قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ “المؤمنون”. خاشعون: أي خائفون ساكنون.

معنى الخشوع

1- هو السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته 1 .

2- هو قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل. 2 ومحل الخشوع القلب وثمرته على الجوارح، والأعضاء تابعة للقلب فإذا فسد خشوعه بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء والجوارح، فإن القلب كالملك والأعضاء كالجنود له، فبه يأتمرون وعن أمره يصدرون، فإذا عُزل الملك وتعطّل بفقد القلب لعبوديته ضاعت الرعية وهي الجوارح. كان حذيفة رضي الله عنه يقول: إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع) وقال الفضيل بن عياض: كان يُكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه). ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا، وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه 3 .

مراتب الناس في الخشوع

والخاشعون درجات، والخشوع من عمل القلب يزيد وينقص، فمنهم من يبلغ خشوعه عنان السماء ومنهم من يخرج من صلاته لم يعقل شيئا، والناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكنــه قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يُضيع شيئا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل، ناظرا بقلبه إليه، مراقبا له، ممتلئا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به. فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفّر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرّب من ربّه، لأن له نصيبا ممن جُعلت قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرّت عينه بقربه من ربّه عز وجل في الآخرة، وقرّت عيـنه أيضا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرّت به كل عين، ومن لم تقرّ عينه بالله تعالى تقطعّت نفسه على الدنيا حسرات 4 .

أحوال الخاشعين في الصلاة

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة، قيل: لا يُتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل). هذا قول عمر بن الخطاب في صدر الإسلام، ماذا عن واقعنا نحن اليوم، والكثير -إلا من رحم ربي- تذهب به أحوال الدنيا كل مذهب، فهو يصلي ببدنه ولكنه يذهب بفكره إلى الدنيا وأسواقها، يبيع ويشتري، ويزيد وينقص… وما ذاك إلا من الغفلة. وقال الحسن: سمعهم عامر بن عبد قيس وما يذكرون من ذكر الضيعة في الصلاة، قال: تجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لئن تختلف الأسنة في جوفي أحب إليَّ أن يكون هذا في صلاتي).

أخي الحبيب: ما بالنا عن الصلاة معرضون ولواجباتنا مضيعون. لقد كان عبد الله بن مسعود إذا قام في الصلاة كأنه ثوب ملقى. وكان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد.

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ هذا عبدالله بن الزبير يركع، فيكاد الرخم يقع على ظهره، ويسجد فكأنه ثوب مطروح. إننا نستغرب من ذلك الخشوع وتلك الطمأنينة وما ذاك إلا لأننا لا نرى هذا في واقع حياتنا وإلا فإن العنبس بن عقبة كان يسجد حتى تقع العصافير على ظهره، فكأنه جذم حائط. ونسير مع الصالحين … فهذا أبو بكر بن عياش يقول: رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجداً، فلو رأيته قلت ميت)، يعني من طول السجود. وكان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير. أما ابن وهب فقد قال: رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب، صلى، ثم سجد سجدة، فلم يرفع حتى نودي بالعشاء). ولم يكن يشغلهم عن الصــلاة شاغل، ولم يكــن بينهم وبين الله حائل، فالانتباه مقتصر على الصلاة والخشوع لله والتذلل بين يديه. وكان الإمام البخاري يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة، قال: انظروا أيش آذاني). وعن ميمون بن حيان قال: ما رأيت مسلم بن يسار متلفتاً في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية المسجد ففزع أهل السوق لهدته وإنه في المسجد في صلاته فما التفت). وعندما سُئل خلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال: لا أُعوِّد نفسي شيئاً يفسد علي صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت سياط السلطان فيقال: فلان صبور ويفتخرون بذلك، فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة؟!!). وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع. قال القاسم بن محمد: غدوت يوماً وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلِّم عليها، فغدوت يوماً إليها فإذا هي تصلي الضحى وهي تقرأ رضي الله عنها )فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ الطور27، وتبكي وتدعو وتردد الآية، فقمت حتى مللت وهي كما هي، فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت: أفرغ من حاجتي ثم أرجع، ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد الآية وتبكي وتدعو). وعن حاتم الأصم رحمه الله أنه سئل عن صلاته فقال: إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي: أظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيراً بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل وأركع ركوعا بتواضع وأسجد سجوداً بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا؟) وهذه وصية بكر المزني تنادي بالحرص على الصلاة وإتمامها على وجهها الصحيح إذ قال: إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل: لا أصلي غيرها). ورغم تلك العناية بالصلاة وشدة المحافظة عليها فإن عثمان بن أبي دهرش قال: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت الله تعالى من تقصيري فيها).

