حيث أتى وأن يعود لشيخه وجاج بسوس ويكمل حياته تاليا ذاكر بعيدا عن شغب المشاغبين وكدر المفسدين.  
كان بإمكانه أن يأتي من الصالحات ما يحب، وأن يجتنب منها ما يكره، وإن من الصالحات ما تكرهه النفس إذا كان فيها جهد ومجاهدة وخطر ومخاطرة، وصبر ومصابرة.
بإمكانه أن يفعل ذلك على أحسن وجه وهو أهل لذلك، لكن طينة بعض الرجال وصفاء معدنهم لا ترضى بهذا ولا ذاك، بل تعتبر ذلك هروبا من الواقع وتملصا من المسؤولية وفرارا من الزحف وخيانة لله ورسوله قبل أن تكون خيانة لمن بعثوه وأحسنوا الظن به أن يكون خير مرسول ومبعوث.

طالع أيضا  'القطب الأعظم في الدين'
الدرس الثالث: الرباط سر نجاح الدعوة المرابطية

تضايق الأعيان وأهل الأهواء من دعوة ابن ياسين، واستثقلوا تحمله بين ظهرانيهم وفي رواية للبكري أنهم هدموا داره وانتهبوا ما فيها من أثاث 11، مما اضطره إلى ضرورة اتخاذ موقف حاسم حازم، إما أن يستمر في الدعوة وسط بيئة ملوثة، وهذا يقتضي التنازل عن بعض المبادئ والإحجام عن كل سياسة تكبح من سلطتهم وتحد من أهوائهم، وإما أن يواجه الوباء خارج دائرته، وهذا يتطلب إعدادا وعدة وجهدا ومجاهدة ونفسا طويلا.
شاور ابن ياسين رفيق دربه وسنده الوفي يحيى بن إبراهيم في شأن الدعوة بعدما قرر المغادرة في سبعة نفر من جدالة، والزعيم الصنهاجي يجر زمام جمل عبد الله بن ياسين فنظر إليه شيخ كبير من شيوخ صنهاجة وقال: “أرأيتم هذا الجمل لا بد أن يكون له في هذه الصحراء شأن عظيم يذكر في العالم” 12.
خرج ابن ياسين من جدالة وأنشأ رباطا بعيدا في جزيرة معزولة مصب نهر السنغال، وهنا سيتحقق ما لم يكن في الحسبان، إنها سنة الله ناصر المستضعفين وقاهر المستكبرين في حياة الدعاة حتى إذا استيأسوا وظنوا أنهم قد كذبوا أتاهم النصر والفتح والمدد والعدد.
انتشر الخبر بين أشراف صنهاجة وأخيارها، وتسامع الناس بأخبارهم، فبدأ الناس يتوافدون على المرابطين من كل حدب وصوب “حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل من أشراف صنهاجة” 13.
وهكذا أدخلهم في مشروع دعوى متكامل بعيدا عن شغب المشاغبين وسماهم: “المرابطون” 14. للزوم رابطته، وهي تسمية تحمل أكثر من دلالة.
في هذا الرباط حرص ابن ياسين على تعميق معاني الأخوة الإسلامية والتربية الإيمانية والتدرب على فنون الدعوة والجندية، وقد كان لبعد الرباط عن الملثمين دور أساس في زرع بذور الإيمان في قلوب الواردين المريدين التي سقاها بماء المحبة وتعهدها بلزوم الأذكار والأوراد، وما ينفعهم من العلوم الشرعية الضرورية.
 تميز رباط ابن ياسين عن سائر الرباطات القائمة في عصره في كونه جمع بين ثلاث وظائف قلما اجتمعت في رباط واحد:  الوظيفة التربوية، والتعلمية، والدعوية الجهادية.
بخصوص الوظيفة التربوية حرص ابن ياسين على تثبيت الأساس التربوي المرتبط بمجاهدة النفس وتزكيتها، وتعلم قواعد السلوك إلى الله عز وجل، ولتحقيق ذلك وضع شروطا صارمة لقبول الواردين وعقوبات على المخالفين والكسالي، فمن فاتته صلاة واحدة في الجماعة ضرب عشرين سوطا 15، وكان المرابطون يتقبلون هذه التأديبات، وقد آتى هذا الأسلوب أكله إذ شكل حاجزا أمام  المتنطعين والوصوليين والمستكبرين.
أما الوظيفة التعليمية للرباط فلم يغفلها ابن ياسين، وكيف يغفل عنها وقد أمضى تسع سنوات متنقلا بين حواضر العلم بالأندلس مكنته من تحصيل علوم كثيرة 16، ويبدو أنه كان يتدرج معهم شيئا فشيئا بما يناسب مستواهم من السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المعقد “يعلمهم الكتاب والسنة والوضوء والصلاة والزكاة وما فرضه الله عليهم” 17.
وبخصوص الوظيفة الدعوية الجهادية فقد كان للرباط دوران جهاديان: الأول حماية ثغور المسلمين من جيرانهم الزنوج 18، والثاني: إعداد الطليعة المجاهدة، ولتحقيق ذلك كان ابن ياسين يستحضر في توجيهاته وتعليماته خصائص الجندية التي من معانيها التدرب على حمل المشاق، والانقياد التام في المنشط والمكره.
كان ابن ياسين يدرك جيدا أنه سيدخل في مواجهة حاسمة مع كتلة منظمة وأن أي خطإ في التربية أو تهاون في إعداد العدة سينعكس سلبا على قوة الدعوة وصفائها، وهذا يستلزم الاستعداد البدني كما يستلزم الاستعداد الإيماني، ففي ساحة المواجهة لا يثبت ولا ينتصر إلا من كان حسب تعبير ابن خلدون الأعرق في البداوة والأكثر توحشا 19.

