صدر للدكتور إدريس مقبول، أستاذ التعليم العالي ومدير مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، عن دار أفريقيا الشرق خلال سنة 2016 كتاب بعنوان: “ما وراء السياسية: الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين”. ويعد هذا المؤلف الكتاب الثالث الذي قرأته للباحث الحاصل على الدكتوراه في اللسانيات العامة واللسانيات العربية، والحائز على الجائزة العربية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، بعد كتابي: “المخفي والمعلن في الخطاب الأمريكي” (2007) و“سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين” (2014). ويقع الكتاب في حوالي 440 صفحة موزعة على أربعة فصول بالإضافة إلى مدخل وخاتمة وقائمة المصادر والمراجع؛ وهو -كما يقول عنه مؤلفه- مراكمة على نفس الخط العلمي لكتاب سؤال المعنى من حيث إنه دراسة فلسفية تحاول أن تبحث في النموذج القيمي الذي شيد عليه الإمام رحمة الله عليه فكره السياسي.

في هذا الكتاب، الذي نستعرض في الفقرات الموالية بعضا من أفكاره وقضاياه، يقدم المؤلفُ صاحبَ نظرية المنهاج النبوي الإمام عبد السلام ياسين باعتباره واحدا من الأخلاقيين الكبار الذي بصموا الزمن المعاصر، مؤكدا أنه يصدر في فلسفته السياسية عن الأبعاد الأخلاقية التي أسس لمفاهيمها من نصوص الوحي من قرآن وسنة ومن الخبرة البشرية المتراكمة استنادا لمنهج علمي متميز وفريد مكنه من إنتاج نظرية فلسفية أخلاقية متكاملة وشاملة للفعل الإنساني وضمنه الفعل السياسي. وقد عمل على إبراز تميز نظرية المنهاج النبوي من خلال استدعاء آراء وتصورات عدد من الفلاسفة الكبار والمنظرين المميزين من شتى المدارس والمنطلقات الفكرية؛ تارة وهو يستعرض نقد الإمام لما أثله هؤلاء من مفاهيم فلسفية تغافلت عن معاني الوحي وحقيقة الإنسان، وتارة أخرى وهو يظهر جوانب من توافق نظرية المنهاج مع الفكر الإنساني في تراكمه التاريخي.

ومن خلال قراءتها لهذا النص المتميز في منهجيته كما في تناوله، يمكن أن نتحدث عن إعادة توزيع لفصول الكتاب السبعة على ثلاثة أقسام أو لنقل لبنات معرفية، سعى من خلالها المؤلف لإبراز فرادة المشروع الفكري للإمام عبد السلام ياسين في معالجته لواقع ومستقبل الأمة من خلال نظرية المنهاج النبوي. ففي الفصلين الأول والثاني عمل المؤلف على تقديم الإطار المنهجي الموجه لاشتغال الإمام ياسين في بنائه لنظريته المنهاجية عموما ولنظريته في الفعل السياسي بشكل خاص حيث عمل على بيان تصور الإمام لماهية السياسة وشروط بناء تصور متكامل عنها ومسلكه في الإفادة من المصادر التي اعتمدها في التنظير السياسي، لينتقل بعد ذلك للاشتغال على الأصول النظرية والعملية لفلسفته السياسية مبينا طريقة ومنهج الإمام في البناء على هذه الأصول في إنتاج فلسفة سياسية ذات بعد أخلاقي.

وفي الفصل الثالث، سعى المؤلف لتعبيد الطريق أمام قارئه لاستيعاب وتأطير الأبعاد الأخلاقية للفلسفة السياسية والاقتناع بطروحاتها من خلال استعراض نقد الإمام للفلسفات السياسية على الساحة الفكرية في المجالين الإسلامي والغربي. وأعتقد أن هذا الفصل، بما تضمنه من بيان يعد -في جانب منه- استكمالا للتأسيس المنهجي الذي نهض به الفصلان الأولان غير أنه يتميز عنها من حيث إنه يدخل في مناقشات مع فلسفات سياسية بنزعاتها المتعددة والمخلة في الوقت ذاته، وهو ما يعني استدعاء عدد من مفاهيم النظرية المنهاجية وصياغة للمنظورات والأفكار؛ وبذلك استحق هذا الفصل أن يصنف ضمن قسم أو لبنة معرفية وسيطة بين ما سبقه وما سيليه لكنها “مستقلة” نسبيا.

أما الفصول الرابع والخامس والسادس وإلى حد ما السابع فيمكن تصنيفها ضمن قسم واحد من حيث إنها استعراض للمفاهيم المركزية المؤطرة للنظرية السياسية المنهاجية؛ ففي الفصل الرابع، كنا إزاء تقديم تصور الإمام للفاعلية السياسية على مستويي المجتمع والسلطة من خلال مفهومين مركزيين هما على التوالي: الشورى والنصيحة، وقد تعرض-في سياق تحليلهما- لمجموعة من المفاهيم الأخلاقية أهمها: المسؤولية والحرية والأمانة والكرامة الإنسانية ومبدأ الكسب. وفي الفصل الخامس تناول فلسفة التغيير لدى الإمام ياسين باعتبارها وظيفة وغاية الفعل السياسي من خلال مفهومين مركزيين هما مفهوم اقتحام العقبة ومفهوم الإرادة وما يرتبط بهما من مفاهيم ذات دلالات أخلاقية لا سيما مفاهيم: المسؤولية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقومة علاوة على مفهوم الأمة. وفي الفصل السادس توقف المؤلف، بعمق وتفصيل، عند مسألة الحكم في نظرية المنهاج النبوي مبينا الأبعاد القيمية والأخلاقية لمفهوم دولة القرآن لدى الإمام ومتتبعا التأسيس الأخلاقي لديه لقضايا الحكم من تعددية ومواطنة وحريات وحقوق وفصل للسلطات دون أن يغفل عن معالجة الإشكال المرتبط في الأذهان باختزال الشريعة في تطبيق الحدود والشق الجنائي للشريعة؛ ومن أهم المفاهيم التي توقف عندها المؤلف في هذا الفصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الرحمة والتوبة علاوة على فكرة الميثاق.

 ويختم الكاتب عمله القيم بمعالجة الفعل السياسي في بعده الدولي من خلال المشترك الإنساني. وفي اعتقادي فإن هذا الفصل رغم تميز القضية التي عالجها إلا أنه يصلح أن يكون استجماعا لروح ما سبقه من فصول وتأكيدا على الحاجة إلى تأسيس الفعل السياسي على المستوى الدولي كما على المستوى المحلي (الوطني) على أخلاقية كوكبية مستمدة من القرآن الكريم، وعلى مركزية الرهان على المدخل التربوي في الفكر السياسي للإمام عبد السلام ياسين، وهو ما عبر عنه الكاتب بحتمية التغيير الأنفسي.                 

