في زمن هيمنت عليه معاني التواصل الأرضية المقطوعة عن الله واليوم الآخر، تلح علينا معاني التواصل القلبي بعمقها الروحي الإيماني الإحساني بما هي قاعدة العلاقات الإنسانية الراقية الغائبة عن دنيانا غيابا مذهلا. في هذه السلسلة التي يسعد موقع “الجماعة نت” بنشرها، يتحدث الأستاذ المجاهد أحمد الملاخ رحمه الله عن هذه المعاني مرتبطة بمجالي الدنيا والآخرة.

 

يعج العالم بضجيج إنساني يحجب الأفق عن من لا يزن عواقب الأمور بميزان الغيب الذي قلما تتبين معالمه وأسسه لكل الناظرين، فنور الله الذي يفتح مغاليق فهم الظواهر الكونية لا يتجلى إلا لمن توفرت فيه شروط التقوى.

شغل الناسَ ضجيجُ الحرب ومصارع الظالمين وهلاك الكثير من الأبرياء. فتساءل عموم الناس عن ذنب هؤلاء الأبرياء، وغابت عنهم أسس ميزان العدالة الإلهية، واحتجب عنهم أفق الحكمة الغيبية من هذا الوضع الهائل حقا والمشوش على الأذهان المحبوسة في عقلانية البشر دون الفهم عن الله عز وجل.

تتساءل العقول السطحية، ما الحكمة فيما يجري في العراق[1] وفي فلسطين؟ ألا يعلم هؤلاء أن وراء الأحداث غيبا ووراء الظواهر سرا؟

تتساءل العقول البسيطة، أين هو الخير فيما يجري في العراق؟ ما الحكمة في هلاك الصالحين من أبناء فلسطين؟

فلنسأل أنفسنا أولا عن مدى مشاركتنا في هلاك الأمة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”[2]. الأمة تئن تحت وطأة الظالمين واستكبار المفسدين وتغييب شرع الله عن مؤسسات المسلمين. فما جدوى الدعاء مع التقاعس عن إقامة شروط استجابة الصالحين؟

الدعاء بالغيب مستجاب لو تمت شروطه، وتأييد الله للأمة لو أقامت أسس الاستجابة وركائزها.

طالع أيضا  حسن الدار وسوء الدار

إن نصر الله قريب من المحسنين. الإحسان طريق التقوى، والتقوى أساس النصر، ونصر الله المؤمنين بالغيب بالاستجابة، قال الله عز وجل: فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون (البقرة: 185).

الرشد يحتاج إلى تربية، والمجتمع مريض يحتاج إلى تطبيب، والتطبيب يحتاج إلى رفق قوي دون استكانة أو تهاون أو تخاذل.

العالم في مخاض المعركة بين القوى المادية والإعداد لمواجهتها، والمخرج هو الاعتماد على الغيب وانتظار موعود الله للمؤمنين إن أعدوا القوة المادية واستعدوا وتوكلوا على الله عز وجل. إنها أسس التقوى وهي قريبة من المحسنين.

لمن العاقبة؟ العاقبة في الدنيا والآخرة غيبية، لكن معالمها وطريقها واضح بين. فريقان متعارضان سالكان سبيلين مختلفين. فريق في الجنة وفريق في السعير.

سوء الدار وعقبى الدار معالمها بينة واضحة لمن أعد واستعد، لمن تربى ورغب، لمن اقتحم فما سقط في الغفلة وأبى.

[1] – سياق حديث الأستاذ الملاخ رحمه الله، هنا، هو غزو العراق سنة 2003 (الجماعة نت).
[2] – أ خرجه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه.