في البدء

إن هذا الأدب يتميز عن غيره من الآداب بما يحمله من خصائص ومميزات وعناصر تجعله أدب الدعوة والجهاد والتعبير عن العقيدة والحياة والكون. أدب يأخذ تميزه من المرتكزات التي ينبني عليها، وهي كونه أدبا رباني المصدر، رباني الغاية. أدب أسلم القياد لله، ولدينه، ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتألق نجمه بين باقي الآداب الماجنة المارقة، الفاضحة الكاشفة، المغرية بالحياة ووساوسها. أدب يصدر عن قلب مؤمن مطمئن بالله وبرسوله، وعن فكر، يستمد نورانيته من الوحي: من كتاب الله ومن سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فينطبع بهما ويتعلق الروح بما جادت الأقلام به، من نبعهما تستقي راضية مرضية، منقطعة الصلة من حيث المضمون عن الآداب الدوابية الكاسحة، مستفيدة من حيث الشكل من كل المقومات الفنية والجمالية التي أسهمت الحضارة الإنسانية في بنائها. ليس كل ما ينقل عن الآداب الأخرى مدعاة للفرح وللتمثل، وليس جميع ما جادت به الفنون معيبا خاضعا للرفض. فقد يكون الاختلاف حول قضية من القضايا وسيلة للاتفاق، لكن الاختلاف الجوهري بين الأدب الإسلامي، وبين الآداب الأخرى التي تختلف من حيث المنطلقات الفكرية والثقافية عن تلك التي ينطلق منها هذا الأدب الحامل لواء الرسالة، المنافح عن الحنيفية السمحة، لا يدع مجالا من حيث المضامين للاتفاق، إذ أن الهوة سحيقة بين ما يدعو إليه أصحاب المذاهب والمدارس والاتجاهات الأدبية التي تؤسس فكرها على معاداة الدين، وبين ما يحمله رواد الأدب الإسلامي من معان وقيم ومبادئ، تسهم بحظ وافر في ربط العبد بربه أولا، وفي جعله يفتح عينيه على الكون والحياة والوجود، ويعتبر بنظره إلى خلق السموات والمجرات والجبال والأراضين والآفاق الرحبة الواسعة، والنفوس القريبة، تأملا وتفكرا وتذكرا حتى يتبين له أنه الحق، مما يكون مؤسسا للإسلام وللإيمان وللإحسان. فالأدب الإسلامي له ما يميزه عن غيره من الآداب فإذا كانت الإسلامية قد أبدعت أدبا وفق هذا النوع أو ذاك، أي في دائرة الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح.. إلى آخره.. وإذا كان هذا الأدب ينبثق بالضرورة عن منظور متميز، أو رؤية متفردة، هي الرؤية الإسلامية بخصائصها ومميزاتها جميعا، أفلا تكون الإسلامية بالتالي مدرسة أو منهجا متميزا بين الآداب بمذاهبها كافة ؟ فإذا كانت الاشتراكية، مثلا تنبثق عن منظور مادي للكون والحياة والإنسان، فإن الإسلامية على النقيض من ذلك، ترفض الرؤية الأحادية وتضيف للمنظور بعدا روحيا، بعدا غيبيا يتجاوز المحدود إلى المطلق، والحسي إلى المعنوي، وعالم الظاهر إلى عالم الباطن، والصراع في صيغة الطبيعة الإنتاجية إلى الصراع في صيغه الإنسانية الشاملة. وإذا كانت (الطليعية) مثلا، تنبثق عن منظور عبثي لا معقول، فإن الإسلامية، على النقيض تماما، تقوم على الهدفية والمعقولية والجدوى، وترى في العالم والتاريخ والمجتمع فرصة للتحقق بالمصير وإذا كانت الرومانسية مثلا، تبحر بعيدا باتجاه العاطفة البشرية وتنساق مع منازعها وأشواقها.. وإذا كانت (السريالية) توغل باتجاه الطبقات البعيدة للنفس البشرية حيث تلعب الغريزة دورا تحكميا في أنماط السلوك، فإن الإسلامية، إذ تعطي مساحة ما لهذا كله، فإنها تتجاوزه صوب “الآخر” بعيدا عن “الأنا” وباتجاه القدرة على السيطرة وصياغة المصير، بعيدا عن التسيب والضبابية والفوضى التي تتمخض عن إطلاق العنان لغرائز الإنسان في عوالمه السفلية المحتمة.. وحيثما قلبنا الأمر على وجوهه رأينا في التضاد المتميز للإسلامية عن سائر المذاهب الأخرى ما يجعلها تحمل مذهبيته الخاصة، وما يمنح معطياتها الأدبية مواصفات وخصائص لا نكاد نجدها في أي مذهب آخر.) 1 . على ضوء ما سبق نرى أن للأدب الإسلامي مميزات وخصائص وسمات نوردها كالآتي:

1- الربانية

الأدب الإسلامي رباني المصدر، رباني الغاية، أي أن مصدره هو الوحي (الكتاب والسنة) ويستهدف الإنسان لربطه بالخالق، ولفتح عينيه على الغاية من خلقه كي لا يضيع وسط زحمة الحياة وما تعوج به من أحداث وصراعات ومجريات. وهذه الربانية هو ما يمنح للأدب سمته الإسلامية، ويجعله أدبا راقيا يسمو بذوق الإنسان وبفكره وبروحه. ويربطه بربه. بما ارتضى الله لعباده الإسلام شرعة ومنهاجا بقوانينه وقيمه. والأدب بأثره الجلي في توجيه انفعالات الناس وترشيد أفعالهم، وتنوير بصائرهم نحو الكون وتناسقه، والحياة وغايتها، لا يعقل أن يظل بمنجاة عن منظور هذا المنهاج الشامل، أنه حميم الصلة بالفرد والجماعة، صميم الرباط بالأمة والمجتمع، فغدا الأدب في ظل شريعة الإسلام موجها وجهة إسلامية ملتزما بالتعبير الحي الصادق عن هذا المنهاج بأبعاده الشمولية.) 2 . فهذا الأدب ينبع من القرآن ويستجيب له، ويأخذ مفاهيمه وعناصره الفكرية ومضامينه منه، ويستقي قيمه وتعاليمه من السنة المطهرة، بل يعززهما في تبليغ الرسالة، وبيان الحق للناس: إن كان من المعقول أن يتدرج الأدب الإسلامي والفن والمسرح والشعر في جهاد تميزه عن الأدب الكاسح المادي، فاكتماله يرجى يوم يعبئ الطاقات الأدبية بشجاعة وصدق ليقف صفا متراصا خلف الكلمة القرآنية والبلاغ النبوي.) 3 . إنما يستجيب لهذا الكتاب الذين يسمعون، الذين أشربت قلوبهم إيمانا صادقا، وحشيت بواطنهم فهما وحكمة، فعقلوا وفهموا الدور الكبير لهذا الكتاب في تغيير حال الفرد والأمة، فيغدو منبعا للتلقي والأخذ، للورود والصدور: إنما يحتكم إلى القرآن، ويرقي فهمه إلى التلقي عن القرآن، ويحفظ حرمة القرآن، من كان القرآن ربيع قلبه، والنظر فيه قرة عينه، والامتثال له راحة روحه، لا يضيره مع هذا أن يستفيد من علوم الأئمة، وما من علم تناولوه إلا وهو في خدمة القرآن، مستنبط من القرآن، راجع إلى القرآن، صادر عن القرآن، والسنة مبينة منيرة. لا تجد هذه الفراشات الهاجمة على النار، الجريئة على القول بغير علم، إلا من صنف الذين غرست في نفوسهم محبة الفلسفة والعلمانية وثقافات الكفار، أشربوا الغرب الجاهلي والشرق الجاهلي في قلوبهم، فعن ذاك المشرب يُتَرْجِمون، لا ينتهي إعجابهم بالحضارة المعاصرة، ولا يملكون من التمييز ما به يدركون عُوارَها كما يدركه العقلاء من أهلها أنفسهم.) 4 . وقد تنبه الأولون ممن عرفوا للقرآن قيمته وجعلوه منطلقهم في بيان الحق إلى قيمة هذا الكتاب وإلى دوره في التربية، وأفضاله على الإنسان في كل مناحي حياته، ولم يهنأ لهم بال، فراحوا يستمدون المعاني والقيم من القرآن، يحتفون به وبأفضاله، ونشأت العلوم العديدة تستهدف صون هذا الخير العظيم من أن تمتد إليه الأيادي بسوء وأني لها ذلك لأنه محفوظ من الرحمان: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 5 . وقد دارت حول إعجاز القرآن الكريم نقاشات طويلة بين القول بالصرفة عند النظام ممثل المعتزلة، وبين الإعجاز البياني والعلمي والتاريخي والعددي، كما عند الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، والجرجاني في كتابيه أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، وعند الخطابي في كتابه بيان إعجاز القرآن، والرماني في كتابه النكت في إعجاز القرآن، والجاحظ والألوسي والرافعي والعقاد، وعند مصطفى محمود والزنداني وزغلول النجار وغيرهم ممن تناولوا إعجاز القرآن قديما وحديثا. ولا سيما بعد أن ادعى الكثيرون القدرة على الإتيان بمثل ما جاء به القرآن الكريم ومنهم ابن المقفع، وشمس الدين قابوس بن وشمكير وابن الراوندي والمتنبي وقبلهم في سخافاتهم مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة بن خويلد وسجاح بنت الحارث بن سويد.


[1] د. عماد الدين خليل في مجلة المشكاة العدد: 18، السنة: 1414ه.\
[2] د. مصطفى عليان في مجلة الأمة العدد: 42، السنة: 4 – جمادى الثانية 1404، ص: 34.\
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، المنظومة الوعظية.\
[4] الأستاذ عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ ص: 11.\
[5] سورة الحجر، الآية: 9.\