أولا: منهج الإمام ياسين في بحث المسألة السياسية:

1-     ما وراء المنهج: مركزية المسؤولية في فكر الإمام:

انطلق المؤلف في مستهل مؤلفه من التسليم بالطابع الأخلاقي لمعالجات الإمام عبد السلام ياسين. وقد مهد لكشف البعد الأخلاقي للفكر السياسي للإمام من خلال التأكيد على ثلاثة منطلقات أساسية تسم منهج الإمام في البحث والتأمل في السياسة والتأسيس لمقولاته في شأنها؛ فالإمام ينظر في السياسة باعتبارها ممارسة مسؤولة لتدبير النفس والمنزل والعمران في رحلة الإنسان الموقوتة إلى الآخرة، وهو ما يعطي المركزية لمفهوم المسؤولية في الفكر السياسي المنهاجي كما أنه في تأسيسه للنموذج المعرفي يشدد على مركزية الإنسان علاوة على اعتنائه وتهممه بسؤال المعنى تهمما مستمرا حد الاستغراق.  

وهكذا، وانطلاقا من مفهوم المسؤولية القرين لمفهوم الحرية والمقوم له، يخلص المؤلف إلى تمييز الإمام بين معايير سياسية مادية محكومة بالقانون الطبيعي وأخرى روحية محكومة بالقانون الأخلاقي، ليؤكد بعد ذلك أنه إذا كانت الحداثة السياسية في التصور الغربي تشدد على مركزية الإنسان الفرد وحاكمية العقل فإن الإمام ياسين يشدد على أن الحداثة السياسية الحقة ينبغي أن تنبني على اتصال أخلاق العقل بأخلاق الإيمان بما يراعي تناسب العلاقة بين أضلاع المثلث (الله/ الكون/ الإنسان).

أما فيما يتصل بسؤال المعنى في علاقته بالسياسة، فقد أظهر المؤلف أن الإمام لا يرى أية قيمة إنسانية للسياسة ما لم يكن لها معنى، وأنه في غياب هذا المعنى لا شك ستقع في السيولة والتلاشي، وأنه لا سبيل لأن تكتسب السياسة معنى في تغييبها للمطلق. ولعله من المفيد هنا أن نشير إلى أن المعنى الذي ينبغي أن تحفظه السياسة هنا ليس شيئا آخر غير حق الإنسان في معرفة خالقه ومآله بعد الموت، وحقه في التحرر من كل ما يمنعه من ذلك. وفي تناوله لهيمنة سؤال المعنى في التفكير السياسي للإمام، توقف المؤلف عند أهمية الحرية والتعايش ضمن النسق النظري لنظرية المنهاج النبوي باعتبارهما مطلبين مركزيين يقترنان بالمسؤولية مع ما يستبع ذلك من أهمية التربية على الحرية ونقض للتصور القعودي للزهد لصالح التصور الجهادي لزهد الصحابة مقررا أن هدف الرسالة المحمدية هو تحرير الإنسان من الداخل قبل تحرير الوجود الخارجي، وأنه لا حرية لا مع الاستتباع، ولا مع التقليد، ولا مع الاستغراق في عالم الأشياء. ومن هنا مركزية التربية في الفكر المنهاجي.

وتأسيسا على هذه المنطلقات المؤسسة، ينتقل المؤلف في الشق الثاني من الفصل لبيان شمولية الرؤية المنهاجية ومقوماتها، ويتعلق الأمر بثلاثة مقومات أساسية هي: الجمع بين مقتضيات مبدأي العدل والإحسان، رفض اختزال مشروع التغيير في بناء الدولة والدفع به إلى معانقة هموم الإنسان في كل مكان كمهمة للدعوة، والمسؤولية باعتبارها مفهوما يتجاوز الأبعاد المادية ليرتكز على الإرادة في كل عمليات التغيير. وهنا، توقف المؤلف عند مركزية المسؤولية الذاتية، إذ المنهاج لا يقوم كما لا يؤمن بالموضوعية والحيادية بل بمسؤولية الذات.

وقد بنى المؤلف على أساس هذه المقومات تميز الرؤية المنهاجية من خلال التأكيد على ثلاثة سمات مميزة للنظر المنهاجي في المجال السياسي. والحديث هنا أولا عن الشرط المقاصدي عبر الانتقال المنهجي من الصيغة الحفظية لمقاصد الشريعة إلى الصيغة المطلبية صار بموجبها مطلوبا من الفعل السياسي العمل على تحقيق مقاصد الشريعة باعتبارها مطالب وجب تحصيلها قبل الحفاظ عليها من خلال معالجة لقضايا الأمة بمنظور جماعي، وثانيا عن الشرط التحريري؛ وهو شرط يتأسس على مفهوم اقتحام العقبة القرآني يميز بموجبه الإمام بين مسار الترقي الإيماني الإحساني أو ما يسميه المؤلف بالاقتحام الفردي، ومسار الترقي في بناء الأمة وإعادة عزها ومجدها وهو ما يطلق عليه المؤلف الاقتحام السياسي. ولا بأس أن نشير هنا إلى ثلاثة امتدادات لمفهوم اقتحام العقبة توقف عندها المؤلف بنوع من التدقيق يحتاج رجوعا إلى الكتاب؛ وهي: المسؤولية الفردية في دار الابتلاء وشرطها التناقض والتدافع والسببية، وشمولية الرؤية التحريرية لكل المراقي والقطاعات الإنسانية وفي مقدمتها المرأة، واتصال الفردي بالجماعي في سياق التحرير المطلوب وجوديا وارتباطهما السببي.

 أما الشرط الثالث فهو البعد التدافعي السلمي؛ وفيه أشار المؤلف إلى رفض الإمام تأسيس تصوره للتغيير على العنف بين مكونات الفعل السياسي سواء فيما بين المسلمين أو فيما بينهم وبين غيرهم. وفي هذا السياق، يأتي استدعاء مفهوم القومة بما يحمله من أصالة يرتبط فيها البعد التدافعي مجسدا في رفض الظلم بالبعد الأخلاقي القيمي الذي يصل سلمية القومة بإقامة الصلاة باعتبارها إقامة أخلاقية تجسد المدخل المعرفي الوجودي لكل بناء وتغيير.

2-     مركزية القرآن والسنة في التنظير السياسي المنهاجي:

ينطلق المؤلف في تناوله لمصادر التنظير السياسي في فكر الإمام من كون السياسة لديه مجالا للاجتهاد والتنظير والبحث يرتبط بالعبرة كبعد نفسي يتيح الخروج من التاريخ من جهة، وبالخبرة كبعد عملي يتيح المرور إلى المستقبل بأمان من جهة ثانية. ويؤكد أن هذا التنظير غير منفصل عند الإمام عن أصول وقواعد كبرى بمثابة قيم حافظة عن التيه ومساكنَة الاستبداد، وتنفي عن الدين الإسلامي طابع التخدير كما أنه تنظير يستحضر الطابع الإرادي العملي للفعل السياسي على اعتبار أن مسألة واقع المسلمين هي مسألة عملية؛ وبالتالي فإن التحدي هو تحدي اختبار مثاليات الإسلام في الواقع مما يعني أن القوة والنجاعة في التنظير السياسي لا تتوقف على بنيته الداخلية بل على قدرته على الاستمداد من السياق الاجتماعي والسياسي.  

