يحل 8 مارس هذا العام وحال المرأة المغربية على ما هو عليه، بل ينحدر نحو الأسوإ، سنة أخرى تتكرر بنفس صور البؤس والظلم والمعاناة، وتنضاف إليها مصطلحات أخرى ليكتمل المشهد معززا أسلوبا رسميا عنوانه التهميش والحكرة في حق هذه المرأة التي رفع الإسلام شأنها وقدرها حق قدرها.

إن المتأمل للوضع الاجتماعي للمرأة المغربية اليوم، يجدها تعاني الأمرين، في غياب لأي استراتيجية فعلية من الأجهزة الرسمية للاهتمام بشأنها، وصون كرامتها، وحمايتها من تقلبات الدهر.

ويكفي أن نلقي نظرة على بعض التقارير المحلية والدولية ليتأكد لنا بالملموس هذا الانحدار الخطير؛ فعلى سبيل المثال التدهور الذي يشهده القطاع الصحي بالعالم القروي بالمغرب والذي يؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات من ساكنة هذا المجال، وأغلبهن أمهات حيث بلغت نسبتهن حوالي  75%، وذلك حسب تقرير قدمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شهر يناير الماضي.

فيما أكد تقرير آخر أصدره بداية هذه السنة برنامج الأمم المتحدة للتنمية، رصد فيه واقع التنمية البشرية في عدد من الدول الإفريقية، أن 11% من النساء في المغرب يعانين من التمييز العنصري؛ وأضاف أن النساء المغربيات، خاصة في البوادي، لا زلن يعانين من مشاكل اقتصادية كثيرة ومن صعوبة الولوج إلى الخدمات الاجتماعية.

قساوة ظروف العيش، وغياب اهتمام الدولة، وشح الالتفاتات لهذه الفئة يدفعهن للبحث عن لقمة عيش حلال أينما كانت في تحد جريء لخشونة الظروف، ومن هؤلاء صنف اشتهر لسنوات بممارسة تجارة لا تخلو من مخاطر، وهن نموذج لنساء ضحايا سياسة التهميش الرسمية، نساء اخترن ممارسة سياسة تهريب البضائع بمنطقة الشمال، ليستمرن في العيش.

كبيرات في السن يسرن منحنيات بفعل البضاعة الثقيلة المحملة على ظهورهنَّ لتهريبها من سبتة المحتلة نحو الفنيدق، من أجل لقمة عيش، هن نساء تطلق عليهن ألقاب كثيرة من قبيل “الحمّالات”، “البراكديات”، و”مهرّبات البضائع”، لكون هذه البضائع لا تخضع للرسوم الجمركية، نساء من أعمار مختلفة وأغلبهن فوق سن الأربعين، يكفي أن تلقي نظرة عليهن وهن محملات لتستخلص حجم عذابهن اليومي لانتزاع لقمة العيش من فم سبتة.

طالع أيضا  بعيون النساء.. العنف الاقتصادي ضد المرأة تمارسه الدولة والمجتمع

ما يدفع هؤلاء النساء إلى ركوب مخاطر التهريب من أجل لقمة عيش حلال، عبر اجتياز مَعْبرَ سبتة المُحتلّة منذ ساعات مبكرة من كل يوم من الإثنين إلى الخميس، هو العوز والهشاشة والتهميش التي تحاصرهن كل يوم، فلا يجدن مخرجنا منها سوى هذه الطريق المحفوفة بالمَهانة والألم النفسي والجسدي.

ورغم التقارير السابقة لمنظمات حقوقية محلية ودولية، والتي تطرقت لظروف النساء “البراكديات” وما يقاسينه، تغيب أي مبادرة رسمية للتخفيف من أوجاعهن وتسوية أوضاعهن عبر توفير مصدر عيش كريم لهن ولأسرهن.

فئة أخرى تشكل استمرارا للتهميش ذاته بمختلف القطاعات، فئة يطالها من الظلم الاجتماعي ما طال شقيقاتهن في الوطن والظلم، وان تنوع شكل المعاناة فهي واحدة. فإلى جانب الحوامل اللائي يتوفين بالمداشر بسبب غياب المراكز الصحية وعوز الأسر لوسائل النقل، ومشاهد المستشفيات العاجة بالنساء في أوضاع حاطة بالكرامة الإنسانية، تنضاف فئة أخرى من النساء اللائي نلن نصيبهن من سياسة التجاهل الرسمية، التي تزيد من حدة المرض وتطيل المعاناة مع الألم حتى “الموت الرحيم”، هذه الفئة هن النساء اللائي يعانين من الأمراض النادرة، واللائي تبلغ نسبتهن من بين المرضى المغاربة حوالي 80%.

نقص المعلومات عن هذه الأمراض لا يزال واضحا لكل من المرضى والمهنيين. ويشكل تشخيص الأمراض  النادرة كذلك صعوبة قصوى، لأنها في كثير من الأحيان تصيب عدة أجهزة مما يضاعف من عدد الأعراض والمظاهر السريرية ويجعلها مربكة.

ينتج عن ذلك عزلة لا تطاق للمرضى وأسرهم ومسار علاج محفوف بالمعاناة، وعادة ما يتطلب تحديد التشخيص من سنتين إلى عشر سنوات، وحينها يمكن أن يوصف العلاج المناسب. لكن عددا كبيرا من المريضات يتم الاعتناء بهن فقط على أساس أعراضهن ولا يتم أبدا تشخيص مرضهن.

هذا النوع من الأمراض التي تتعدى اليوم المائة، هي السبب الثالث للوفاة بعد السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، ويصيب ما بين 7 إلى 10٪ من المغاربة، 80٪ منهم نساء.

طالع أيضا  الرويسي: لا نعاني من غياب القوانين بقدر ما نعاني من غياب تفعيلها

لا يمكننا حصر لائحة المعاناة فيما ذكرنا سالفا، لأن عدد ضحايا السياسة العامة من النساء يتزايد سنة بعد أخرى، وينتقل من مجال لآخر بسبب فيروس الفساد والاستبداد المستشري.