شكل خبر إعفاء العشرات من الأطر التربوية على أسس سياسية مفاجأة، ليس فقط بالنسبة لمعظم الفعاليات السياسية والمجتمعية، ولكن كذلك لزملاء المعنيين بقرارات السلطة التعسفية والعاملين معهم الذين كانوا أكثر المصدومين بهذه الإجراءات، وذلك لما عرفوه عن زملائهم من إخلاص وتفان في أداء واجبهم المهني. ففي الوقت الذي كان يدعو فيه الجميع إلى إجراءات حقيقية لمحاربة الأمراض الإدارية المستفحلة في جسم الوظيفة العمومية إذ بالجهات الرسمية تتدخل لكن في الاتجاه المعاكس، وبدل مواجهة النقص الشديد في الأطر ومحاربة التسيب والعديد من الظواهر السلبية اختارت تأزيم الأوضاع وإرباك السير الطبيعي لمؤسسات الدولة بإعفائها للعشرات من الأطر التي شهد لها الوسط الذي تشتغل فيه بالجدية والكفاءة.
ولعل ما يزكي هذا الأمر حالة التضامن الواسعة التي أظهرها جل من يعرف الأطر المعفاة، حيث لم يبخل العديد منهم بالتعبير عن رأيه، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي.

اعتراف رسمي

“سمح ليا وصافي حنا عارفينك جدي وتعمل بإخلاص ولكن هدشي أكبر مني ومنك هي تعليمات جات من الفوق وحنا براسنا ما عارفينش علاش”.
بهذه العبارة ومثيلاتها نقل العديد من المسؤولين المباشرين للأطر المعنية بالإعفاء خبر إعفائهم من المهام الموكلة إليهم، تبرئة لأنفسهم وتعبيرا منهم على أن القرار كان فوقيا فرضته جهات دخيلة على الجسم التربوي منطلقة من دوافع واعتبارات سياسية هي أبعد ما تكون عن المهنية ومتطلباتها.
وما يؤكد ذلك شهادة مدير أكاديمية مراكش-آسفي السابقة التي أدلى بها للدكتور عبد الحكيم الحجوجي المدير الإقليمي لقلعة السراغنة في كلمة مرئية قبل قرار إعفائه مقرا فيها بكفاءته بقوله: “إضافة إلى حنكته كمُرَب ومُدَبر من خلال مجموعة المهام التي مر منها فهو مفكر ومنتج وله العديد من المؤلفات خاصة المرتبطة بالفكر الديني بكل مكوناته”.

طالع أيضا  د. حمودي: قرار الإعفاء عبث بمصلحة البلاد وبمستقبل المعفين

أطر تستحق التكريم

كما أعرب الدكتور محمد الدريج؛ أستاذ باحث في علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط  ومدير المعهد المتوسطي للبحث والتطوير، عن استغرابه لحالة إعفاء المفتش التربوي للتعليم الابتدائي السيد علي توعدي بسيدي إفني بقوله على حائطه الفيسبوكي أن “المفتش المذكور يستحق أن يحمل اسمه شارعا من شوارع تيزنيت أو أكادير”.
وفي هذا السياق رد آباء وأمهات وأولياء التلاميذ على قرار إعفاء السيد أحمد كنتاوي بطريقتهم، وذلك بتكريم خاص لحارس عام ثانوية الحي الجديد الإعدادية، بمديرية الداخلية، منتهزين حفل الاحتفاء بالمتفوقين الذي تم تنظيمه في المؤسسة المذكورة، للتعبير عن تقديرهم للسيد كنتاوي وإعلان تضامنهم ومؤازرتهم له في وجه التعسف الإداري الذي لحق به.

التفاني في خدمة الصالح العام

حالة المهندس أحمد شعيبي؛ رئيس بالمركز الإقليمي لمنظومة الإعلام (خلية الإعلاميات سابقا)  بمديرية سطات، شهدت موجة من التضامن الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة ممن سبق واشتغلوا معه، حيث تحدثت الموظفة ليلى رزقي بأسف على قرار إعفاء المهندس: “هذا إنسان عظيم وطيب وله أفضال على نيابة إقليم سطات، مخلص ومثقف، لن أنسى أفضاله علي بتكويني وتوجيهي، بفضله خدمت نيابة التعليم وكرست لها كل ما علمني هذا الإنسان العظيم، بفضله نجحت نيابة إقليم سطات، وا أسفاه لغياب هذا الإنسان النبيل الوفي لوطنه المتفاني في خدمة الصالح العام، تحياتي لك يا أستاذي العزيز”.
وكتب السيد أحمد السبولي “سي أحمد الشعيبي رجل متميز بدماثة أخلاقه وطيبته وروحه المرحة، إطار في المستوى المطلوب قل نظيره في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، رجل مراس وتجربة، أثبت خلال مساره المهني أنه جدير بالثقة لكونه يقدر المسؤولية حق قدرها بتجرد وجدية وإنتاجية”.
وزكى هذه الشهادات محمد سيف الدين عندما قال: “ما عرفت عليه إلا الاستقامة والإخلاص في عمله، كنا نلجأ إليه عندما تستعصي علينا بعض الأمور المهنية، ولا يتردد في الإجابة لتيسير المهمة، وما وسعي إلا التضامن معك السي أحمد”.