وبعد ذلك، حدد المؤلف ثلاثة مصادر للتنظير السياسي عند الإمام كما يلي:

1-       القرآن الكريم كمصدر لتأسيس وتأثيل المفاهيم؛ وهنا توقف المؤلف عند البعد الإيماني للمفاهيم القرآنية وما يعنيه توظيف المصلح القرآني من تأسيس للمفاهيم السياسية على أرضية الوحي تأسيسا مقرونا باجتهاد متبصر بالواقع. وقد تحدث عن قواعد الإمام في تأثيل المفاهيم من القرآن الكريم مشيرا لاعتبار علوية الخطاب الرباني وتعاليه عن مرتبة الكلام، والتتبع الدقيق للمفاهيم القرآنية بهدف استخراج أوسع الدلالات التي تغطي تعدد مفردات الواقع، والاستهداء بالمراقي الثلاث للقراءة (الحرف، الحكم، والنور أو التزكية).

طالع أيضا  المُخالقة الحسنة

2-       السنة النبوية باعتبارها مصدرا للاستشراف والتحليل. وقد أسس هذه الوظيفة التأصيلية للسنة النبوية على ما توفره من غنى قيمي علاوة على ما توفره من منظار معرفي وطابعها النموذجي حيث تعطي باجتماعها إلى القرآن الكريم زاوية النظر لفهم الأحداث.

3-       الخبرة التاريخية كمصدر للاعتبار والتأويل؛ والاعتبار هنا يفيد الاشتغال الداخلي المستمر المسدد الذي لا يتوقف، أما التأويل فيعني اعتبار التاريخ مساحة تأويلية لا نهاية لدروسها تتطلب النظر الشمولي.

3-      أصول الفلسفة السياسية المنهاجية وطبيعة الفعل السياسي:

يميز المؤلف ضمن أصول الفلسفة السياسية في فكر الإمام ياسين بين النظرية منها والعملية؛ فالأصول النظرية ثلاثة أولها: وصل السياسة بالدين على المستوى القيمي من خلال تلازم الدعوة والدولة مع التمييز بينهما على مستوى مصدر المشروعية؛ وقد أسس لهذا الأصل من النظر إلى السياسة كفعل تثوير لا فعل إثارة. وبالتالي فإنها لا تنفك عن الدين من حيث هو قيم ضابطة وموجهة للحياة العملية، ومن حيث إنه لا يقف عند الاعتقادي بل إن له وجها عمليا تطبيقيا في الحياة ثم من حيث إن السياسة في تصور الإمام فعل بنائي من أجل التغيير.[1] وهذا الوصل التوجيهي لا يغني عند الإمام عن التمييز بينهما على عدة مستويات على رأسها أن السياسة ليست مسألة اعتقادية صرفه كما هي عند أصحاب نظرية الإمامة الشيعية وإنما تستمد شرعيتها من سلطان الجماعة عبر الانتخاب وليس من أية حيثية دينية اعتقادية.

والأصل الثاني هو اعتبار السياسة تدبيرا للمصالح تحكمه الأخلاق الإيمانية؛ ومفاد هذا الأصل أن السياسة عند الإمام لا تدخل في جملة أصول الدين بل هي ضمن باب المصالح المرسلة التي يحكمها اشتغال العقل المسلم الذي يستمد اجتهاده من قيم الكتاب المسطور. وفي هذا السياق، يتحدث المؤلف عن ربط التفكير السياسي المنهاجي بين مفهوم السياسة كما يجب أن تكون ومفهوم الأخلاق بحيث إن المصلحة لديه منضبطة بضابط الاستقامة والفائدة والشمول حتى تخلص الإنسان من اتباع الهوى.[2]

 ويتجلى ثالث الأصول النظرية في المراوحة بالسياسة بين العقلي والشرعي، أي بين مبدئية الحق والباطل من جهة ومبدئية الخطأ والصواب من جهة أخرى. ففي سياق مبدئة الخطأ والصواب نتحدث عن السياسة باعتبارها فعلا بشريا يستنير بالعقل المشترك، يستفيد من التجارب والخبرات، ويستدعي المراقبة البشرية السياسية عبر الاحتكام لمنطق المصالح؛ أما في سياق مبدئية الحق والباطل أي رعاية المقاصد الشرعية والقيم الإيمانية، فإننا نكون إزاء الرقابة الشرعية للعلماء.

أما الأصول العملية للفلسفة السياسية فهي أيضا ثلاثة؛ أولها: اعتبار السياسة فعلا يتعدى من النص إلى الواقع من خلال مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك على أساس أن الأمر بالعروف والنهي عن المنكر هي في المحصلة مجموعة أعمال تدخل في الإيمان دخولا اندماجيا من خلال مفهوم النصيحة كقضية إيمانية تدل على درجة إيمان الجماعة. وهنا لا يفوتنا استحضار الكاتب لتأكيد الإمام على اقتران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرحمة حتى لا يستحل عنفا ينسف الركن البنائي للتغيير. وثانيها ارتباط السياسة بالتربية ارتباطا جدليا؛ وهكذا، فإذا كانت وظيفة الدعوة هي تدبير النفس من خلال التربية فإن وظيفة الدولة هي تدبير الجماعة من خلال السياسة. ومن هنا يؤكد الإمام -حسب استقراء المؤلف- أنه لا قيام للسياسة ولا نجاح لنموذج العمران الأخوي بدون تربية كما أنه لا تربية بلا سياسة ما دامت التربية تقويما للنفوس تحتاج إلى قوة القانون وزجره. أما الأصل العملي الثالث فهو اعتبار السياسة على المستوى العملي فعلا بنائيا؛ ويؤسس الإمام لهذا الأصل من خلال مفهوم البر بحيث تصير السياسة عملا على تنظيم البر الإحساني عبر ربط الدقة والتنظيم كميزتين ضروريتين للفعل السياسي بالأمانة كقيمة خلقية إيمانية تحفظ البناء والفعل السياسيين من الداخل كما تحفظهما الميزتان السابقتان من الخارج.

وعلى ضوء هذه الأصول، عمل المؤلف في ختام الفصل على مقاربة مفهوم الخلافة في الفكر المنهاجي مبينا أن التطلع لنظام الخلافة عند الإمام هو تطلع لنوع من العالمية الإسلامية الثانية، وأن أصل هذه الفكرة هو بشارة نبوية مركوزة في وجدانه تجسد الخروج من زمن نفسي روحي[3] إلى زمن نفسي روحي مختلف، وهي بذلك تعبر عن تصور يرتبط بكيان الأمة بعد اجتماع كلمتها وحصول الوعي التوحيدي لديها واستعادتها لإرادتها. إنها تطلع إلى الوحدة الإسلامية، وهي بمثابة تصور لنهاية التاريخ الإسلامي الذي لا يلغي وجود سياقات تاريخية أخرى موازية. وهي نظرة لا يقصد من ورائها الإمام فرض النموذج الوحدوي على الأمة أو على باقي العالم بل إنها وحدة ينبغي تأسيسها على وعي وحدوي ينمو في الأمة إثر مسلسل من التحرر القطري. الخلافة -بالنسبة للإمام- هي حلم يقيني يراود الأمة، وينبغي أن يكون ملهما لها في سيرها التاريخي علما أن الخيال السياسي للعديد من الفلاسفة هو الذي كان ولا زال يحكم توجهات الإرادة والفكر معا في العالم المعاصر رغم ما يطبع تصوراتهم من طوباوية.

