أجرت مجلة البيان السعودية في عددها للأسبوع الماضي (6 مارس 2017) حوارا شاملا مع الدكتور المصطفى الريق، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تطرق إلى جملة من القضايا السياسية والاجتماعية الراهنة، وإلى موقف الجماعة منها. وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار تعميما للفائدة.

 

1- أين وصلت الحملة التي تشنها السلطات المغربية ضد أطر وأعضاء جماعة العدل والإحسان في الوظيفة العمومية؟

بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر لمنبركم اهتمامه بقضية مجتمعية استفزت كل الفضلاء  داخل وخارج المغرب، ويتعلق الأمر بإعفاء العشرات من الأطر من مهامهم في الوظيفة العمومية بشكل تعسفي وضدا على كل القوانين المؤطرة، ذنبهم الوحيد هو انتماؤهم لجماعة العدل والإحسان، وهذه الحملة ما زالت – مع الأسف – مستمرة رغم الاستنكار الشديد الذي قوبلت به من طرف كل الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين والإعلاميين والجمعيات المهنية.

2- ما هي القطاعات الحكومية التي سجلت إعفاء عدد كبير من الموظفين المنتمين لجماعة العدل والإحسان؟

هذه الحملة الظالمة شملت عدة قطاعات منها: الأرصاد الجوية، الفلاحة، البريد، اتصالات المغرب.. لكن أوسعها كان في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني.

3- كيف ترى الجماعة هذه الحملة وما هي الخلفيات التي تحركها؟

هذه الحملة هي حلقة في مسلسل الاستهداف الذي لم يتوقف عبر تاريخ الجماعة، نعم قد يخف حينا ويتصاعد أحيانا حسب التقييم المخزني لطبيعة المرحلة، فكلما استشعر أن العوامل المحلية والإقليمية والدولية مساعدة على النيل من الخصوم واسترجاع المربعات المفقودة كلما تملك الجرأة للاستهداف وداس القانون ونسي كل ما يسمى حقوق وحريات وفاء لمبدأ “الحَركة” الذي عرف به في تاريخه.

والجماعة – بفضل الله – اكتسبت مناعة تجاه مثل هذه الحملات حيث لم يعد لها تأثير يذكر إلا ما كان من أذى يصيب بعض أفرادها، وهذا الأذى هو ثمن المحجة اللاحبة التي تسلكها الجماعة.

ولعل الخلفيات التي تحرك هذه الحملة تتمثل في محاور أربعة: العداء السافر والمعلن للحركة الإسلامية من قبل القيادة الجديدة في البيت الأبيض، وتغول الدولة العميقة في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي بتشجيع وتواطؤ من عدد من دول الاستكبار العالمي، وانحباس التجربة السياسية بالمغرب التي سوق لها – زورا – على أنها تمثل استثناء، مما عزز أطروحة العدل والإحسان التي كانت ولا تزال تعتبرها مجرد التفاف على الإرادة الشعبية، وبالتالي لم تحمل أي جديد يمكن أن يبعث الدينامية في الحياة السياسية وهو ما تأكد للجميع مع انتخابات 7 أكتوبر الماضي وما تبعها من “بلوكاج” في تشكيل الحكومة.

والعامل الرابع هو تزايد عدد الفاعلين المطالبين بتشكيل جبهة مناهضة للاستبداد، وقد برز هذا العامل بشكل جلي في المناسبات الحوارية التي دعت لها الجماعة في الذكرى الرابعة لوفاة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله.

4 – اتهمتم في ندوة صحفية جهة ما في السلطة بالوقوف وراء هذا الاستهداف، لماذا لا تسموها؟

لقد تحدث علماؤنا الأفاضل على أن الخبرة والممارسة مرجع في إدراك الأوصاف الخفية، وهو درس تعلمناه مما راكمناه من معاناتنا مع الاستبداد، وبالتالي نحن على يقين بأن جهة استئصالية في مربع السلطة تستهدفنا، لكن ما يشم ولا يفرك لا يذكر اسما.

5- هل يعني هذا أن الجماعة بدأت تراجع موقفها من النظام السياسي الحاكم بالمغرب؟

تخصيص جهة نافذة في السلطة بالوقوف وراء هذه الحملة لا ينفي الطبيعة الاستبدادية عن النظام السياسي المغربي بل يؤكدها لأن من يتحمل وزر هذا الفعل الشنيع، يقدمه برهانا على ولائه للحاكمين ليثبت استحقاقه للحظوة في المربع المخزني.

