الظلم أشكال وألوان، وأفحشه ظلم المستكبر للمستضعف، والحاكم المتغلب للمحكوم، والغني البطر للفقير المعدوم، والمشغل المترف للأجير المحروم، والمتنفذ المغرور لمن لا نفوذ له ولانصير. والظلم كله ممجوج ومرفوض ومدان، لاتقبل به النفوس الكريمة ولاترضاه، لا لها ولا لغيرها، أيا كان هذا الغير، وأيا كان لونه السياسي، او موقعه الاجتماعي، أو توجهه العقدي، أو اختياره الفكري. وحين يمتزج الظلم بصفات أخرى رديئة، مثل الحقد، -والحكرة-، والاستخفاف بذكاء الناس، والاستهانة بقدراتهم، والاستفزاز الوقح لمشاعرهم، فإنه عندئذ يكون أشد مضاضة على نفوس الأحرار من الحسام المهند.

قبل أسابيع أطلق النظام المغربي حملة من الإعفاءات لعشرات من الأطر من مهامهم ينتسبون كلهم لجماعة العدل والإحسان. وقد تم ذلك بطريقة فجائية وفجة، وفي انتهاك صارخ لكل المساطر الإدارية والقانونية المنصوص عليها –يا حسرة- في التشريع المغربي. ولاتزال هذه الحملة المسعورة متواصلة إلى حدود كتابة هذه السطور، ولا ندري متى وأين ستتوقف. والأدهى أن يكون الذين تم إعفاؤهم من الأطر المتميزة المشهود لها بالاستقامة والكفاءة وجودة الأداء، تؤكد كل ذلك الوثائق الصادرة من الإدارات التي ينتسبون إليها، وشهادات التقدير الممنوحة لكثير منهم، فضلا عن الاحترام الذي يحظون به من قبل الزملاء في العمل والجيران في الحي. ذنبهم الوحيد هو أنهم ينتمون لجماعة إسلامية تسمى العدل والإحسان، جماعة يعتبرها النظام المغربي مزعجة وعصية على الانقياد، تعارض نمطه في الحكم، وتنتقد تدبيره الفاشل لشؤون المغاربة، وتغرد خارج سرب المنبطحين والمزورين والمنهزمين الذين استسلموا طمعا أو رهبا لنظام الفساد والاستبداد.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فئة من أبناء وبنات هذا الوطن الذين اختاروا بوعي ومسؤولية الانتساب لجماعة تناهض القهر السياسي وترفع الصوت عاليا بذلك، ولا هي أول محاولة دبرتها أياد آثمة أملا في ترويض العدل والإحسان، أو سعيا لتحجيمها بعد أن تعذر تشتيتها والقضاء عليها، إنما سبقتها حملات عديدة ومحاولات شتى فشلت كلها والحمد لله في تحقيق أهدافها الخبيثة. بل من عجائب صنع الله أنها كانت تأتي دائما بعكس ما خططوا له، وتخرج الجماعة في كل مرة سالمة غانمة مكاسب جليلة جديدة، رغم ما يصيبها من أذى من جراء ذلك، تتحمله وتحتسبه لله عز وجل.

طالع أيضا  العدل والإحسان بزاكورة تصدر بيـانا بمناسبة الذكرى الأولى لحملة الإعفاءات المخزنية

وقد تميزت هذه الحملة الجديدة بل المتجددة على العدل والإحسان بتعاطف واسع من عموم الناس ومختلف الحساسيات النقابية والحقوقية والسياسية والجمعوية، فضلا عن شخصيات بارزة في المجال العلمي والأكاديمي والثقافي، كل قد عبر بطريقته، كتابة أو مشافهة أو مشاركة في تظاهرا ت رمزية، عن تضامنه مع ضحايا هذه الإجراءات الجائرة. فكانت هناك مسيرا ت ضخمة، ووقفات احتجاجية، وأشكال متعددة للتعبير عن الوقوف إلى جانب المعفيين في أكثر من منطقة في هذا البلد العزيز. ونشطت وسائل التواصل الاجتماعي في نقل بعض من هذه المشاهد، وبيانات التضامن، وعبارات التنديد بهذه الممارسات القمعية التي يراد بها بث الرعب والخوف في نفوس الناس حتى لا ينتفضوا ضد الطغيان والفساد الذي أضر بالبلاد والعباد.

المفاجئ أن هذا الموقف المقدر والواسع للتضامن مع المظلوم والتنديد بالظالم، يبدو أنه لم يرق بعض الناس، لا ندري أحسدا أم غيرة أم حقدا استفحل، أم مجرد قصور فهم وسوء تقدير. فقد حاول البعض أن يقدم للحدث تفسيرات أخرى بعيدة عن الواقع والحس السليم، وبعضها موغل في الإغراب واللامنطق وممزوج بغير قليل من الكراهية للضحية لا للجلاد. فمنهم من زعم أن هذه الضجة حول ما سمي بالإعفاءات قد تم تضخيمها بدون داع. فالأمر ببساطة يتعلق، حسب زعمهم، بقرارات إدارية عادية اتخذت من أجل مصلحة الوطن، والادعاء بأن الجهة المستهدفة بهذه الإجراءات هي جماعة العدل والإحسان إنما هو محاولة من هذه الجماعة للظهور بمظهر الضحية وللترويج على أن ما يقع لها إنما بسبب مواقفها المعارضة للنظام المخزني. ولم يبين أصحاب هذا التفسير العجيب كيف خرجت هذه القرارات فجأة ودون سابق إنذار، وسقطت، بغير سوء نية أو سابق إصرار، على رؤوس العشرات من المواطنين الذين ينتمون كلهم للعدل والإحسان.