ويقترن الطابع الوحدوي للخلافة في فكر الإمام مع نفي بل نقد الطابع الشمولي الذي يطبع الأنظمة المركزية حيث إنه يشدد أن الطابع الوحدوي لا يستدعي بالضرورة تحكم المركز واستئثاره بتدبير الفعل السياسي بل إن الإمام يستدعي في هذا السياق الخبرة البشرية لدفع الشمولية المركزية. ويتوجه انتقاد الإمام للطابع الشمولي والمركزي للدولة إلى اختزاله لمساحة الإنسان وتضييقه على حريته، وهو الأمر الذي من شأنه نقض جوهر الخلافة على منهاج النبوة القائمة على اقتران الحرية بالمسؤولية.

ثانيا: النقد المنهاجي للفكر السياسي

خصص المؤلف الفصل الثالث من كتابه لاستعراض نقد الإمام للفلسفات السياسية في السياقين الغربي والإسلامي. ويأتي استعراض النقد حسب فهمنا استكمالا للإطار المنهجي المؤسس للفلسفة السياسية عند الإمام. ويمكن تلخيص النقد المنهاجي للفلسفة السياسية الإسلامية كما تناوله المؤلف في خمسة انتقادات كما يلي:

1.    رفض النزعة التجزيئية، وهي نزعة قوامها فصل الفساد الذي لحق المجال السياسي عن الفساد في الدين فيما يشبه علمنة مبكرة للإسلام من جهة، وتبرير الانحراف السياسي باعتباره ضرورة من جهة ثانية. ولعل من أهم المفاهيم التي بلورتها هذه النزعة دون أن يكون لها أصل شرعي مفهوم أهل الحل والعقد الذي تم توظيفه للالتفاف على سيادة الأمة.

2.    رفض النزعة الواقعية البرغماتية القائمة على توهم الحفاظ على بيضة الإسلام استنادا لمقولة أن الجسم المريض خير من الجسم الممزق.  وينصب نقد الإمام لهذه النزعة على اعتلال منطلقاتها وفساد مخرجاتها حيث إنها قد بنت على هذا الفهم تبريرا للواقع وللتسلط استنادا لخوف متوهم أنتج استقالة فكرية عن مسؤولية العلاج.

3.    رفض منطق الاجتزاء وفتوى الاستيلاء اللذين تأسست عليهما النزعة التبريرية؛ ويرى الإمام أن هذه النزعة تتوهم تحقق الإصلاح بمجرد الحفاظ على المظاهر والأشكال. ويتوجه نقد الإمام لهذه النزعة إلى إخلالها بمبدأ البيان الكامل الذي يقتضي بيان جوهرية المضمون الشوري القيمي للحكم الإسلامي.

4.    يتوجه نقد الإمام للنزعة العصبية المبنية على ولاية العهد إلى افتقارها للشرعية الدينية بفعل قيامها على اغتصاب حق الأمة في السيادة وإخلالها بمبدأ المساواة الذي يشكل أحد مقومات الكرامة الإنسانية والمسؤولية؛ وفي إطار هذا النقد، يؤكد الإمام أن أفظع جنايات هذا النزعة يكمن في إحلالها مبدأ التوريث محل مبدأ الاختيار، واستعاضتها عن الحرية بالتغلب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الأغراض والشهوات. ويستوي في هذا “العصبويون” من السنة والشيعة.

5.    يسلم الإمام بالشرعية الدينية لفكرة المهدي المنتظر لكنه في مقابل ذلك يشدد على أن لحظة المهدي المنتظر ينبغي فهمها باعتبارها لحظة تتويج لمسار جهادي للأمة. ومن هنا فإن نقد الإمام لفكرة الانتظار مرده إلى إخلالها بمبدأ العمل ومسؤولية الأمة أفرادا وجماعات في بناء مستقبل الإسلام.

أما بشأن النقد المنهاجي للفلسفة السياسية الغربية، فإن خلاصة قراءتنا لما أورده المؤلف يمكن إيرادها كما يلي:

1.    تأسيس النقد المنهاجي للنزعة الماركسية على أمرين إثنين؛ أولهما: ارتكاز التجربة الماركسية نظريا وعمليا على مركزية الدولة وتغولها على المجتمع، وبالتالي إلغاؤها لحرية الإنسان لصالح تأليه الدولة كأداة للسيطرة، وثانيهما: قيامها عمليا على إلغاء عقل الإنسان وتحويله عبدا لأسطورة نموذج القائد الملهم والواحدية في الفكرة.

2.    تأسيس النقد المنهاجي للبعد الفلسفي للنزعة اللبرالية على البعد القيمي الذي تتحول بموجبه اللبرالية إلى نوع من الفردانية المتوحشة التي لا تهتم إلا بمراكمة الأرباح وتشجيع الاستهلاك، وما ينتج عن ذلك من توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء من جهة، ومن تدمير للبيئة من جهة ثانية.

3.    تأسيس النقد المنهاجي للبعد الأداتي للنزعة اللبرالية على الطابع المصلحي للانتخابات في التجربة الغربية التي أصبحت سوقا للمزايدات العلنية التي يهيمن عليها أصحاب المصلحة، وهو ما يؤكد في نظر الإمام حاجتها إلى حاكم قيمي أعلى.

4.    تأسيس النقد المنهاجي للنزعة الديمقراطية على أساسها الفلسفي الذي يجعل اللائيكية لازمة لها، وهو ما من شأنه أن يسبب انفصاما وجوديا للمسلم بين الدولة والدين. ومع ذلك فإن المؤلف قد بين بما يكفي أن الإمام لا يرفض الديمقراطية في جوانب منها لا سيما ميزتها القانونية التنظيمية. 

5.    تأسيس النقد المنهاجي للنزعة البيروقراطية على قيامها على خنق المبادرة؛ فرغم إيمان الإمام بأهمية التنظيم في تحقيق بعض الفعالية في الأداء إلا أنه يعيب عليها خنقها للمبادرة الإنسانية. ومن هنا فإن رفضه لها يرجع لتعارض فلسفة التغيير التي يتبناها والقائمة على التثوير والمشاركة وتقاسم مهمات البناء (الإرادية والتطوع) مع فكرة الانضباط الحديدي للأنظمة القانونية؛ وهو ما سيفضي في النهاية إلى تحول الفاعل البيروقراطي إلى الحاكم الفعلي في الواقع السياسي.

6.    تأسيس النقد المنهاجي للنزعة النازية والفاشية على قيامها على أساس عنصري؛ وينصب نقد الإمام لهذا الأساس على رجوعه لآفتين نفسيتين أضحتا سمة السلوك السياسي في ظل هذه النزعة وهما: الميكانيكية القائمة على الانضباط لإملاءات وسلطة الدعاية المتألهة، والذهانية التي تجعل الجميع مشاركين في القتال.

ثالثا: الفكر السياسي المنهاجي والمركزية الأخلاقية:

1-      الفاعلية السياسية ومركزية الشورى والنصيحة:

في الفصل الرابع من الكتاب، تناول الباحث الفاعلية السياسية في الفكر المنهاجي على مستويين اثنين: مستوى المجتمع من خلال مفهوم الشورى، ومستوى السلطة من خلال مفهوم النصيحة؛ وذلك تأسيسا منه على ارتباط الشورى بالمجتمع منبعا للقيم الكلية للمجتمع، وارتباط المناصحة بالسلطة وممارستها تقويما مستمرا ضمن الإطار الكلي الذي ترسمه الشورى على مستوى المجتمع.