بناء على ما سبق، يزداد موقفنا من النظام رسوخا، ولعل ما عاشه المغاربة في السنين الأخيرة من: ضرب القدرة الشرائية، وتخريب المدرسة العمومية، ومراجعة ظالمة لأنظمة التقاعد،ومصادرة للحقوق والحريات، وتعطيل ممنهج للحوار الاجتماعي، وترجيح للمقاربة الأمنية… دفع وسيدفع البعض لمراجعة الموقف من الحكم لكن في اتجاه نفض اليد من أي آمال ترجى من المخزن ودولته العميقة.

6 – يرى العديد من المراقبين للشأن المغربي بأن مشروع جماعة العدل والإحسان غير واضح المعالم والأهداف ما يجعلها معزولة عن باقي الهيئات والفعاليات، ما تعليقكم؟

هذه فرية لا يقول بها إلا “المراقبون” الذين تسعى الآلة الدعائية المخزنية لترميزهم كباحثين متخصصين في الحركة الإسلامية، وهم تجسيد لظاهرة واكبت تاريخ الأمة الإسلامية منذ أن تحول أمرها من خلافة راشدة إلى ملك عاض فجبري، حيث كان المبير دوما في حاجة إلى الكذاب ليبرر الزيف ما يفعله السيف.

لو كانت جماعة العدل والإحسان كما يدعون، بل قل كما يتمنون، لتركت لتموت موتة طبيعية، فتقرأ عنها الأجيال في سجل من سبقنا بإحسان، لكن المخزن – قبل غيره من  المراقبين الحقيقيين والباحثين المنصفين –  يدرك يقينا أن الجماعة تحمل مشروعا عميقا قوته في وضوح معالمه وأهدافه، ولذلك لم يستطع أن يعزلها عن صحبة الشعب، ولم يفلح – رغم جهوده المضنية – في قطع حبال التواصل بينها وبين الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية وغيرها من فضلاء البلد، وهو ما ظهر جليا في التضامن الواسع لكل هذه الهيئات مع أطر الجماعة الذين طالهم الإعفاء الظالم، وهو أمر غاظ المخزن وأزلامه ودفعهم إلى التهجم على المتضامنين.

7 – مرت أربع سنوات على رحيل مؤسس الجماعة ومنظرها الشيخ عبد السلام ياسين ماذا تغير بعد هذه السنوات؟

المعني بهذا السؤال في المقام الأول هو من كان لا يفتر عن تذكير المغاربة بأن نهاية الجماعة ستكون بموت مؤسسها، الأمر الذي كنا على يقين بأنه لن يحدث – بفضل الله – نظرا لأن عملنا عمل مؤسساتي، رغم إدراكنا لقيمة الأستاذ المرشد رحمه الله نظرا لكونه إماما مجددا كما شهد له بذلك كل المنصفين.

ولذلك، فالجماعة تسير بحيوية ونشاط نحو الأهداف الكبرى التي سطرها المنهاج، وحاضرة بقوة في المشهد السياسي المغربي، وأوراشها التواصلية تعرف إقبالا متزايدا من كل فضلاء الطيف السياسي، ودعوتها بفضل الكريم الوهاب في اتساع مطرد، ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي أغاظ الاستبداد ودفعه إلى استهداف الجماعة.

8 – ما طبيعة العلاقة التي تجمعكم بباقي الحركات الإسلامية بالمغرب، وخصوصا حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة؟

علاقتنا الطبيعية بالحركات الإسلامية المغربية المعروفة بوسطيتها واعتدالها هي علاقة محبة وتواصل قلبي، وتزاور وتناصح عندما تتاح الفرصة لذلك.

أما حزب العدالة والتنمية فهو لا يضفي على نفسه الصفة الإسلامية بل يعتبر نفسه مجرد حزب وطني يوجد ضمن قياداته رموز من أبناء الحركة الإسلامية، وعلاقتنا به هي علاقة احترام متبادل رغم الاختلاف في التقدير السياسي الذي يصل إلى حد التباين.

