توطئة

كنت قد وعدتكم بالتأمل في مطلب الإحسان بعد التوحيد، لكن قراءة متأنية لقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون 1، جعلني أبدأ بما بدأ به العدل سبحانه.
أبدأ بالعدل وهو إنصاف وقسط وإعطاء من غير جور أو إفراط أو تفريط، وهو كذلك وضع الأمور الصحيحة السليمة السوية وتسويتها في المكان الصحيح السليم السوي، وهو فعل لا يقوم به إلا من كان عدلا صحيحا سليما سويا، ظاهرا وباطنا، وإلا حكم عليه بالسفه والخرف، لذلك قيل في لسان العرب: العدل «ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور» 2.      
وكلما ذكرنا العدل، اعتقدنا وارتبط فهمنا بالحكم والقضاء، والقسمة السوية في الأرزاق، وعدم الشطط في استعمال السلطة في السراء والضراء، لكنه يستغرق جميع مناحي الحياة، داخل البيت وخارجه وفي الوظيفة والشارع، بل هو عدل مع الرب والنفس والغير، كما جاء على لسان سلمان الفارسي رضي الله عنه: “إنَّ لربِّكَ عليك حقًّا، وإنَّ لِنَفسكَ عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ” 3.
لذلك فإن الحديث عن هذا الشق المهم في الحياة العامة للناس (والمناسبة شرط)، اهتمام بأمر المسلمين ونصرة للمظلومين، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يهتم للمسلمين فليس منهم” 4، فإن ذلك من شأنه أن يسهل على المكلف فهم التكليف والتكاليف، وفهم الحق والواجب، وفهم الحرية وحدودها التي نستثقلها جهلا أو خوفا.
وأبدأ بالعدل لأنها “كلمة جامعة ومطلب أساسي في عصر أصبح فيه قسمة الأرزاق وإنتاجها وتمويل عملية التنمية وتنظيم ذلك تحديا قاتلا في وجه الأمة” 5، فإن إعمار الأرض عمل صالح معتبر للإنسان، وبالمقابل، فإن الظلم خراب للديار يثاب عليهما في الدنيا والآخرة. وأعظم به من ثواب في الدنيا شعورك بالانتماء إلى من تحبهم ويحبونك، وتهتم وتغتم لغمهم، وتفرح لفرحهم، وتنصرهم أو ينصرونك لرد الظلم المسلط علينا وعليهم.
العدل من الحفظ إلى الطلب
في عهد الشورى كان الحاكم يستمد شرعيته وسلطته من الجماعة ذات الإرادة الحرة في التولية والعزل، وكانت لهم الإرادة كذلك على محاسبة الحاكمين إذا تعارضت مصلحة الجماعة مع المصالح الضيقة لهؤلاء، والقصص في الباب كثيرة ومتعددة، لكن بعد الانكسار السياسي، انفرط العقد وتشتت حال الأمة بعد انجماع أمر، فهال العلماء ما آلت اليه الأمة، فحرصوا كل الحرص على احتضان وحفظ ما تبقى من العدل، حيث “في ظله كانوا يحضنون ما تبقى متماسكا من عرى الإسلام” 6.
وقد أوذي في سبيل ذلك الكثير منهم، رحمهم الله، بعد القيام في وجه السلاطين، رفضا لتعليماتهم وتدخلهم في توجيه القضاء أو استصدار فتوى لتبرير ظلمهم وتسلطهم، فكان لذلك بالغ الأثر، رغم مظاهر الفساد والبذخ واتخاذ القينات ومجالس اللهو والغناء، والتي كانت منحسرة في القصور ولم تشع في الحياة العامة للناس، حيث عاشوا نوعا ما حياة الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي أو الأمن من الخوف، أو الأمن في السرب، أفرادا وجماعات، كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده رزق يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بأجملها” 7 وهي إشارة إلى استقرار المجتمع وانسجامه، وإن بدرجة أقل من دولة الخلافة السابقة والموعودة بإذن الله.
أما اليوم والسقف غير السقف والبيت غير البيت، ولم يعد هناك في حياة الأمة ما نحضنه، ألا يحق لنا أن نتساءل عن حال عدلنا واقتصادنا وحكامنا وسياساتنا الداخلية والخارجية؟ لم يحكموننا بغير ما أنزل الله؟ وإلى أي وجهة يقودون البلد؟ انفرطت كل العرى، وتشبث الناس بآخرها، ففي أي مجال من مجالات حياتنا تجد المصداقية؟ لقد طمس الله على قلوبهم بل على بصائرهم، أفلا يسمعون آهات المظلومين ودموعهم تنهمر ليل نهار تشكو حزنها وفاقتها إلى من وعد بالنصر والانتصار ولو بعد حين؟ أليس من العدل أن يحيى كل مواطن عزيزا كريما آمنا في سربه، له قوت يومه آمنا على دينه ووظيفته وبيته وأسرته في حله وترحاله؟ ألا يعلمون أن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي رهين بأمن الناس واستقرارهم؟
وللأسف، هؤلاء أهل بلدي، منهم من يموت عند أبواب المستشفيات وفي المداشر والطرقات، والمغرب المنسي يخبرك عن عدل ببلادي، وعن ضيعة بلادي…

