في زمن هيمنت عليه معاني التواصل الأرضية المقطوعة عن الله واليوم الآخر، تلح علينا معاني التواصل القلبي بعمقها الروحي الإيماني الإحساني بما هي قاعدة العلاقات الإنسانية الراقية الغائبة عن دنيانا غيابا مذهلا. في هذه السلسلة التي يسعد موقع “الجماعة نت” بنشرها، يتحدث الأستاذ المجاهد أحمد الملاخ رحمه الله عن هذه المعاني مرتبطة بمجالي الدنيا والآخرة.

 

عقبى الدار يقابله سوء الدار. وهذا التقابل يفيد تحمل مسؤولية نتائج العمل الذي يؤدي إلى النجاة أو الهلاك، بعد بينة بليغة وواضحة. قال الله عز وجل: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأنفال 42). هذه البينة واضحة، قويم سبيلها، مفصلة معالم سلوكها، وتجنب مضان السقوط في ورطة التحنط في نتائجها. قال الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف 108).

إن سبيل الاتباع واضح بيّن مكتوب ومقروء في تاريخ الأمة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، يحمله من استقرأ التاريخ وتتبع البناء في شموخه ووصف سقطات من تخاذل ليجتنبها ويستعد لموعود الله في الدنيا قبل الآخرة، وفي الآخرة، حتما، موعد مع الله عز وجل، وهو القائل سبحانه: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (آل عمران 9). العاقبة للمتقين، وحسن الدار جزاؤهم احتسابا بما كانوا يعملون، وزيادة فضل من الله الذي يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.

الحياة بينة معالمها، واضح منهاجها. أرسل الإنسان إلى الدنيا ضيفا وموظفا، ووهبت له مواهب واستعدادات مهمة جدا. وعلى هذا أسندت إليه وظائف جليلة: العبودية والتفكر والمناجاة… فإذا ألقى الإنسان السمع إلى النفس والشيطان سقط إلى أسفل سافلين، وإذا أصغى إلى الحق والقرآن الكريم ارتقى إلى أعلى عليين وأصبح في أحسن تقويم في الدارين. والكلمة الفصل بين حسن الدار وسوء الدار يحكمها قانون التدافع بين الناس. قال الله عز وجل: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة 251)، كما قال عزمن قائل: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج 40).

طالع أيضا  إيقاظ همم الشباب

ونحن في هذا العالم، التبست على الناس مفاهيم كثر اللغط فيها وأهملت قواعد بنائها. فلم يعد واضحا الصراع والحوار والعنف والسلام… ذهب ضحية هذا الخلط والغموض فئات كثيرة من المجتمع شيوخا وشبابا، نساء ورجالا، وفرادى وجماعات مثقفين وأميين شعوبا وقبائل. هبت عليهم عواصف العنف والتضليل واتخذت أشكالا تدعى الفن والانفتاح والتحرر من كل التزام أخلاقي أو تشبت بقيم حضارية عليا، فسقطت في ترهات الفن المائع والموسيقي الماجنة والمهرجانات المهيجة للغرائز. فالحل الوسط، بدل الصراع، هو التدافعُ وهو والحوار الذي يتحكم فيه الأسلوب الحسن والاختيار الأمثل في تيسير سبل السلام.