طالع أيضا  الإعفاءات من مهام بالوظيفة العمومية في ميزان حقوق الإنسان والمواثيق الوطنية والدولية

الإخلاص والمهنية

الأستاذ سعيد السيتل بدوره استنكر إعفاء المهندس في وزارة التربية الوطنية بمديرية طنجة السيد خالد ديدي قائلا: “المهندس الكفؤ بوزارة التربية الوطنية بالفحص انجرة بطنجة خالد ديدي، والذي عرف عنه إخلاصه في العمل وطيبوبته وابتسامته المعهودة وتفانيه في العمل، يتم إعفاؤه اليوم من مهامه بسبب انتمائه السياسي”.
وكذلك الحال بالنسبة للأستاذ توفيق حماس والذي أعفي من مهمة الحراسة العامة في ثانوية ابن رشد في مديرية برشيد الإقليمية، حيث قال عنه أحد الناشطين النقابيين ويدعى محسن: “لم أر مثل الأخ حماس أخلاقا وإنسانية ومهنية، نحن في 2017 و لا يزال المخزن يتحكم في كل شيء، حسبنا الله و نعم الوكيل، الأخ توفيق كفاءة عالية لا يحتاج من يهمهم الأمر لكي يعيش في بلاده، دمت طيبا وخلوقا وصبورا”.

زمن الرصاص يعود مجددا

وفي مديرية الناضور، وبخصوص إعفاء مفتش مادة اللغة الفرنسية السيد حسن ليستا، قالت الأستاذة والناشطة السياسية حياة بوترفاس عن مؤطرها: “مازالت الدولة المغربية تنهج سياسة زمن الرصاص في حق خيرة أبنائها، وهذه المرة تغتالهم برصاصة الإعفاءات من المهام في كل من وجدت فيه النزاهة والإخلاص في العمل. حزينة جدا وأعلن تضامني اللامشروط والمطلق مع مفتشي في مادة اللغة الفرنسية السيد ليستا حسن بعد إعفائه من مهامه كمؤطر تربوي ومفتش، أفضل خلق الله أخلاقا وتعاملا وكفاءة ونزاهة”.
وحول نفس المفتش قالت الأستاذة هدى ابن الخياط الزوكاري: “إنه العبث بالمنظومة التعليمية بأكملها، صدمنا بهذا القرار الجائر في حقك سيدي، تفانيت في عملك وعقدت لقاءات متعددة معنا نحن الأساتذة لتنويرنا وتمكيننا من الاطلاع على المستجدات التربوية. نأسف حقا لهذا، أنت تستحق التكريم، كل الاحترام لك سيدي المقتدر، هذا حال دولة ترمي إلى تحطيم القدوات، دمت قدوتنا ومثلنا الأعلى في التفاني في العمل”.
لنفس الرجل قال الأستاذ عادل عشاشة: “والله لم أجد رجلا طيب الأخلاق وفي قمة التواضع مثلك أستاذي الغالي فلي الشرف بمعرفتك ولا أزكي على الله أحدا”.

طالع أيضا  د. النويضي: قرار إعفاء أطر العدل والإحسان قرار سياسي ويدخل في مخطط

تحدي القرار

وفي نبرة تحد واضحة تحدى الفاعل النقابي السيد عبد الوهاب السحيمي وأستاذ التعليم الابتدائي في المديرية الإقليمية بشفشاون الإدارة بأن يكون لها أي مسوغ قانوني تستند له لإعفاء الأطر التربوية من مهامهم وبالذات في حالة المفتش التربوي السيد عبد المجيد الخطيب قائلا: “أتحدى الإدارة المخزنية الظالمة التي أعفت بطريقة تعسفية و قاهرة ودون تقديم أية توضيحات الأطر التربوية من مهامهم ومنهم المفتش التربوي الصديق عبد المجيد الخطيب بمديرية شفشاون، وأدعوهم بأن يأتوا و لو بخطإ مهني بسيط لهذا المفتش أو أية شكاية من أية جهة صادرة ضده، أو ما يثبت أنه استغل يوما موقعه ومنصبه لينشر أفكاره و أيديولوجيته، أتحداهم أن يثبتوا لي ذلك وليعزلوني نهائيا..
المفتش التربوي عبد المجيد الخطيب من أكفإ وأنزه وأخلص المفتشين بإقليم شفشاون، وتواضعه وطيبوبته جعلته محبوبا من طرف كل الأطر التربوية، ومنذ أن انتشر خبر إعفائه البائد حتى تقاطرت عليه رسائل الأساتذة والأستاذات بالمقاطعة التي يشتغل بها، يعبرون فيها عن امتعاضهم الشديد من هذا القرار التعسفي البائد”.