طالع أيضا  مودة ورحمة 11: الإحسان في العلاقة الزوجية (فيديو)

لسنا في ضيعة أحد

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وفي الشهور الأخيرة كذلك، عرف المغرب حركة غريبة في توزيع ثروة البلاد والامتيازات على المقربين من مختلف المناصب، وعلى كل من أظهر الولاء للحاكمين وأحسن طقوس التبتل والتقرب والزلفى إليهم، فكانت القبضة قوية على الأرض والعباد.
ومن تجليات ذلك، أذكر، تفويت جزء من الأراضي المسترجعة، خاصة بسهل الغرب، في شكل ضيعات، محروسة بالإنس والحيوان، على أولئك المحظوظين والمتفوقين في اجتياز امتحانات التخرج بامتياز، تشعر بالرهبة عند مرورك بالقرب من ضيعة فلان أو فلان، لقد كان يملك الأرض والنسل، وكان السكان المجاورون يعيشون تحت رحمة المالك، بل كانت بهائمهم ملكا له إذا حامت حول الحمى، يتحكم في القاضي والقائد والشيخ والمقدم، كل يسبح بحمده، الكل خدمه… وشاية ونكاية حقدا وحسدا، بيعا وشراء في الذمم والأعراض، لهم اليد الطولى ولهم الأمر والنهي، لقد كانت ضيعاتهم أوكارا سرية ومشتلا لأفضل المزروعات وقهرا واستنزافا لعرق وجهد أبناء تلك المناطق بأزهد الأثمان، رجالا ونساء.
ومع مرور الوقت، وتطبيع الناس مع عقلية الضيعة، واستفحال هذه الظاهرة، أصبح المغاربه وكأنهم عبيد في ضيعة واحدة، تعدد الأسياد والعبد شعب جُهّل وأُنسي أنه ذات يوم ولد حرا، وأنه ضحى بالغالي والنفيس من أجل العزة والكرامة لطرد المستعمر، وأن حياة الرق ما هي إلا خدع نسجها خيال السيد كي يوهمنا بحتمية ما نحن فيه.
لذلك بات من العدل أن تفك الرقاب، رقاب الناس، ويعلموا جميعا أنهم ليسوا في ضيعة أحد بل في أرضهم ووطنهم التي يتسع للجميع.
لمطلب العدل مطالب
يقول الله عز وجل: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ 8.
لقد سيطر الظالمون على المجالات الحيوية لإنهاض الأمة: الاقتصاد والسياسة والتعليم والإعلام واللائحة طويلة، وحاصروا الصادقين بنهج سياسة تجفيف المنابع كما يزعمون، وهي سياسة ليست جديدة، بل هي نهج الطغاة منذ القدم: الفراعنة والقياصرة، والتاريخ حافل، فالله عز وجل عند ما أراد إهلاك فرعون وهامان وجنودهما، أوهمهم بإمكانية عبور اليم سالمين غانمين، فكانت نهايتهم.
لذلك لا نكترث لهؤلاء وأعوانهم، وإن طال ظلمهم واستبدادهم، لأن العدل منا هو اقتحام عقبة تحرير الأنفس التي بين جنبينا ثم تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، إذ كيف يتم الإعمار والإنسان عبد لشهواته؟ وعبد للطواغيت بكل ألوانها وتصنيفاتها في عصرنا؟ كيف يتم الإعمار ولا تزال الأرزاق ظلما بيد المترفين يشترون بها دين وذمم العباد؟ ولقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذ المعنى جيدا، فهذا ربعي بن عامر يقول: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبا قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله” 9.
فكان ذلك منهم البرهان العملي القاطع على صدق الإيمان وصدق الاقتحام وصدق المحبة، يقول الله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم 10، ومحاب الإنسان: ماله ونفسه وولده، ونسي أن رأس الأمر كله دينه، يقول العدل سبحانه: إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم 11.
انظروا إلى أهل الباطل كيف ينفقون أموالهم في محاربة أهل الحق، انظروا إليهم كم وقتا يضيعون في التخطيط والكيد للصالحين، فهم لا يملون ولا يكلون، والغريب أن كثيرا من أهل الحق لا ينطقون، لا يساندون حتى بأضعف الإيمان، ولنرجع إلى السيرة ولنقرأ حياة الصحابة ولننظر، كم كلفهم نيل شهادة الإيمان، اقرأوا سيرة سيدنا أبي بكر وسيرة ذي النورين، أنفقا مالهما ووقتهما لأجل نصرة هذا الدين، فكانا وكان غيرهما رجالا استحقوا وسام صدق الإيمان وصدق الاقتحام وصدق المحبة، ألم يقل فيهم ربهم سبحانه: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون 12؟ إنه وصف دقيق جدا لمن صفيت سريرته وصدقت محبته.