طالع أيضا  المُخالقة الحسنة

ولا تتحدد فاعلية الشورى في بعدها الأداتي في تدبير الخلاف وإنما في كونها سلوكا يعكس حرية التعبير والنقد. ومن هنا فإن فاعلية المجتمع تستند إلى كفايات إيمانية تنسج التفاعل الإيجابي بين عناصر المجتمع من جهة وبين الإنسان والغيب باعتباره مصدر الهداية لهذا الإنسان من جهة ثانية؛ وبهذا تتجلى أهمية السياق الإيماني في تقويم الغيب للعقل أو ما يمكن أن نعبر عنه بحاكمية الغيبي (الوحي) بما هو قيم وأخلاق على العقل بما هو أداة صماء لا تمتلك الفاعلية في ذاتها. وفي تحليله للشورى على مستوى المؤسسة، ركز الباحث على التأطير الأخلاقي لمؤسسة الشورى باعتبارها إطارا للتواصل الأخلاقي المجتمعي والجماعي لا ينبغي أن تتحول معه السياسة إلى كلام بلا نهاية، بل إن نهاية الشورى عمل وتجاوز ومعرفة مندمجة غايتها التحرر من قبضة الارتخاء والسكون والدوران.

ويؤكد المؤلف من خلال استدلالات عدة من كتابات الإمام أن إلزامية الشورى في الفكر المنهاجي هي العمود الفقري الذي من خلاله يمكن فهم جزء كبير من مشروعه السياسي الذي ينبني على إعادة البناء على أساس أول عروة انتقضت من الدين وهي عروة الحكم، أي سيادة الأمة وشرعية النظام. وعلى هذا الأساس فإن الشورى الملزمة تعتبر أعلى سلطة مؤسسية وأخلاقية لما تجسده من رأي الكل أي رأي الأمة في تنوعها،[4] وإقامتها تدخل في دائرة عزائم الأحكام.

وإذا كانت فاعلية المجتمع السياسية تتأسس على مركزية الشورى كقيمة مجتمعية فإن فاعلية السلطة تقوم على مركزية المناصحة بما تستبطنه من قيم المشاركة وتعدية الخير للأخرين. وتأسيسا على البعد الأخلاقي للمناصحة، يجري التشديد في الفكر المنهاجي على أربعة شروط للمناصحة: اثنان في الناصح وهما: الإخلاص والصدق، والآخران يتعلقان بالمنصوح وهما: التواضع والتوبة بما هي إعلان للإصلاح واشتغال على تجاوز القصور والعيوب. والنصيحة في إطار هذا الفهم، هي الإبلاغ والبيان المؤسس علميا ومعرفيا على شرطين أولهما: الأمانة بما هي قيمة تزيد المناصحة تحصينا وعمقا وأهمية وتحتاج إلى قدر كبير من الحرية، وثانيهما: المسؤولية المؤسسة على الوعي بمبدأ الكسب الذي يضاد مبدأ الجبر (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)، وهي مسؤولية عامة لكيان الأمة وشاملة له بحيث لا يختص بها فرد دون فرد.

واستكمالا لبيان الأبعاد الأخلاقية للفاعلية السياسية عند الإمام، عمل المؤلف في المبحث الثالث من هذا الفصل على بيان كيف عالج الفكر المنهاجي جملة من القضايا التي يثيرها عادة مبحث الفاعلية السياسية في النقاش السياسي. ومن ذلك تأسيس المواطنة على شرط الحرية إذ في غياب الحرية تغيب مسؤولية الإنسان ويتحول المواطن إلى مواطن رعية؛ غير أن الحرية كحق مرتبطة في تصور الإمام -يؤكد الباحث- بالمسؤولية كواجب.[5] وتختلف الحرية كحق من حقوق المواطنة في المنظور الإسلامي عنها في المنظور الغربي؛ ذلك أنها لا تستلزم إسقاط لا حقوق الله ولا حقوق الوالدين ولا حقوق الإنسانية، بل إنها لا تنفصل عن المسؤولية في رعاية هذه الحقوق بخلاف المنظور الغربي الذي يقدس الفردانية ولا يرفع فوقها أية قيمة أخرى.

وفي معالجته لقضية المساواة ضمن حقوق المواطنة، أكد المؤلف أن المساواة بين المواطنين في تصور الإمام مؤسسة على أصل التوحيد الذي يعتبر الناس كلهم خلق الله وعبيده، وبالتالي وجب على الدولة الإسلامية اعتبار هذه المساواة من جوانب عدة أهما التربية والفرص والظروف. وفي مقابل هذا الحق يتوجب على المواطنين الإخلاص لوطنهم والإسهام في بنائه والمسارعة للنضال والذود عنه. والوطن من هذا الوجه أمانة في عنق الجميع ولا تجوز خيانتها.       

وقد بين المؤلف في هذا المبحث أيضا ارتباط تحقيق النموذجية الإسلامية في الفكر المنهاجي بتحقيق الكرامة الإنسانية. فقضية الكرامة في نظرية المنهاج النبوي هي قضية كلية تستمد قدسيتها من أصلها الاشتقاقي من اسم الكريم من أسماء الله. وعليه، فهي مزية لا يجب امتهانها لأن في امتهانها تعديا على حقوق السماء قبل حقوق الأرض، والله وحده المخول بنزعها عن الإنسان حين يمعن في المخالفات حتى يقع من عين العناية الربانية. ولعل من دلالات التوحيد في ارتباطه بحفظ الكرامة الإنسانية رفض كافة أشكال الطغيان البشري وما يتولد عنه من استهتار بالكرامة الإنسانية. ولم يفت المؤلف أن يختم بيانه لهذه القضية بالتأكيد على أن حب الوطن في فكر الإمام هو تبع ونتيجة لتحقق الكرامة الإنسانية للمواطنين.

إلى جانب المتلازمات السابقة، توقف المؤلف عند تشديد الإمام ياسين على اقتران التنمية بما هي تحقيق للعدل والتوازن -وهي من مسؤوليات الدولة بالدرجة الأولى- من جهة بالالتزام بما هو طاعة واجبة أخلاقيا على المواطن تجاه الدولة الإسلامية فيما لا يصادم المبادئ والقيم العليا للمجتمع وفيما يسهم في تحقيق حقوق الغير من جهة ثانية. وهذا الاقتران هو اقتران توليد، بمعنى أن تحقيق التنمية هو الذي يولد الالتزام على اعتبار أن الشعور بالواجب ليس إلا ثمرة للشعور بشرف الانتماء إلى الجماعة والأمة والوطن.

وفي ربط فريد وغير مسبوق يظهر البعد الأخلاقي أو لنقل المركزية الأخلاقية في تصور الإمام للمواطنة في الدولة الإسلامية، توقف المؤلف عند اقتران المواطنة في الفكر المنهاجي بالتقوى. فالمواطنة هي في التحقيق تخلق وتحقق له حد أدنى في سلم المروءات لا ينزل عنها والتقوى تدين. وبهذا الربط يصبح التدين أشكالا خالية من المعنى إذا لم يقترن بالتخلق. وعليه، فالتقوى ليست عبادات شكلية وإنما هي توجه وسعي لمصادر الخير بالأحاسيس والأفكار والتصرفات، فالخلق الحسن معيار أعطاه رسول الله لهذه الأمة وأوصى به، وألح في الوصية كيلا يظن المسلمون أن الله يقبل تدينا رهبانيا سماويا حتى يكون تعاملنا مع الناس في الأرض مقوما بقيم أهل الأرض.