طالع أيضا  أعمال الباطن في تلاوة القرآن 1/2
الدرس الرابع: الشورى ضمان لنجاح الدعوة

أنهى ابن ياسين مرحلة الرباط بتربية طليعة مؤمنة صالحة مجاهدة قوية أحبته ورضيت بتوجيهاته واطمأنت إلى سياسته، ولما لمس منهم الصدق والإخلاص، وإيثار الآخرة على العاجلة، والباقية على الفانية، وتأكد من صلابة عودهم جمع المرابطين وشاورهم في شأن الخروج للدعوة في القبائل، فما كان قولهم إلا أن قالوا “أيها الشيخ المبارك: مرنا بما شئت، تجدنا سامعين مطيعين” 20.
وهذه ميزة أخرى ميزت القائد المرابطي إذ لا يعزم على أمر ذي بال إلا ويشاور فيه أهل المشورة والرأي، وقد اعتمد ابن ياسين هذا المبدأ طيلة مرحلة الدعوة والرباط والفتوحات.
بعد استشارة المرابطين في شأن الخروج من الرباط وإجماعهم على هذا القرار شرع ابن ياسين في تنفيذ مشروع الدعوة المرابطية، وها هو يستفيد من غرسه الطيب في نشر الإسلام ويبث الدعوة في صفوف قبائل الصحراء من موقع قوة لا من موقع ضعف، وهنا ستبدأ مرحلة جديدة في حياة ابن ياسين.

الدرس الخامس: التنظيم وسيلة والدعوة وظيفة

منذ إنشاء الرباط، وتزايد أعداد المرابطين أقدم ابن ياسين على إجراء فريد يتعلق بفصل الشأن الدعوي التربوي عن الشأن السياسي العسكري في إطار تكامل بين الوظيفتين.  
فقد كانت الحالة السائدة في عصره أن يجمع الزعيم بين الشأنين ويتحكم في السلطتين معا حتى يظهر بمظهر الحاكم القوي المثالي المتحكم في زمام الأمور.
خرج ابن ياسين على هذه القاعدة وأعطى مثالا للحاكم الزاهد في الملك، وهكذا فوت القيادة الميدانية للزعيم الصنهاجي يحيى بن إبراهيم واحتفظ بالنظر في شؤون الدعوة والتربية، وهذا يظهر كفاءة ابن ياسين وبعد نظره وحرصه الشديد على صفاء الدعوة ونقائها من كدر حب الظهور والتنازع على الرئاسة.
الدعوة حاضنة للدولة وليست مهيمنة، وينبغي أن يحرص المصلحون والعلماء المجددون فعلا على عدم الانغماس الكلي في تدبير شؤون الدولة ومشاكلها. ويبقى الهم الأكبر للتربية والتوجيه والإرشاد وإعداد الإنسان الصالح المصلح والمجتمع الفاضل وهي مهمة أكبر وأجل من مهمة تدبير وسياسة الدولة. وهذا ما سار عليه الرجل.
لم ينقص هذا الإجراء من علو شأن ابن ياسين ولم يحط من قدره، بل بالعكس من ذلك زاده رفعة ومحبة وقبولا في قلوب المرابطين الذين يقدرونه أيما تقدير وينقادون له انقيادا تاما محبة وطاعة، لا خوفا ولا كرها.
خرج المرابطون من الرباط تحت قيادتين: الأولى تربوية دعوية بقيادة عبد الله بن ياسين، والثانية تنظيمية عسكرية بقيادة يحيى بن إبراهيم الذي كان في السابق زعيما للحلف الصنهاجي الذي يضم أكثر من سبعين قبيلة، وكل قبيلة تضم بطونا وأفخاذا لا تكــاد تحصى، وقد أكسبته التجربة السابقة خبرة ومهارة في الإدارة والتنظيم، ففي ظرف وجيز تمكن من إخضاع أقوى قبائل صنهاجة (جدالة، لمتونة، مسوفة) 21، وشكل أول حلف صنهاجي قائم على أسس دعوية صرفة، بعدما كانت الأحلاف السابقة تقوم على أسس قبلية اقتصادية مصلحية.
بعد وفاة القائد الأول للمرابطين يحيى بن إبراهيم 22، سارع ابن ياسين إلى جمع رؤساء القبائل الصنهاجية، وقدم عليهم يحيى بن عمر اللمتوني ابن عم البطل يوسف ابن تاشفين الذي سار على نهج سلفه، وقد تمكن من فتح كثير من بلاد السودان، وجزء من المغرب الأقصى، وفي سنة (448هـ/1056م) توفي يحيى اللمتوني، وقدم مكانه ابن ياسين أخاه أبا بكر بن عمر اللمتوني الذي أكمل المشوار وعمل على إخضاع أجزاء أخرى من المغرب الأقصى.