طالع أيضا  كتاب “الإحسان”، سيرة عبد السلام ياسين التربوية

العدل مشروع مجتمع

لا مناص من مشروع مجتمعي، يجمع بين الغايتين الإحسانية والاستخلافية، بين الخلاصين الفردي والجماعي، مشروع مجتمعي غايته تعبيد الناس لله، لكن، لا ننس ونحن في سيرنا الحثيث اليه سبحانه، أن أذن الجائع لا تسمع إلا مناديا يبشر بالخبز والأمن والمأوى وحقوق الإنسان والمساواة وحق الشغل… فلا ننشغل بالتحليق وننس الأرض ومن عليها، بل لا بد من كشف “المصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها” 13، فلا إعمار بدون عدل، والعدل هو الخلاص الجماعي، أو الشأن العام بتعبير العصر، لأن الظلم خراب الأمم، وان الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
نعلم جميعا أن “الاضطهاد في الرزق وفي المقومات الأرضية مقترنا بالاضطهاد في العقيدة والشرع” 14. والاضطهاد لا مسوغ لمواجهته بالعنف، لأنه ليس منهجا نبويا، بل إن “إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين (تقترن) بالتحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا لله عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي” 15. هي غضبة لله تبني ولا تهدم، تجمع ولا تشتت، تفضح الظالمين ولا تسترهم، غضبة لله “تنقلنا من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام” 16.
وقد دعا الإمام المجدد، رحمه الله، في هذا السياق إلى جهاد التعبئة أو المشاركة الشعبية في البناء، خاصة في ظل الدولة التي ترنو إلى العدل، لأنها سترث تركة خربة، على كافة الواجهات، ومن هنا فتَسْطين المشروع يبدأ بإعطاء البرهان منا “كما بدأ الإمام عمر بن عبد العزيز بنفسه وأهله، يجب أن تكون حالة جند الله المالية والسلوكية شفافة في عين الشعب” 17، وما يتبع ذلك من عدل في توزيع الثروات وخيرات البلاد، لكن بعد عدل محو أمية الشعب وتثقيفه وتعليمه الحق والواجب و“قسمة التضحيات إلى جانب العدل في قسمة الأرزاق” 18.
خلاصة التأمل
وختاما فإعمار الأرض وإحياؤها، كما أراد الله ورسوله أخذا بأسباب التدافع والعلوم الكونية والأرضية المطلوبة، هو مشروع إلهي كبير وأمانة تحملها الإنسان، فيجب الوفاء بها، يقول سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 19.

طالع أيضا  الشخصية الإحسانية وأهميتها الجهادية

[1] النحل: 90.
[2] لسان العرب / باب اللام، فصل العين.
[3] حديث أَبِي جُحَيْفَةَ، رياض الصاحين.
[4] رواه الحاكم في “المستدرك” (4/356) وأبو عبد الله الدقاق في “مجلس إملاء في رؤية الله” (رقم/396) وابن بشران في “الأمالي” (رقم/395).
[5] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 77.
[6] ياسين عبدالسلام، مطالب الشريعة نظرات في الفقه والتاريخ، موسوعة سراج.
[7] رواه البخاري في الأدب المفرد.
[8] البلد: 11-16.
[9] ابن كثير في (البداية والنهاية، الجزء السابع، غزوة القادسية).
[10] آل عمران: 92.
[11] الأنفال: 2-4.
[12] سورة الحشر، الآية: 9.
[13] ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط1، سنة 1989، ص: 40.
[14] ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ط1، سنة 2000، ص: 393.
[15] ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط1، سنة 1989، ص: 40.
[16] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، ط1، سنة 1981، ص: 309.
[17] م. ن. ص: 305.
[18] م. ن. ص: 239.
[19] سورة الأحزاب الآية: 72.