خصت الأستاذة آمال عواد، عضوة المكتب القطري للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، موقع الجماعة نت بحوار حول زواج القاصرات بالمغرب؛ أسباب ارتفاع نسبته، مدى نجاعة المقاربة القانونية في الحد منه، ثم انعاكاساته على الفتيات المعنيات وعلى المجتمع ككل. فيما يلي نص الحوار:

تفيد آخر الإحصاءات أن زواج القاصرات تجاوز 33 ألف زيجة، وهو رقم مرتفع عن الإحصاء الذي سبقه، ما تفسيرك  للارتفاع المتزايد لعدد زيجات القاصرات؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب التأكيد على أن الأمم المتحدة اعتمدت يوم 11 أكتوبر، اليوم العالمي للفتاة، يوما عالميا لمناهضة زواج القاصرات، مما يشير إلى أن زواج القاصرات ظاهرة عالمية أو تعرفها معظم المجتمعات وليست خاصة بالمغرب.
شرع الله سبحانه وتعالى الزواج وجعله سنة دينه ومنهاج شريعته، حيث جمع به بين الأرحام المنقطعة والأنساب المتفرقة مصداقا لقوله تعالى في كتابه العزيز وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا. فالزواج شرع لمصلحة المجتمع وكذلك لحفظ كيان الأسرة، وقد نظم قانون الأحوال الشخصية الصادر سنة 1958 العلاقات الأسرية ومن بينها الزواج، عمل المشرع على تحصينها بوسائل متعددة في مواجهة كل إصلاح، ولم تعرف أي تعديل حتى سنة 1993 والذي كان طفيفا، واحتاج الوقت عقدين آخرين لتعديل قانون الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة سنة 2004، والتي عرفت تعديلات جعلت مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين، ومست الولاية وسن الزواج والتعدد والطلاق.
حددت المادة 18 من مدونة الأسرة أهلية الزواج في سن 18 سنة شمسية بالنسبة للفتى والفتاة، ولكن، وبعد مرور أكثر من عقد على تطبيق المدونة، أثبتت الإحصائيات ارتفاع زواج القاصرات إلى ما يفوق 33 ألف زيجة سنة 2015، وهو ما يستوجب تحليل الظاهرة من جوانب اجتماعية وثقافية ونفسية واقتصادية قبل النظر إليها من الجانب القانوني، وأن يتم التعريف بالأسباب الداعية إلى ارتفاع طلبات زواج القاصرات، ولعل من بين أهم الأسباب أنه لم تكن هناك دراسة اجتماعية قبل التعديل القانوني، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الفقر والأمية والاعتماد على العرف والعادات في العلاقات الاجتماعية.

طالع أيضا  المرأة والتغيير في نظرية المنهاج النبوي

في الوقت الذي يذهب فيه التوجه الرسمي إلى وضع حد لهذه الزيجات، نلاحظ أن النص القانوني المغربي يسمح للقاضي بسلطة التقدير في تزويج القاصرات بناء على بنيتهن الجسمية، وقد أثبتت الأرقام الرسمية قبول القضاء طلبات الزواج لمن هن أقل من السن القانوني؟

بالعودة للنص القانوني، وخاصة المواد 20/21 من مدونة الأسرة، فإن القاضي يملك السلطة التقديرية في منح الإذن بتزويج القاصر “بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي” واشتراط “موافقة النائب الشرعي بتوقيعه مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره إبرام العقد”. هذا الاجراء اعتبر أهم ثغرة في النص القانوني والتي تفرغه من محتواه، فإذا كان تزويج القاصر حسب النص القانوني استثناء في حالة محددة، فقد أصبح من خلال الموافقة على طلبات الزواج المقدمة هو القاعدة، فنسبة قبول هذه الطلبات تتراوح بين 75% و88% على حسب المناطق، إذ يتم اللجوء إلى التحايل على النص القانوني والتلاعب في الخبرة الطبية وكذا البحث الاجتماعي والذي يعتمد فقط على أقوال القاصر والولي، أو اللجوء إلى الزواج بالفاتحة، وعند حدوث الحمل يتم اللجوء الى مسطرة ثبوت الزوجية. وقد ارتفعت المطالبات لجعل هذه السلطة التقديرية للقاضي محصورة في سن 16 سنة فما فوق.

ماذا عن الزاوية الشرعية؟

البحث في قبول أو رفض زواج القاصرات من الزاوية الشرعية يحتاج إلى اجتهاد مقاصدي، اجتهاد تتوفر فيه مجموعة من الشروط، يتناسب مع المستجدات الواقعية ويحتاج إلى دراسة اجتماعية تأخذ بعين الاعتبار تقدير المصلحة العامة ودرء المفسدة المترتبة على تزويج القاصرات، ورعاية حقوق الأطفال،  نظرا لتغير الواقع، وفساد الزمان، وتعسف بعض الآباء ومنع المتاجرة بالفتيات لتحقيق المصالح المادية (زواج الكونطرا).

طالع أيضا  ذة. حمداوي: نسعى لإحياء المعاني التي رفعت المرأة إلى حيث رفعتها النبوة

ما هي الانعكاسات التي تترتب عن زواج القاصرات على الفتاة القاصر والمجتمع؟

مما لاشك فيه أن زواج القاصرات له من التأثيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية ما يعوق مسيرة المجتمع الحضارية، من أهم هذه التأثيرات السلبية:
* إهمال التعليم وانتشار الأمية: إن من أسباب انتشار الجهل والأمية تزويج الفتيات في سن صغيرة مما يجعلهن يتسربن من المدارس بسبب الزواج ومسؤولياته، ولا يقتصر هذا الجهل على الفتاة المتزوجة، بل يطال حتى أبناءها، فكيف نطمح إلى تنشئة جيل واع ومتعلم دون تعليم الأصل، خاصة وأنها منبع الرعاية وكل شيء يكتسبه الطفل في مراحله الأولى.
* انتشار نسبة الطلاق والتخلي عن الفتاة: أثبتت بعض الأبحاث في ظاهرة زواج القاصرات، أن أغلب قضايا التطليق المرفوعة تكون في هذه الزيجات، وبالتالي الزج بهن في إشكالات تتجاوزهن، وخاصة في ظل رفض المجتمع للمرأة المطلقة وما بالك إذا كانت أما مطلقة. وبالتالي نعيد إنتاج ظواهر التشرد والإقصاء.
إن زواج القاصرات موروث اجتماعي منتشر خاصة في العالم القروي، وترجع أسبابه الرئيسة غالبا إلى الفهم الخاطئ للدين والتقيد بالتقاليد والأعراف البالية، إضافة إلى الفقر والحاجة، ولا تكفي المقاربة القانونية أو الزجرية في حل إشكالية زواج القاصرات، بقدر ما يحتاج الأمر مقاربة شمولية تستحضر الجانب الاجتماعي والاقتصادي مع التركيز على المدخل التربوي.