إخواني… لله درّ أقوام امتثلوا ما أمروا، وزجروا عن الزلل فانزجروا، جنَّ عليهم الليل فسهروا، وطالعوا صحف الذنوب فانكسروا، وطرقوا باب المحبوب واعتذروا، قال تعالى: إني جزيتهم اليوم بما صبروا.. ولكن!! كيف السبيل إلى الخشوع في الصلاة؟ وما هي الوسائل التي تعين على ذلك؟ هناك أخي المصلي أسبابٌ يرجى لمن فعلها أن يرزق الخشوع في الصلاة وهي على قسمين:

أولاً: أسباب لا تتعلق بالصلاة وهي:

1- توحيد الله عز وجل في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.

2- تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى والإخلاص له ومراقبته في السر والعلانية.

3- تجريد الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم.

4- تقوى الله بفعل المأمورات وترك المحظورات.

5- أكل الحلال الطيب والبعد عن الحرام وتجنب الشبهات.

6- الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بأن يرزقك الخشوع.

7- صحبة الخاشعين ومسايرتهم.

ثانيا: أسباب تتعلق بالصلاة، منها:

1- اجمع نفسك وأحضر قلبك قبل الدخول في الصلاة.

2- استشعار عظمة من ستقف أمامه وهو الله عز وجل.

3- الرجاء في الحصول على ثواب الصلاة كاملاً.

4- إحسانُ الوضوء وعدمُ الإسرافِ وتركِ الأعقاب (مؤخرة القدم).

5- تهيأ قبل الدخول في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم “لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان” 5 ، وليكن المكان مهيأً للصلاة.

6- الحذر من التهاون في أداء الصلاة مع الجماعة والسعي لها مبكرا مع الأذان.

7- لا تدع النوافل وبخاصة الرواتب كالوتر وسنة الفجر وعليك بقيام الليل.

8- تفكر في معاني الآيات والأذكار التي تقرأها وترددها.

9- لا تتعجل في صلاتك ولا تكن الصلاة أهون شيء عندك تؤديها كيفما كان.

10- التأدب في الصلاة بعدم الحركة أو الالتفات أو العبث المنهي عنه.

11- التزم بأحكام الصلاة وآدابها، واجعل نظرك في موضع سجودك، قال صلى الله عليه وسلم “صلوا كما رأيتموني أصلي” 6 .

12- تابع الإمام فإنما جعل الإمام ليؤتم به.

13- فرغ قلبك من شواغل الدنيا فهي كلها بما فيها من فتن وشواغل لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

14- تجنب الصلاة في الأماكن التي فيها ما قد يشغلك.

15- صلِّ صلاة مودع فكل من نعرفهم رحلوا بعد صلاة مكتوبة وأنت لا بد منهم.

أخي المسلم، قال عليه الصلاة والسلام “ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كله” 7 .

فالخشوع أمره كبير، وشأنه خطير، ولا يتأتى إلا لمن وفقه الله لذلك، وحرمان الخشوع مصيبة كبيرة وخطب جلل ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: “اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع” 8 جعل الله لنا من العمل أصوبه وأخلصه، ومن الأجر أتمه وأكمله. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن دعاء لا يستجاب له، اللهم تجاوز عن سيئاتنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.


[1] تفسير ابن كثير.\
[2] المدارج 1/520.\
[3] المدارج 1/521.\
[4] الوابل الصيب ص:40.\
[5] رواه مسلم.\
[6] رواه البخاري.\
[7] رواه مسلم.\
[8] رواه الترمذي بسند صحيح.\