أزمة خانقة يعيشها قطاع الصحة بالمغرب، أزمة قد تكون الأسوأ في تاريخ البلاد بحسب معطيات مهمة كشفتها الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، في تقرير صادر عنها مؤخرا حول واقع الصحة العمومية.

التقرير أورد معطيات تؤكد “تفشي وانتشار الأمراض الوبائية والارتفاع المهول في عدد من الأمراض المزمنة غير الوبائية، مثل السكري وأمراض القلب والأورام السرطانية، وعودة غير معلنة لأمراض الفقر والأوبئة، التي سبق أن تم القضاء عليها في نهاية التسعينات من القرن الماضي كمرض الجذام، إضافة إلى ارتفاع ملحوظ في المؤشرات الكلاسيكية المتعلقة بمعدل وفيات الأمهات الحوامل والأطفال دون سن الخامسة، ومعدلات أمراض السل وفيروس الكبد”.

وحذر المصدر ذاته من “ارتفاع معدل الوفيات بسبب أمراض الإسهال والكوليرا والعدوى بالديدان والتهابات الكبد وأمراض القلب والشرايين والسرطان الذي يحتل المرتبة الثانية في أسباب الوفيات بعد مرض السل المقاوم للأدوية الذي قفز إلى 3200 وفاة سنة 2016. أما مرض السيدا فإن عدد المصابين حاليا 4 آلاف مريض، 65 في المائة من المصابين يجهلون إصابتهم بهذا المرض”.

وتابع التقرير في عرض سوداوية واقع هذا القطاع الحساس بالبلاد، وهذه المرة على مستوى مستشفيات الأمراض العقلية، والتي علق على وضعها باستحالة إدراجها في خانة المستشفيات الإنسانية، مشيرا إلى ألا علاقة لها بالصحة، ف“العشرات من المرضى النفسيين والعقليين يعيشون داخل منازل أسرهم ويهددون حياتهم. يتم احتجازهم وتكبيل البعض منهم بالسلاسل خوفا من هروبهم وقيامهم بجرائم القتل أو الأذى. وبعد إغلاق “بويا عمر” تم حشر المرضى في مستشفيات دون توفير المستلزمات والموارد، وبعد أسابيع أصبح 80 في المائة منهم في الشارع. وكشف التقرير عن وجود أزيد من 600 ألف شخص يعانون من اضطراب عقلي حاد، في ظل غياب سياسة وقائية وعلاجية تستجيب للحاجيات الحقيقية للمصابين وذوي الإعاقة منهم يتعرضون للتمييز والتهميش”

كما لفت التقرير إلى أن “أكثر من 95 في المائة من المرضى الذين يتوفرون على تأمين صحي يتوجهون للعيادات وللمصحات بالقطاع الخاص، رغم ارتفاع أسعارها. وتحول المستشفى العمومي إلى ملجأ وملاذ للفقراء وذوي الدخل المحدود الذين يتوفرون على تأمين صحي من المرضى، والذين لا يملكون القدرة على تكاليف العلاج بالمصحات الخاصة”.

ووجهت الشبكة المغربية في تقريرها انتقادا إلى الخطاب التبشيري والشعارات الكبرى وجلسات الاستماع والمناظرة الوطنية، التي “لم تمكن الحكومة من إخراج القطاع من أزمته المتعددة الأبعاد والمتناقضة المظاهر، وعدم القدرة على تلبية احتياجات الناس في الولوج للعلاج، بل وعدم قدرتها على تحقيق عدالة صحية سواء للطبقات المتوسطة أو للمحرومين من الفقراء والأشخاص ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة”.

كما اتهم التقرير الحكومة بمواصلتها، سنة 2016، “مخططا راميا إلى تدمير النظام الصحي العمومي، بعد استقالتها من مسؤولياتها تجاه صحة المواطن وتوقفها عند بلورة الاستراتيجيات، ودبج مجموعة من الشعارات الكبرى لتقديمها أمام البرلمان، دون أن تجد لها ترجمة على أرض الواقع، والاكتفاء بالعلاج بالمسكنات التي لا تعالج التشوهات والأمراض المزمنة التي يعاني منها القطاع الصحي”.

وكشف التقرير أن هذا الواقع الخطير الذي بلغه هذا القطاع راجع إلى “سوء الاختيارات وغياب الحكامة، وسوء التدبير والتسيير، وتفشي ظاهرة الفساد، خاصة على المستوى المركزي وفي أغلب المستشفيات العمومية”. إضافة إلى “ضعف التمويل وسوء التدبير والفساد الذي ساهم في إضعاف  قدرة المستشفيات العمومية على القيام بدورها في تقديم خدمات علاجية وصحية لائقة وذات جودة، مما يعرض أحيانا حياة مواطنين مرضى للخطر بسبب تزايد الأخطاء الطبية”.

في السياق ذاته حمل رئيس الشبكة علي لطفي الحكومة المسؤولية لفشلها في “إيصال الدواء والعلاج إلى ساكنة البوادي والقرى النائية والمناطق المهمشة من المغرب العميق الذي يفتقد إلى الحد الأدنى الضروري من البنيات الصحية الأساسية”، مذكرا أيضا ب“تراجع قدرة النظام الصحي على الاستجابة للحاجيات الملحة والمعبرة عنها من طرف الساكنة في المدن كما في البوادي. وكان من نتائج ذلك، ضعف ثقة المواطن في الخدمات الطبية العمومية، التي لم تعد مجانية، وتحمل المواطن العبء المادي الأكبر للخدمة الطبية مع غلاء أسعارها في القطاع الخاص، ناهيك عن دفع الناس من طرف الأطباء إلى التحول من القطاع العام إلى الخاص لإجراء فحوصات وأخذ علاجات، بهدف مراكمة الربح المادي”.