2-     فلسفة التغيير المنهاجي ومركزية التربية:

ينطلق المؤلف من مسلمة أساسية في الفكر المنهاجي وهي ارتباط أو لنقل اتصال فكرة أو نظرية التغيير عند الإمام في جذورها بفكرة اكتشاف المنهاج، وهو اتصال مرده لكون هذا الاكتشاف هو الجواب التاريخي عن الصعود الثاني للحضارة الإسلامية الراشدة أو بناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة. وتأسيسا على هذه المقدمة، توقف المؤلف عند معالم نظرية التغيير المنهاجي حيث أكد على ارتباط تغيير الواقع (الوجود الخارجي) بتغيير ما بالأنفس (الذاتية النفسية) تأسيسا على البيان القرآني للتغيير وعلى مركزية مفهومي اقتحام العقبة والإرادة. وهذا الارتباط هو ارتباط تراتبي وتكاملي في الوقت ذاته فتغيير ما بالنفس من أخلاق وقيم مقدمة سابقة ولازمة لتغيير العالم. وفي هذا السياق، يندرج تحذير الإمام مما أسماه بالعلمنة المتخفية حين يركز الإسلاميون في تصورهم للتغيير على تغيير نظم الحكم دون الاهتمام بالنفس تربية وتزكية. ومع ذلك، فإن هذه التراتبية لا تعني الاشتغال الواحدي الاتجاه والانتظاري، بل إن الإمام يشدد على تلازم وتكامل التربية الإحسانية والتربية العدلية تكاملا متوازنا ومنسجما.

وقد أكد المؤلف أن التغيير في فكر الإمام  يتوقف على معرفة الذات بالرجوع إلى مقوماتها الحضارية كما يجسدها المنهاج النبوي باعتبارها المدخل للتغيير والإقلاع في مواجهة دعوات الانسلاخ والإلحاق كما أنه يتطلب المعرفة الحقة بالواقع ووجود طليعة وقيادة نوعية تكون إلى جانبها قاعدة عددية مؤمنة؛ ذلك أن التغيير في النظرية المنهاجية هو حركة جماعية واعية يحركها الإيمان الحي والغضب على الظلم، وهي حركة ذات هوية خاصة روحها الإيمان بالله ورسوله، وغايتها الانتقال بالناس أفراد وجماعة من دين الانقياد بما يشكله من كبح للإرادة إلى دين التحرر بما هو دين الله. وضمن هذا السياق، يفهم ما أورده المؤلف من مراهنة الإمام على فعالية الانتماء للكتلة الفاعلة أو الجماعة الحية والمقاومة الفردية، وتأكيده على مبدئية مقاومة الظلم والاستبداد والخروج على الطغيان، وضابطية السلمية إلى جانب التدرج الواعي بعيدا عن التبسيط المفضي لحالة الاستغراق السلبي غير المسؤول وبعيدا عن مقولات العنف الثوري والزامات المكيافيلية التي تضحي بالوسيلة من أجل الغاية.

وفي بسطه لمقومات نظرية التغيير عند الإمام، عالج المؤلف مسألة المسلك أو منهج التغيير من خلال ما أصطلح عليه بقانون التغيير المتعدد الخطوط الذي تجسده الخصال العشر مشددا على المزاوجة بين ترقب الأفق البعيد كضرورة يستدعيها فقه السياقات، ومنطق التدرج واقتحام معاقل الكفر والاستبداد كواجب. وهنا، تتطرق للتعارض بين فلسفة الطاعة وفلسفة الاستطاعة موظفا التحليل المنهاجي لتأثيرات تداخلهما على العقل المسلم. ويجدر بنا أن نشير هنا -مع المؤلف- إلى أن فهم منطلق الاستطاعة عند الإمام لا ينفصل عن فهمه لمنطلق التدافع والاجتهاد المؤسس على اعتبار الاستبداد ضررا ينبغي أن يزال؛ وعليه، فان مفهوم الاستطاعة والتدافع يقودان معا إلى هدف واحد، بحيث يتحكم التدافع في إخراج أقصى طاقات الاستطاعة من الأمة وأفرادها. فالاستطاعة في فقه الإمام لا ينبغي أن تتحول إلى ركون إلى الذين ظلموا وتطبيعا مع الاستبداد، ولا تبريرا مترخصا هابطا إلى أضعف الإيمان.

وإذا كان من مقتضيات رفض الإمام مساكنة الاستبداد معارضته بالضوابط الشرعية والخروج عنه، فان المؤلف لم يفته أن يتوقف عند رفض الإمام الانتقال بدوافع هذا الخروج من طابعها السياسي إلى إلباسها طابعا عقديا.

وفي ختام تناوله لفلسفة التغيير عند الإمام، توقف المؤلف عند مركزية مفهوم الأمة في نظرية التغيير المنهاجي معتبرا إياها فاعلا مركزيا في عملية التغيير الحقيقي عبر الاضطلاع بوظائف المرجع والإسناد والضمان والأمان، التي بدونها تفقد حركة التغيير شروط الاستمرار والبقاء بافتقادها لأدنى مستويات الشرعية، وهي متوقفة على تعبئة جماهير الأمة والاصطفاف معها ومشاركتها توقها للتحرر من ظلم تاريخي جاثم.

وقد توقف المؤلف عند البعد القيمي لمفهوم الأمة في نظرية المنهاج من خلال إبراز الوظيفة “التعارفية” للأمة: داخليا بين أبنائها ومكوناتها، وخارجيا بينها وبين مكونات الإنسانية جمعاء. وهذا التعارف معناه التعارف على تحقيق الخير والنفع وإنكار المنكر على أساس التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

 وهناك مسألة أخرى ذات بعد قيمي ترتبط بمركزية مفهوم الأمة في نظرية التغيير المنهاجي اهتم بها الكتاب؛ ويتعلق الأمر بتحقيق الوحدة الشعورية للأمة من خلال وظيفة الدمج التي يضطلع بها المفهوم نفسيا بجسر الهوة بين غالبية جاهلة أمية ونخبة مثقفة مغربة (وربما غريبة تبعا)، واجتماعيا بجسر ما بين تعساء الأمة ومترفيها. وقد ترتب عن هذا التحليل، في الفلسفة السياسية للإمام ياسين، الحديث عن مركزية الأمة كقيم وأخلاق ونفسيات وعلائق وأولويتيها على كيان الدولة الذي ينبغي أن يكون تبعا وأداة لتحقيق وحدة الأمة وفاعليتها كما سبق معنا.