الدرس السادس: ربط الدعاة بمصير الدعوة ضمان لاستمراريتها

ظهر المرابطون والمغرب تتقاسمه أربع كيانات، مختلفة مذهبيا وسياسيا، غارقة في أوحال الجهل والضلالات والظلمات.

  • الكيان الأول: قبائل غمارة في الشمال، وقد عرفت خلال هذه الفترة بجهالتها وإباحيتها التي لا حدود لها، ومنهم من ادعى النبوة كابن من الله الذي وضع قرآنا من عنده وأسقط عنهم الحج والوضوء 23.
  • الكيان الثاني: إمارة برغواطة التي تدين بدين صالح بن طريف 24.
  • الكيان الثالث: إمارة زناتة، عرفوا في آخر أيامهم بالعسف والجور.
  • الكيان الرابع: الشيعة والوثنيون في جنوب المغرب 25.
طالع أيضا  الأوراد وخصائص الأذكار

رغم هذا التشتت فالوحدة والاتحاد كانت مطمح كل القبائل التي كانت ترغب في الانعتاق من هذا الوضع. فبعد ما استتب للمرابطين الأمر في بلاد الصحراء وأجزاء واسعة من المغرب الأقصى توجه ابن ياسين إلى تامسنا ليخبر أن بساحلها قبائل برغواطة التي تدين  بدين صالح بن طريف الذي ادعى النبوة وكتب لهم قرآنا فيه ثمانون سورة وفرض عليهم عشر صلوات 26.
لما سمع المرابطون بأخبار برغواطة قدموا جهادهم على غيرهم، وقرروا الدخول في مواجهة مع البرغواطيين مهما كلف ذلك من ثمن، وقد استعصت هذه الإمارة على كل من حاربهم من الأدارسة والأمويين وغيرهم 27.
عبأ المرابطون لهذه المعركة المشهودة جيشا عظيما قوامه خمسون ألف رجل 28، ودخلوا في مواجهة مفتوحة قتل فيها خلق كثير وأصيب فيها الزعيم الروحي عبد الله بن ياسين بجروح بالغة، فلما أدرك دنو أجله جمع أشياخ المرابطين ورؤساءهم وقال قولته الأخيرة، مما جاء فيها: “يا معشر المرابطين أنا ميت في يومي هذا… كونوا ألفة على الحق، إخوانا في الله، وإياكم والمخالفة والتحاسد على الدنيا…” 29.
موقف آخر ومشهد بطولي يكشف عن نقاء معدن هذا الرجل، لم تمنعه آلامه وجراحه أن يقدم النصح لإخوانه، وفي عشية ذلك اليوم استشهد ابن ياسين متأثرا بجراحه في جمادى الأولى سنة (451هـ/1059م) 30، ودفن بموضع يعرف بكريفلة 31، نواحي مدينة الخميسات، وقبره لا يزال هناك شاهدا على فصل من أهم فصول التاريخ المغربي.
تمكن المرابطون من اجتياز هذه المرحلة العصيبة واختاروا سليمان بن عدو خلفا جديدا للزعيم الروحي واستمر أبو بكر اللمتوني في قيادة جيوش المرابطين 32. دون حدوث أي زعزعة في الصف أو انفلات في الوضع، وهذا يدل على ارتباط المرابطين بالقضايا الكبرى التي من أجلها ابتعثوا، وهي الدعوة والتربية والتوحيد والجهاد، كما تدل على نجاعة التربية التي تلقاها المرابطون في الرباط وطيلة مرحلة الفتوحات، ونجاعة ثنائية القيادة وفصل ما هو دعوي تربوي عما هو تنظيمي عسكري.
لم تمت الدعوة المرابطية بموت منشئها وزعيمها بل ظلت حية قائمة، فبعد دفن عبد الله بن ياسين واصل أبو بكر اللمتوني حربه على برغواطة حتى قضى على بأسها وكسر شوكتها، بعدها عاد إلى بلاد الصحراء ليصلح أحوالها مفوضا أمر المغرب لابن عمه البطل المغوار يوسف بن تاشفين 33.

