عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا. ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين الأنبياء 1.

قال الله تعالى: بسم الله الرحمان الرحيم يا أيهاالناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد الحج.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاتة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا” 2.

ينفخ في الصور، و تفتح القبور، وتبدأ الخلائق بالظهور. آنذاك تقبل الوحوش من البراري والجبال منكسة رأسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها، قال تعالى: وإذا الوحوش حشرت. وتجيء الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها مذعنة خاشعة من هيبة العرض على الله تعالى: فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا. تفكر في هذا الكم الهائل من الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم عند الانبعاث والناس معهم على اختلاف أعراقهم وألوانهم فزعون متحيرون وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم.

عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا.

فأحضر في قلبك صورتك وأنت واقف عاريا كاشفا حافيا ذليلا مذعورا مبهوتا منتظرا لما سيجري عليك ذلك اليوم.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تحشرون حفاة عراة غرلا”. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم لبعض؟ فقال: “الأمر أشد من أن يهمهم ذاك” 3.

فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات.

ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور وهم على حالتهم هذه حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر بيضاء، قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، لا ترى عليها ربوة يختفي الإنسان وراءها ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها، بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه، ذهبت أشجاره وجباله وأوديته وتناثرت أقماره وتطايرت نجومه وكواكبه فوق الرؤوس، وأظلمت شموسه وخمد سراجها، فلا ترى إلا ظلاما مخيفا موحشا لا تدري ماذا يخبىء لك وراءه من أهوال.

عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة نقي” قال سهل أو غيره: “ليس فيها معلم لأحد” 4.

(عفراء): ليس بياضها بالناصع. (كقرصة نقي):خبز نقي. (معلم): علامة.

حتى إذا اجتمع الناس بعضهم ببعض وكثر عددهم واشتد ازدحامهم، أشرقت عليهم شمس تضاعف حرها، وأدنيت من رؤوسهم كقاب قوسين أو أدنى فصهرتهم بحرها، وكبر كربهم وغمهم من وهجها. ففاض عرقهم حتى سال على صعيد القيامة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم” 5.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه” 6.

وهم على هذه الحال شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، لا يأكلون فيها أكلة ولايشربون فيها شربة. ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان، فتسأل عن الكثير والقليل.

عن عدي بن حاتم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة، ليس بين الله و بينه ترجمان ثم ينظر فلا يرى شيئا قدامه ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار. فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق ثمرة” 7.

حقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة، ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك”. فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا الانشقاق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب” 8.

والناس بعد هذه الأهوال يساقون إلى الصراط؛ عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار إبراهيم. أين الناس يومئذ. قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: “على الصراط” 9.

والصراط جسر دقيق ورقيق وخطير، ممدود على متن النار. تخيل وأنت عليه ترى سواد جهنم من تحتك، وتسمع شهيقها وزفيرها وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي عليه مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك والناس من حولك يتعثرون ويسقطون.

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس يمينا وشمالا وعلى جنبتيه ملائكة يقولون: اللهم سلم، اللهم سلم. فمن الناس من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس المجري، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبوا حبوا، ومنهم من يزحف زحفا. (…)” 10.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا” 11.

قل لي بربك كيف تهنأ وهذه الأخطار بين يديك، فإن كنت غير مؤمن فيا خسارتك، وإن كنت مؤمنا وعن الاستعداد غافلا متهاونا فما أعظم حسرتك. وماذا ينفعك إيمانك إن لم يبعثك على السعي لنيل رضى ربك، والعمل للنجاة من غضبه وعقابه.

 


[1] رواه الشيخان والترمذي والدارمي.
[2] رواه البخاري.
[3] رواه البخاري.
[4] رواه البخاري.
[5] رواه البخاري.
[6] رواه البخاري.
[7] رواه البخاري.
[8] رواه البخاري.
[9] رواه الترمذي وابن ماجه.
[10] الحديث متفق عليه مع اختلاف في بعض الألفاظ.
[11] رواه البخاري.