3-     مسألة الحكم وأخلاقيات دولة القرآن:

حدد الكاتب هدف هذا الفصل في كشف الالتباس الذي اكتنف الأفهام بشأن دلالة مفهوم دولة القرآن عند الإمام من جراء استحضار النموذج الشكلاني للدولة الإسلامية. ويؤكد المؤلف من وحي المتن المنهاجي أن دولة القرآن في منظور الإمام ماهي إلا النقيض لدولة الفساد والاستبداد بكل ألوانه المادية والروحية. وإذا كان مسلما بأن دولة القرآن في فلسلفة المنهاج النبوي هي نموذج مثالي فإن مثاليتها ليست أفلاطونية كما أن مرجعيتها القرآنية لا تعني قيامها على إكراه الناس في معتقداتهم وشعائرهم؛ وقد استند في كشفه هذا للتحليل المنهاجي لتجربة دولة المدينة. إنها دولة يمسكها حبلان: حبل من الله بضمانها الحق في معرفة الله والاتصال به وحبل من الناس بصونها الكرامة الإنسانية. وهي بهذا المعنى دولة مدنية.

طالع أيضا  المُخالقة الحسنة

ويمضي المؤلف في إظهار الحقيقة الأخلاقية لدولة القرآن أو لنقل دفع تهمة الشكلانية عنها لصالح المضمون القيمي الأخلاقي من خلال دفع عدد من الشبهات التي يمكن أن تورد عليها من الطرف الآخر كما يلي:

1.      دفع شبهة الترهيب من خلال إظهار أن طريق دولة القرآن في وصل الدنيا بالآخرة هو طريق الهداية وتوفير أسباب توجيه الناس للخير وتعزيز مفهوم الخير والإيمان في القلوب، وليس الغصب.

2.      دفع شبهة التوريث من خلال تأسيس شرعية الحكم على إرادة الشعب المتحررة، إرادة تنتج التزاما أخلاقيا بالطاعة للدولة ومؤسساتها.

3.      دفع شبهة المناهبة بنفي القداسة عن الحاكم واشتراط المدنية والانتخاب على أساس عقد مشروط بالمروءة والكفاءة (القوة والأمانة) مع تسييج الحكم برقابة الأمة.

4.      دفع شبهة الفوضى عبر التنظيم المؤسساتي لمشاركة الأمة في الفعل السياسي على أساس تقاسم المهام والسلطة والفصل بين عناصرها. ويؤكد المؤلف هنا أن الإمام يؤسس لفكرة فصل السلطات على طبيعة النفس الإنسانية التي تتطلب الضبط القانوني الأخلاقي دفعا للفساد الناشئ عن الاستكثار والاستغناء.

5.      دفع شبهة المنحة الأبوية عن النظام السياسي من خلال إقرار المبدأ التأسيسي للدستور باعتباره حضورا قيميا للأمة في تقرير مصيرها.

6.      دفع شبهة تماهي الدولة والدعوة أو لنقل ذوبان الدعوة في الدولة مع ما يترتب عن ذلك من توظيف سياسوي للدين في تبرير الظلم؛ وذلك بتحديد وظيفة مؤسسة العلماء تجاه المجتمع في التربية والتعليم والتثقيف وتوسيع دائرة البر الإحساني (الرأسمال الاجتماعي) في صفوف المجتمع المدني، وإزاء الدولة الرقابة في التوجيه والاستشارة في استقلالية تمسكها بقيم القرآن وشريعته وتعزز موقعها في المجتمع.

وبعد الفراغ من دفع هذه الشبهات، انتقل المؤلف في المبحث الثاني لمعالجة قضية تكتسي أهمية في الفكر السياسي؛ ويتعلق الأمر بقضية التعددية في دولة القرآن. وهي قضية ذات أهمية بالنسبة للإمام الذي أسس لها أخلاقيا معتبرا إياها تنافسا في الخير في إطار ما عبر عنه المؤلف بقانون الدافعية. ولهذا، فقد اشترط عليها في بعدها السياسي المقبولية على مستوى المجتمع، والمسؤولية على مستوى ذاتية المكون السياسي. ولا يقتصر احتفاء الإمام بالتعددية على جانبها السياسي والحزبي بل يتعداه إلى ما عبر عنه المؤلف بالسياقات الثقافية، منوها للتمييز الذي يقيمه الفكر المنهاجي بين المواطنة والانتماء الديني وموضحا أن قضية الردة إن صحت فإن فهمها ينبغي أن يتم في إطار مفهوم “الخيانة العظمى” بالمفهوم الحديث وليس في إطار حرية الاعتقاد وإلا فإن الإسلام قائم على حرية الاعتقاد التي بدونها لا معنى للتدين وما ينبني عليه من مسؤولية.

وتماشيا مع هدف ومهمة الكتاب، فقد تناول المؤلف أهمية قيم المشاركة والتقدير والتكريم في المقاربة المنهاجية الأخلاقية للتعددية مبينا أن إيمان صاحب المنهاج بالفاعلية الحيوية لمفهوم المجتمع المدني لا ينبغي أن ينسينا انتقاده استناده للأساس “المصلحي المديني” في التجربة الغربية؛ ولهذا تجده يطرح مفهوما يتجاوز قصوره الأخلاقي هو مفهوم مجتمع العمران الأخوي الذي يروم إنتاج علاقاته من خلال روح الإسلام التي ملأها بمعاني تعبدية تتحول فيه العلاقات الإنسانية لا إلى إطار بسيط يربط الفاعلين في المجتمع على أرضية المصالح المشتركة، ولكن تتحول إلى فاعلية مترقية تنشد طلب ما هو أعلى من المصلحة القاصرة والقريبة والدنيوية إلى طلب مرضاة الله والفلاح، فيكون محركها ودافعيتها أقوى وأرسخ.

وبنفس المنطق الأخلاقي، تناول المؤلف ضمن ذات المبحث تعدد وحرية الصحافة مؤكدا على وظيفتها التربوية والتنموية والرقابية وهو ما استدعى منه تأكيده على ضرورة قيامها على الحرية والتعدد من جهة، وعلى شرطي الاحترافية (القوة) والنزاهة (الأمانة) من جهة أخرى كما نبه لخمسة محاذير يمكن أن تنزلق إليها بأن تنخرط في تخدير الوعي وتنويم العقل أو تمجيد الباطل والقيم الفاسدة أو الدعاية الكاذبة للاستبداد أو تشجيع الروح الاستهلاكية أو التهييج والتهويل.

وبعد توقف عند مسألة التداول على السلطة عند الإمام بحث المؤلف التصور المنهاجي للحكم الانتقالي أو لنقل المراحل الانتقالية للأنظمة السياسية. وفي تناوله هذا، تحدث عن ضرورة التعامل بالحكمة والتدرج وأهمية المشاركة الفاعلة للطيف السياسي والرهان على التربية في عملية التغيير على اعتبار أن أفظع الفساد الذي يلحق النظام الاجتماعي في ظل الفساد والاستبداد هو ما يصيب القيم. وفي هذا السياق، يأتي تركيزه على البعد الأخلاقي لفكرة الميثاق. وهي أخلاقية مستمدة بحسب المؤلف من نسقين: لساني يؤسس لها على أساس الثقة التي تولد الالتزام، وآخر قرآني يلتزم الإنسان بمقتضاه بما يلزم به نفسه من مواثيق بينه وبين الناس وبينه وبين خالقه.