ختاما

ما أشبه اليوم بالبارحة، وإن الأمة اليوم تمر بفترات عصيبة، وتعاني آلاما موجعة، ومحن شديدة، ما أحوجنا أكثر من أي وقت مضى إلى حماسة ابن ياسين، وحكمة أبي عمران، وتهمم يحيى الجدالي، وصلاح وجاج، وبسالة القادة يحيى اللمتوني وعمر اللمتوني وابن عمهما يوسف بن تاشفين. ما أحوجنا لعزيمة الطليعة المرابطية التي أحيت في المجتمع كله روح الدعوة والجهاد وطهرت البلاد من دنس الضلالات وعسف الحكام.
ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولينصرن الله من ينصره.


[1] القاضي عياض: “ترتيب المدارك، وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك” تصحيح معتمد سالم هاشم، بيروت، ط1، 1998م،ج 2، ص 333.
[2] ابن أبي زرع، علي الفاسي: “الأنيس المطرب” دار المنصور، الرباط: 1972، ص 120.
[3] مؤلف مجهول: “الحلل  الموشية في ذكر الأخبار المراكشية”، تصحيح يوسف علوش، المطبعة الاقتصادية، الرباط: 1963، ص 9.
[4] ابن الأحمر: “بيونات فاس الكبرى”، دار المنصور، الرباط 1972، ص 28.
[5] النويري شهاب الدين: “نهاية الأرب في فنون الأدب”، تحقيق حسن نصار  المكتبة العربية، القاهرة، 1983 م، ج 24، ص 254.
[6] ابن خلدون: “العبر” دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1992ج 6، ص 216.
[7] ابن أبي زرع: م، س، ص 123.
[8] نفسه: ص 124.
[9] ابن عذاري: “البيان المغرب”، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط 3، 1983، ج 4، ص 8.
[10] “الأنيس المطرب”، م. س، ص 133.
[11] البكري: “المغرب قي ذكر بلاد افريقية والمغرب”، دار الكتاب الإسلام، القاهرة، ص 166.
[12] النويري: م. س، ج 24، ص 255.
[13] ابن أبي زرع : م س، ص 125.
[14] ابن الخطيب: الوزير لسان الدين: “أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلال من ملوك الإسلام”، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1، 1992م، ص 385.
[15] البكري: م. س، ص 169.
[16] ابن عذاري: م. س، ص 125.
[17] ابن أبي زرع: م.  س، ص 125.
[18] حسن أحمد محمود: “قيام دولة المرابلطين”، دار الفكر العربي، القاهرة: ص 125-126.
[19] ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1993، ص 110.
[20] ابن أبي زرع: م س، ص 125.
[21] نفسه: ص 126.
[22] النويري: م. س، ج 24، ص 258، 259.
[23] مؤلف مجهول:  “الاستبصار في عجائب الأمصار”، تعليق سعد زغلول، دار الشؤون الثقافية، ص 191.
[24] ابن أبي زرع: م. س، ص 130.
[25] عبد الله كنون: “ذكريات مشاهير رجال المغرب”، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني: بيروت، المجلد الرابع، ص 22.
[26] ابن أبي زرع، م. س، ص 130-131.
[27] الناصري: “الاستقصا”، تحقيق أحمد الناصري، مطبعة النجاح الدار البيضاء، 2001، ج 2، ص 181.
[28] القاضي عياض: م. س، ج 2، ص 333.
[29] ابن الخطيب: م. س، ص 386.
[30] مجهول: “مفاخر البربر”، تحقيق عبد القادر بوباية، دار أبي رقراق، الرباط: ط1، 2005، ص 145.
[31] البكري: م.  س: ص 168.
[32] ابن خلدون: “العبر” الجزء السادس، ص 217.
[33] ابن عذاري: م . س، ج 4 ، ص 25.