يقال الظلم مؤذن بخراب العمران، فهل نعيش زمن الخراب؟ حيث الظلم بات قسمة عادلة لا يستثنى منها إلا الفئة القليلة المدللة التي تتحكم في مصير من مصيرُه أصلا قيد للمجهول، بصمة الاستبداد الحارقة التي طبعت جميع القضايا العادلة تخنقها وتضطهدها، هكذا هو تعامل دولة الباطل مع الحقوق المطمورة، إذ لا تتوانى في طحن المواطن لإسكات صوته وتركيعه، وما قتل جنين الأستاذة صفاء الزوين إلا صورة بشعة تختزل أسلوب المخزن الذي لا يعتبر المواطن شيئا، جنين منع من تنسم عبير الوطن وأم أجهضت أحلامها واغتصبت حقوقها قبل أن يتم إجهاض جنينها.
اغتيال جنين صفاء يطرح أكثر من سؤال، ولعل أكثرها إلحاحا: هل هي انتكاسة حقوق؟ أم انتكاسة ضمير؟ ضمير دولة استعلت على شعبها حتى رأته قزما تدوسه تحت الأقدام ولا تلقي له بالا، وضمير مؤسسات بلا محتوى تقدم حقوق المواطن قربانا على مذبح الأسياد لتنعم هي بالرضا والقبول، وضمير شعب ألف الخنوع واستباح الصمت والركون إلى واقع الحال، ولولا موت الضمير ما كان لعصا المخزن أن توغل في الترهيب، حتى أنها لم تستثن جنينا لما ير النور بعد، في تطور خطير يحمل أكثر من رسالة لعل أبلغها وأكثرها وضوحا هو أن الطحن مصير كل من سولت له نفسه تحدي واقع الإذلال والانكسار، فلم يعد الأمر مجرد تضييق على الحريات واغتصاب للحقوق، بل تعداه إلى استعلاء صاحب الأمر الذي لا يرى فينا أكثر من عبيد في ضيعته نستحق الجلد عند التمرد، فأي مواطنة لعبد في ضيعة سيده؟
سيقف الموؤود أما رب العالمين فيسأله: ماذا فعلت لتستحق القتل؟ بأي ذنب أخذت لكي يكون مصيرك الوأد قبل أن تخرج للحياة؟ والسؤال اليوم مطروح ليس فقط على من ارتكب هذا الجرم الشنيع، فأشنع منه تواطؤنا جميعا بالصمت والخضوع، فما ضاعت حقوق الأمة إلا بجريمة الصمت، وما كسر ظهرها إلا جريمة الخضوع التي ورثتها الأجيال المتعاقبة حتى أصبحت قاعدة، الاستثناء فيها مروق وخروج عن الجماعة وابتغاء للفتنة المهلكة.
بشاعة ما حدث تفضح أقنعة النفاق، نفاق دولة صادقت على المواثيق الدولية بما فيها مواثيق حماية الأطفال ومناهضة العنف ضد النساء وحماية الحقوق والحريات، ونفاق مجتمع مدني يدافع عن حق اللقطاء والشواذ والأمهات العازبات، وينخرس لسانه إذا تعلق الأمر بقمع حرة كريمة تناضل بشرف لانتزاع حق مغتصب، ونفاق أحزاب صفراء تزين واجهتها بالاحتفالات بيوم المرأة العالمي وشعارات المناصفة والتمييز الإيجابي وما إلى ذلك من الكلام غير المفهوم لدى الغالبية الساحقة من النساء، بينما يغيب صخبها في معركة الواقع الرهيب.
لله ذرك يا وطني، كثر حسادك على نعمة الاستقرار، نعوذ بالله من شر الحاسدين، استقرار شيد على صفيح ملتهب، يشعله أنين الثكالى اللواتي ابتلع اليم فلذات أكبادهن في رحلة الهجرة إلى الشمال باحثين عن القوت، أنين لا يعلو فوقه إلا صوت العطالة يخنقه تعمد خطاب التيئيس،  وانتهاج صم الآذان، وسياسة الترهيب، استقرار بني على أنقاض الحقوق المهضومة، ولو أردنا إحصاء المستقرين في وطني لما وسعت الصفحات أعدادهم، فلله ذرك يا وطني، ولله ذرك يا ابن بلدي، سئمك الصبر وما سئمته بعد.
لن تنسى ذاكرة وطن اغتيالا مقصودا لجنين لم ير النور بعد، بل ستبقى ذكراه بصمة سوداء في تاريخ الاستبداد، ووصمة عار يعلو جبين الخونة، ورمز انتفاضة لكل الشرفاء، لا تبكي سيدتي صفاء فعزاؤنا واحد.

طالع أيضا  وقفة احتجاجية للأساتذة المتدربين أمام مقر وزارة التربية الوطنية