9 – كيف تقيم الجماعة الوضع السياسي والاجتماعي بالبلاد؟

حاول النظام السياسي أن يسوق أطروحة “الاستثناء المغربي” خاصة بعد الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 وما تلاه من تعديل دستوري وانتخابات تشريعية وحوار مع النقابات وإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين… ليتبين أن كل هذه الخطوات هي مجرد انحناء لعاصفة الشارع الذي عرف هبة مع الحراك المغربي الذي كان جزءا من انتفاضة  الربيع العربي. ولذلك ما لبثت الدولة العميقة أن طلت برأسها من جديد شاهرة المقاربة الأمنية في وجه كل الفئات المطالبة بحقها في الحرية والعيش الكريم، معلنة بذلك عن ردة سياسية وحقوقية سجلها كل الملاحظين، بل حتى المنخرطين في اللعبة السياسية كما رسمها المخزن  يشتكون من التحكم وصناعة اللوبيات السياسية، ولعل البلوكاج الحكومي خير دليل على ذلك.

أما الوضع الاجتماعي فلا يعدو كونه مرآة لتردي الوضع السياسي، حيث نجد دائرة الفقر والتهميش والبطالة تتسع بشكل مطرد، والأوراش الكبرى من صحة وتعليم… يتم تسليعها ليتاجر بها أصحاب النفوذ المالي في تخل سافر للدولة عن مسؤوليتها، ناهيك عما أضيف مؤخرا من إثقال كاهل الموظفين بالاقتطاعات لتدارك الاختلالات الواقعة في صناديق التقاعد التي تعرضت للسرقة والنهب دون حسيب ولا رقيب.

كل ما طرأ في الواقع السياسي والاجتماعي لم يفاجئنا، بل من رجع إلى وثائقنا وبياناتنا وتصريحات قيادتنا يجد أن هذا التقييم مبثوث فيها بشكل واضح، لقناعتنا أن نفس المقدمات ستعطي – ولا شك – نفس النتائج، وليقيننا أن الفساد لا يصلح الفساد والاستبداد لا يصلح الاستبداد.

10 – رغم تواجدكم وحضوركم في الساحة المغربية تصفكم السلطات الرسمية بالجماعة  “المحظورة”، لماذا؟

الأصل أن الذي من حقه أن يصدر مثل هذه الأحكام هو القضاء، وفي حوزة الجماعة عشرات الأحكام القضائية، في كل مستويات التقاضي، تؤكد قانونيتها، لكن بالرغم من ذلك يصر المخزن وأبواقه المأجورة على ترديد نفس الأسطوانة المشروخة “الجماعة المحظورة”، والقصد هو الإيهام والتضليل والتخويف وإيجاد المسوغ للملاحقة والاستهداف.

11 – ألا تسعون لتطبيع العلاقة مع الدولة وتأسيس حزب سياسي والاشتغال من خلاله كباقي الهيئات والتنظيمات الأخرى؟

وأنا أسأل: هل الدولة مستعدة للتخلص من جوهرها الاستبدادي؟ وهل تقبل بتأسيس أحزاب سياسية بإرادة حرة ومستقلة أم تريد ديكورا لتأثيث المشهد؟  

المشكل الحقيقي في المغرب هو أن الدولة لا تقبل في المشهد الرسمي إلا من له القابلية والاستعداد الكامل للخضوع للتعليمات حتى تتاح له فرصة الدخول لمربع “المنعم عليهم”، وهو ما يحول كل المعاني النبيلة للسياسة والحزب والمؤسسات والبرامج والانتخابات… إلى أسماء بدون مسميات، ونحن ككل العقلاء ننزه أعمالنا عن العبث.

12 – ما هو شكل المغرب الذي تتصوره جماعة العدل والإحسان في مشروعها؟

لا بد أن نذكر أننا على وعي تام أن مغرب الغد ليس ملكا للجماعة وحدها، بل ينبغي وجوبا أن يتسع لكل المغاربة اقتراحا وتنزيلا، ومدخل ذلك هو أن تكون الحرية مكفولة للجميع.

وما نقترحه لهذا المستقبل المشرق هو التوافق على ميثاق جامع يؤسس للمشروع المجتمعي الذي نريده جميعا، في ظله تصان كرامة الفرد، وتبنى دولة المؤسسات، ويفصل بين السلط، ويحتكم للإرادة الشعبية، ويدبر الاختلاف بالحوار، ويجرم العنف، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، ويخضع الجميع للقانون، وتكون الكلمة الفصل للقضاء، وتهيئ البيئة السليمة لأعز ما يطلب وهو وجه الله الكريم والاستعداد للدار الآخرة.