وبعد أن أبرز نقد الإمام لاستناد المواثيق القانونية البشرية على عنصر القوة الذي أضحت بموجبه تعبيرا عن منطق التغلب والهيمنة، أكد قيام فكرة الميثاق في الفكر المنهاجي على معنيين؛ أولهما معنوي يشترط لقيام الميثاق ونجاحه الثقة والصدق، وثانيهما مادي يحيل على الجمع والعقد بقوة الرباط. وهذه الأرضية الأخلاقية الإيمانية التي أسس عليها الإمام فكرة الميثاق، وعلى عكس ما يعتقد، قد منحته اتساعا يشمل من هم خارج دائرة الإيمان من ذوي المروءات. وفي هذا يندرج حديثه عن ميثاق الفطرة، وميثاق العلم، والميثاق الإنساني إلى جانب الميثاق الإسلامي والميثاق الوطني؛ تنوع استيعاب وتمييز في الدرجة لا تنوع إقصاء واستبعاد.

وفي سياق تحليله وبيانه، يعود المؤلف، في فقرة خاصة، لبيان جانب آخر من قضية التعددية في التصور المنهاجي وذلك من زاوية الحق في المعارضة ونفي شبهة الأوتوقراطية عن دولة القرآن.  وكأني به يريد أن يجلي فكرة هي من الأصول في الفكر السياسي المنهاجي تم تجاهلها لصالح تعميمات فجة. وقد أوضح كيف يعلي الإمام من شأن المعارضة لتكون ممارسة تعبدية تخلقية من خلال مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يستلزم ارتباط حق المعارضة بالفعل والممارسة من جهة، وبالمسؤولية في سياق فاعلية الشورى والنصيحة من جهة ثانية.

قضية أخرى مثيرة للجدل في المناقشات حول نظام الحكم الإسلامي استعرض المؤلف التأسيس الأخلاقي لنظرية المنهاج النبوي لها هي قضية القضاء لا سيما في ارتباطه بالتشريع الجنائي وقضية الحدود. وقد عالج المؤلف هذه المسألة ضمن التفكير المنهاجي من خلال توظيف مفهومي الرحمة والتوبة مؤسسا ذلك على كون القضاء على الانتهاك أحد الأوجه الأخلاقية للقانون في أي نظام ليبرز التمييز المنهاجي بين درء الحدود باعتباره شريعة وبين الاستخفاف بها باعتباره خروجا عن الشريعة ليخلص لرهان الإمام على التوبة بما هي انتقال واع وإرادي للإنسان بحرية من عالم إلى عالم آخر، وهو رهان بالضمن على مهمة التربية الروحية يقول المؤلف. إن دولة الإسلام هي دولة الإنسان، والأصل في المنهاج النبوي أن يتقدم الإنسان ويتأخر ما سواه من معتبرات؛ ولذلك فإن التشريع الجنائي الإسلامي في تأصيل الإمام وتصوره يتأسس على البناء على مقتضى التربية ودفع الإكراه وحفظ الكرامة الإنسانية.  وفي تناوله لهذا الموضوع، يشدد المؤلف على استحضار الواجبات الأخلاقية للدولة والمجتمع وسائر المؤسسات المدنية بمنطق قيمي رسالي موحد.

4-     الفعل السياسي والحاجة إلى أخلاقية كوكبية قرآنية:

خصص المؤلف في نهاية عمله فصلا عنوانه: الفعل السياسي والمشترك الإنساني. وعلى الرغم من اهتمام المؤلف في هذا الفصل بنقد الإمام ياسين للسياسة الدولية وخطاباتها وآليات اشتغال مؤسسات الأمم المتحدة إلا أن ذلك لا يخفي تركيزه على التأسيس المنهاجي للعلاقات الدولية على أبعاد أخلاقية عجزت (بل تغافلت) عن تكريسها منظومة العلاقات الدولية الراهنة وقوانينها. بل إنني أعتقد أن هذا النقد المنهاجي لا يمكن فهمه إلا في إطار تأكيد حاجة الفعل السياسي بما هو فعل إنساني في بعده الدولي إلى التخليق خروجا بالإنسان من دوامة البؤس الذي صنعته ولا تزال تصنعه آلة الرأسمالية عبر صناعة الحروب والأمراض والفقر وغيرها من الصناعات. ولا تخرج معالجة الإمام التي أبرزها المؤلف في هذا الفصل عن هذا المنظور الفلسفي الأخلاقي الذي ينظر للتقدم الرأسمالي في ظل إقصاء البعد الأخلاقي باعتباره لا يعدو أن يكون مراكمة لأشياء الحضارة هو في الواقع “ميثولوجيا التقدم إلى الخلف”.

وضمن هذا المنظور، توقف الكاتب عند استدعاء الإمام لمفهوم العمران والاستعمار القرآني بما هو مهمات ووظائف سامية عهد بها الله للإنسان ليضطلع بها فيحقق وجوده التام ويحقق المطلوب الأخلاقي من الارتقاء بنفسه إلى الارتقاء بالإنسانية جمعاء. ولعله من نافلة القول، العودة هنا للتذكير بالأساس الأخلاقي لمفهوم الاستعمار في القرآن الكريم بما هو مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن صناعة مستقبله، وحاجته المستمرة للرجوع والإنابة. وبناء على هذا الأساس الأخلاقي، أبرز الكتاب أن المنظور المنهاجي يقرن تجاوز مشكلات العالم بتنمية الحس الأخلاقي وإقرار أخلاقية كوكبية قرآنية الاستمداد تزم النزوات الاستغلالية للرأسمالية المتوحشة التي تهدد الإنسان وبيئته. وهذا الخطاب الموجه بالأساس للغرب يؤكد على حتمية التغيير الأنفسي وعلى مدخل التربية الأخلاقية التي تبدأ من الاشتغال على الإنسان.

وتأسيسا على هذا المنظور، يؤكد المؤلف أن السياسة الخارجية لدولة القرآن ينبغي أن تعنى بالبحث عن “المنجم الأخلاقي” في النوع البشري من أجل استثماره في إقامة علاقات وبناء جسور تستهدف تنمية الخير بين بني البشر على أساس أخوة آدمية تشمل كل بني الإنسان؛ أخوة روحها خلق الرحمة الإسلامية، وغايتها توخي الخير وتعميمه وعماد واقعيتها في دولة القرآن تحصيل القوة.

خاتمة:

إن ما استعرضناه في الفقرات السابقة لا يعدو أن يكون قراءة منا لعمل بذل فيه من الجهد ما لا تستطيع قراءة متسرعة مثل هذه أن توفيه حقه؛ ولهذا فهي لا تدعي الإحاطة بمراد الكاتب من اشتغاله على هذا الموضوع، وبالتالي فهي لا تغني عن قراءة العمل الأصلي الزاخر بالتفاصيل المفيدة. وإن كان لعملنا هذا من فائدة ترجى فهي أنه حاول أن يعرف بالكتاب يقربه من القراء، وأن يساهم في استفزاز العقول للاستزادة من أصل الكتاب لعله ينكشف بذلك ما غاب عن فهمنا وقصر عن الإحاطة به فهمنا.   

 

[1] –  في هذا الإطار، يندرج حديث الإمام ياسين رحمه الله عن دين التحرر في مقابل دين الانقياد.
[2] – ينطلق الإمام في هذا من مسلمة مفادها استناد الأخلاق للإيمان في الإسلام.
[3] – زمن نفسي  بمعنى زمن حضاري.
[4] –  يعبر ابن العربي صاحب الأحكام عن هذا بعبارة: “ألفة الجماعة”.
[5] – المسؤولية هنا ترتبط بالصبر والإرادة والاقتحام.