طالع أيضا  بين العفو والإعفاء في مغرب الاستثناء

وزعم آخرون أن الأمر له علاقة بصراع داخل الجماعة، بين ما يسمى بتيار الصقور وتيار الحمائم. فالأول يتميز بالتصلب في المواقف والوفاء “لأفكار الشيخ المؤسس المتشددة”، بخلاف التيار الثاني الذي يتحلى بالبراكماتية والواقعية والمرونة، ويريد أن يمارس العمل السياسي من خلال المؤسسات القائمة للخروج من العزلة التي تعاني منها الجماعة منذ أكثر من ثلاثة عقود. لكن السلطة لا تريد لهذا التيار أن ينجح في محاولاته هذه، وترى أن دخول عنصر جديد إلى المشهد السياسي المتحكم فيه قد يسبب بعض الإرباك لأصحاب القرار ومهندسي الخارطة السياسية. لذلك فإن السلطة قد اتخذت هذه الإجراءات الفجائية لتعطي للتيار الراديكالي في الجماعة الذريعة ليزداد تصلبا في مواقفه، وتبقى الجماعة بعيدة عن الحلبة، جامدة على خطها الموروث عن الشيخ المؤسس.

ويرى آخر رأيا قريبا من هذا التفسير مؤداه أن السلطة متخوفة من حصول تقارب بين العدالة والتنمية والعدل والإحسان، لاسيما بعد ما ظهرت أصوات، حسب زعمه، عبرت عن إعجابها بتجربة العدالة والتنمية وترغب في اقتفاء أثرها. والظاهر بل المؤكد أن السلطة بهذه الحملة الجائرة تريد أن تعطي سندا قويا للتيار الراديكالي داخل الجماعة المتشدد في مواقفه من النظام الملكي ومن كل أشكال التقارب مع قوى الإصلاح الديمقراطية في البلد. وينصح صاحب هذا الرأي الجماعة بأن لا تسقط في الفخ، وأن تواصل انفتاحها على النظام الملكي والأحزاب الجادة، كما ينبغي لها أن تواصل مراجعة خطها السياسي المغلق. لا يسع المرء إلا أن يشكر من ينصح بصدق حتى وإن اختلفنا معه في التشخيص والتحليل والتقدير جملة وتفصيلا.

لا يتسع هذا المقال وليس مطلوبا أن نستعرض كل الآراء الشاذة والتفاسير الشاردة عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الإعفاءات والتي يعرفها عامة الناس فضلا عن المتابعين للشأن العام للبلد، لكني قبل الختم أريد أن أشير إلى نموذج آخر عجيب من التحاليل، إن صحت تسميته كذلك، موغل في الإغراب أكثر مما سقناها آنفا. يزعم صاحب هذا الرأي أن هذه الأحداث مستغربة وتثير أكثر من علامة استفهام. فما الداعي، يتساءل، الذي حمل النظام على الأمر بهذه الإعفاءات لأطر تنتسب إلى جماعة معروف عنها تاريخيا أنها تعيش على المظلومية وتنتعش بها؟ ثم يضيف بقدر غير قليل من الامتعاض بأن هذا التنظيم، يعني العدل والإحسان، ظل ينتعش ويتقوى من حصار “الشيخ” لسنوات. واسترسل محللنا في حديثه الشيق مسجلا اندهاشه من استهداف تنظيم العدل والإحسان في هذا الوقت “بعد أن طال عليه زمن الركود”. ثم يخلص بأن السلطة قد أساءت التقدير في معركتها ضد هذا التنظيم ولم تدرك بأن هذا الاستهداف “هو بمثابة إحياء جديد له –يعني العدل والإحسان- وتقوية لظهره، ونضحه (كذا) على سطح الحدث بعد أن مسح من أذهان الكثير من الناس.”

طالع أيضا  توزيع الورود على الأستاذات.. سبب "الإقصاء المؤقت" للأستاذ عبد العزيز احنيني!!!

يا لها من سلطة غبية لا تزال تعطي الفرصة تلو الأخرى لتنظيم يعيش، بتعبير صاحبنا، على المظلومية وينتعش بها، وهاهي تحييه من جديد بعد أن كان قد انتهى أو كاد وطواه النسيان. ولو كانت تقرأ لأمثال صاحب هذا الرأي الحصيف، لكانت قد انتهت من “صداع” العدل والإحسان منذ زمان.

أكتب ما شئت، يا صاح، وقل ما شئت، فإن الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، جل وعلا، يعلم المفسد من المصلح، وما أخالك تجهل حكم الله الأزلي بأن العاقبة للتقوى. جعلنا الله وإياك من المتقين.