فجر الاثنين، السابع من مارس، سقط الناشط الفلسطيني والمقاوم الشاب باسل الأعرج شهيدا عقب اشتباكه مع قوة صهيونية خاصة حاصرت المنزل حيث كان يتحصن ثم خاضت معه طوال ساعتين قبل أن تنفد ذخيرته ويردى، كما الأبطال، مقبلا غير مدبر. وقد أنهى خبر استشهاده مسلسلا طويلا من المطاردات المتوالية من جانب الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية ثم من جانب العدو الصهيوني جعلته يتوارى لأشهر دون أن تعلم وجهته.

سطر باسل ملامح المناضل الصلب والمثقف العميق، الممتلئ بحرارة القضية والمدفوع بنبل المصير، وهو يصر على حتمية طريق المقاومة على خط التوازي مع فعل النضال الثقافي والمقاومة المدنية السلمية. كتب كثيرا في سياق التحريض على استئناف الثورة الفلسطينية، ودعا كثيرا لاستلهام الصفحات المشرقة من كفاح الأجداد وتخليدها بالفعل الثوري البليغ. وقد كان بحق شعلة ثقافية خبيرة بالتراث الفلسطيني المقاوم والتركة الإجرامية للكيان الغاصب ضد القرى الفلسطينية والإنسان الفلسطيني على مدى قرن من الزمان. لأجل ذلك لم يتردد باسل في قيادة حملات شبابية ميدانية لزيارة المواقع البارزة والمرجعية في تاريخ المواجهة العسكرية ضد المحتل؛ فيعلق باسل المثقف عند كل موقع  فيحرض ويصوب التاريخ ويرمم الذاكرة ويدحض المغالطات.

كان للشهيد شرف نحت مفهوم “المثقف المشتبك” مؤلفا به بين دائرتين ذواتي صلة بفعل القيادة والتعبئة؛ دائرة الفكر ودائرة الأداء العسكري، حريصا بذلك على نقض صورة المثقف الدعي الذي اعتاد ركوب أجنحة الرؤى الفكرية شاهقا، مصدقا وهم انتمائه للوطن واحتراقه بلوعة القضية. لم يكن باسل بدعا من المثقفين بادئ الفعل؛ كان كاتب رأي ورائد نواد فكرية وعنوانا طيب الذكر في خارطة المثقفين الفلسطينيين الشباب. لكنه ظل دائما يقاسي قلقه ويطالع قصوره عن الفعل الحقيقي، وهو يشهد كل حين على مأساة وطنه وملحمة شعبه الغارق في اشتباكه بسائر فئاته وأعماره. لذا، عاد باسل من مصر، متوجا بشهادة دكتوراه في الصيدلة، عازما على “الاشتباك”. عاد باسل ليشتبك من جديد بهموم شعبه ويكتسي ثوبه. عاد باسل ليعْلق طوعَ مشيئته بشِراك القضية التي ابتعث لها، بعد أن حاز بشرف حِلية “المثقف”. هذه الحلية الرمزية ظلت في نظر باسل محض طيف خادع في عالم الصور العاجزة، ما لم تسع بصدق على أرض المقاومة، ما لم تسارع إلى اختبار برهانها بالاشتباك.

ترك باسل الأعرج وصية بخط يده وطلب عدم إذاعتها إلا فور العلم باستشهاده. فكان للشهيد ما أراد. نقرأ منها قوله الشامخ: (بسم الله الرحمن الرحيم. تحية الوطن والعروبة والتحرير. إن كنت تقرأ وصيتي فهذا يعني أني قد مت، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلب سليم مقبل غير مدبر بإخلاص ، بلا ذرة رياء…..). ثم نقرأ من خاتمتها برهان صدق الانتماء وبلاغة الاشتباك ما يلي (وأنا الآن أسير إلى حتفي مقتنعا وقد وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد؟). أراد باسل أن تكون وصيته إيذانا باستيفائه شروط “المثقف المشتبك” الذي كثيرا ما نادى به. هو ذا باسل يبلغ كماله؛ يكتب و يحاضر مشتبكا بالوطن، ثم يقاتل مشتبكا بغاصبه فيستقتل ويمضي شهيدا.

لعل الشهيد باسل قد أدرك خطيئتنا. لعله كان، عبر نحته المفهومي هذا، يحرضنا ويُعرّض بمثقفينا أصحاب الياقات البيض. لعلي به يقيم الحجة التاريخية على هواة الثقافة المخبرية، أولئك الذين يستوطنون الألقاب الفخمة، ويستلذون رنينها الأخاذ في الموائد المستديرة والمستطيلة وعلى منصات الفضائيات العابرة. كانت وصية باسل شهادة ميلاد إنسان تخطى ضعفه واستبرأ من عافية الجبناء. كانت وصيته ناطقة باسم نموذج المثقف الفلسطيني المشتبك على عهد الاستشهاد، تماما على ذات الطريق المبارك الذي سقط على جنباته مثقفون مشتبكون أمثال غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان وماجد أبو شرار وغيرهم. هكذا هم رجال فلسطين، منهم من قضى نحبه ومنهم من لا زال يشتبك وينتظر.