اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أكرمت خلقك بالإسلام، وهديتهم للإيمان، من تقرب إليك أحببته، ومن اعتمد عليك وفقته ومن استنصر بك نصرته، من نافقك خذلته، ومن حارب دينك وأولياءك كشفت أسراره وأظهرت عواره حتى إذا تمادى في طغيانه قصمته وأخزيته. والصلاة والسلام على محرر الإنسان من كل عبودية لغير خالق الأكوان، وهادي البشرية من الانحراف والبهتان، وكاشف زيغ الطغيان بالحق والحجة والبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. 

لقد اقتضت حكمة الله في كونه أن يكون للدعوة على مر العصور جنود وأنصار، يدافعون عنها ويذودون عن حياضها ويتصدون لكل باغ ولكل معتد على حرمات الدين وعلى حقوق العباد، فيسعون لتحرير دين الله من كل تحريف أو زيغ أو استغلال خاص، كما يبذلون الغالي والنفيس لتنوير العباد بحقيقة دين الله وتحريرهم من كل عبودية لغير الله ومن كل استخفاف بعقولهم وكرامتهم.

كما اقتضت حكمة الله جل علاه أن يكون لكل دعوة جادة أعداء ومعارضون يصدون الناس عنها ويحاربون أهلها، متهمين إياهم بشتى صنوف الانحراف والضلالة والسفاهة.

ووفق مراد الله ينشأ تدافع بين هؤلاء وهؤلاء، وهو أساس صلاح الكون إذ لولاه لفسدت الحياة والنفوس، وقد يتوهم البعض أن التصدي للباطل له آثار سلبية وضرر أحيانا يضخمها كثير من السذج السطحيين، ولكن الحق جل علاه يبين أن الفساد المترتب على المدافعة والضرر المتوقع من الجهاد؛ لا شيء – وإن عظمه الناس وكرهوا الجهاد من أجله – في مقابل ما ينتج عن ترك الجهاد من فساد؛ ولذا أهمل سبحانه ولم يذكر ما يترتب على المدافعة والجهاد من مفاسد؛ لأنها لا تساوي شيئا بالمقارنة مع تلك المفاسد العظيمة المترتبة على ترك الجهاد. قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ (البقرة: 251).

طالع أيضا  الابتـلاء للمؤمـن

وقال تعالى: وَلَوْلا دَفْاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج: 40-41).

فالله ذو فضل على العالمين بما شرعه للمسلمين من فريضة دفع فساد الظالمين وإفسادهم وجورهم، وبما قدّره من علو توحيده وغلبة المؤمنين الذين تصلح بهم الأرض، ولو بعد حين..

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لترك مدافعة الباطل وإهمال التصدي للظالمين عقوبات ربانية منها على سبيل المثال لا الحصر، أن يسلط الله على الأمة ذلا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها.

فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان. ويخضع هذا التدافع لقوانين ونواميس لا تتبدل ولا تحيد على مر الأزمان والأجيال.

والمؤمن يرى الأشياء بمراد الله عز وجل فهو بين أمرين، بين فعل رباني لا دخل له فيه، وبين فعل بشري مطالب بإتقانه وبتوخي الحكمة فيه، بين الرضى بقضاء الله وقدره، وبين بذل الجهد واستفراغ الوسع للدفاع عن دين الله وتحمل أذى الظالمين وفضح أساليبهم ومكرهم في الصد عن سبيل الله ودعوته الصادقة النقية الطاهرة.

ومن هنا ينشأ الابتلاء والاختبار الذي هو أصل الحكمة من الوجود: يبدو ذلك جليا في الآية الأولى والثانية من سورة الملك وهي قوله تعالى:

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك: 1-2).

طالع أيضا  الابتلاء سنة ربانية وقدر إلهي -2-

 هكذا جرت سنة الله في الحياة الدنيا أن تبنى على الابتلاء، ابتلاء في العيش ابتلاء في الجسد ابتلاء في المال ابتلاء في الأهل والولد ابتلاء في الدين وفي الثبات في الدين وهو أرقى الابتلاءات وأجلها.

والناس جميعهم يشتركون في الكثير من هذه الابتلاءات ويتفاوتون تحملا وصبرا عليها.

وكل هذه الابتلاءات ما هي إلا امتحانات يمتحن الله بها عباده ليميز الخبيث من الطيب، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (آل عمران: 141). والفتن والابتلاءات التي يتعرض لها أهل الإيمان وأهل الدعوة كثيرة:

 إنها تعرض المؤمن للتضييق وللأذى والاضطهاد من الباطل وأهله، ويزداد الابتلاء شدة حينما لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه الأذى، وحينما لا يملك لنفسه النصرة أو المنعة ولا يجد القوة التي يواجه بها الظلم والطغيان. ألم يتعرض سيد الخلق لمثل هذا لابتلاء، لكنه لم يلن للظلم ولم يستكن بل بذل الجهد والغالي والنفيس ة وتحمل واستعان بالله تذلل وانكسر أمام خالقه جل علاه شاكيا الأمر لرب الأرباب: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.

حينها جاءه السند والفتح والمدد، واستجابت لدعوته كائنات لم يتوقع استجابتها، ومن مكان لم يخطر بباله في يوم من الأيام: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (الأحقاف: 29).

طالع أيضا  الابتـلاء للمؤمـن

واشتداد الابتلاء يقع بناء على جريان سنة الله في خلقه لغايات يقدرها الحكيم بحكمته وعلمه، وقد يدرك العبد المؤمن بعضا من هذه الحكم لعل أهمها:

1-لتطهير النفوس وتزكيتها فتصفو من حظ ذاتها، من مطامعها ومن شهواتها، من أدرانها وأحقادها، من قيودها وأصفادها التي تكبل سيرها وسلوكها لله عز وجل، لتفر إلى الله متحررة من كل الأثقال مستجيبة لنداء الحق طوعا أو كرها: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (الذاريات: 50).

2- لتمحيص الخلق ولتمييز الصفوف حتى يظهر كل على حقيقته: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت: 2-3).

3- لتجلية الحقائق فتبدو حقيقة أن الله هو الناصر جلية لا غبش فيها ولا غموض: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ (الأنفال: 10).

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا (النور 55).