عادت جماعة العدل والإحسان مرة أخرى لتحتل واجهة الأحداث الوطنية، بعد القرارات الإدارية التعسفية التي طالت عددا كبيرا من الموظفين، في قطاعات مختلفة، فجردتهم من مسؤولياتهم الإدارية، بغير سند قانوني أو إداري معلل، أو قضائي حائز على قوة الشيء المقضي به، وفقط بسبب افتراض وجود صلة ما، في الحاضر أو في الماضي لهؤلاء الموظفين مع جماعة العدل والإحسان، بدون تمييز بين أن تكون صلة انتماء، أو تعاطف أو تعارف.

المدبرون المؤقتون للقطاعات الحكومية الذين اقترفوا هذه التعسفات الإدارية، في حق موظفين أكفاء ونزهاء ومقتدرين، أعطوا للإدارة رحيق أعمارهم، وبالجدية والإخلاص، الذي مكنهم عن جدارة، باستحقاق مواقع المسؤولية والإشراف في التراتبية الإدارية؛ هؤلاء المدبرون، ومن خلفهم ممن أمرهم بذلك، يعودون بالبلاد القهقرى إلى ممارسات سنوات القهر والجمر والرصاص، ويحلقون خارج فضاء المغرب الجديد، المغرب الذي شطب ممارسات عهود الجمر والرصاص من خارطة تاريخه، باعتناق خيار الحقيقة والمصالحة والإنصاف، واتخاذه منهجا وفلسفة للدولة، بإرادة ملكية مباشرة ومعلنة، وبتوافق شعبي متجاوب، وبانخراط الطلائع المناضلة للشعب المغربي التي كافحت انتهاكات تلك العهود؛ وهم أيضا، هؤلاء المدبرون، يعاكسون تيار المغرب الجديد، الذي تعاقد على دستور جديد، يرسخ المشروعية القانونية، نبذا للتسيب والتحكم والأهواء، ويكرس احترام حقوق الإنسان والمواطن، ضدا على الاستهتار والاحتقار والتجبر، ويؤسس للحكامة الجيدة وللمحاسبة، دفعا للفساد واستغلال النفوذ وتجاوزات الشطط السلطوي.

وفوق ذلك كله، فلا شيء يبرر التعسف على حرية المواطن المغربي وحقه المطلق في الفكر والعقيدة والتعبير، وفي الانتماء والانتظام والاختيار، ولأن الحرية هي أقدس حق للإنسان في الوجود.

فضلا على أن سر الاستثناء المغربي، يقوم أساسا على صيانة التنوع والتعدد والاختلاف، وعلى حماية التوازن بين التعبيرات والديناميات السياسية والثقافية والاجتماعية، وإذا كانت هذه الإجراءات التعسفية، فيما اشتهرت به لدى الرأي العام ب: الإعفاء بسبب الانتماء، تستهدف التضييق على جمعية العدل والإحسان، فإنها تستهدف في الصميم المغرب في استثنائيته وتميزه.

وإذا كانت هناك خلفية ما، سياسية أو أمنية، تتحكم في استراتيجية ضبط القوى السائدة في المشهد الوطني العام، بما تضايقت معه من حيوية الامتداد الشعبي لدى جمعية العدل والإحسان، فإن هذه الخلفية قد سقطت في خطل افتقاد الدقة في تقدير المخاطر والتهديدات، وغابت عنها الرؤية العميقة في استكناه طبيعة جماعة العدل والإحسان واستكشاف حدود مقاصدها ومراميها.

وللوقوف على حقيقة هذه المقاصد، تنتصب الحاجة إلى الرجوع للتاريخ، للوقوف على ظروف ومنطلقات النشأة والتأسيس، واستحضار حكمة المؤسس الشيخ عبدالسلام ياسين، وعبقريته في البناء الروحي والفكري والتنظيمي للحركة الإسلامية بالمغرب في جناحها: العدل والإحسان.

فقبل أن يخوض غمار التأسيس للحركة الإسلامية، بالنفس الوطني، عاش الشيخ مرحلتين من عمره، كانتا بالنسبة إليه مدرستين حاسمتين في تكوين شخصيته، ساقته العناية الإلهية إليهما، في إعداده للغاية الوطنية التي نذر نفسه لها، أولاهما: كانت مرحلة الاستغراق في علوم البيداغوجيا وفنون التدريس، من أصول الثقافة الغربية ومن لغاتها، أخذت من عمره 20 سنة من التحصيل والتمرين والمراس، واستجاب بما نهله منها لنداء الوطن، بداية الاستقلال، كواحد من الثلة القليلة التي أرست دعائم التعليم الوطني المستقل.

وثانيتهما: مرحلة الاستغراق في علوم وأحوال التربية والتصفية الروحية، من ينابيع الثقافة الصوفية ومصادر الثرات الإسلامي، من سنة 1964 إلى سنة 1972، أفضت به إلى حيازة العلم العميق بفنون التربية الإسلامية، وإلى نورانية الرباني العارف بالله.

ومن صلب هاتين المدرستين ، اللتين تخرج منهما الشيخ ياسين، عالما مبرزا في البيداغوجيا من مراجعها الغربية، وعالما متعمقا في التربية وأحوالها من مراجعها الإسلامية، صاغ منهجه الدعوي والتربوي والنضالي، الذي أبدع من خلاله النموذج الحركي الوطني ممثلا في جماعة العدل والإحسان، وهو المنهج القائم على القواعد الثابتة: النصيحة والحوار مع الحاكم والدولة، نبذ العنف، نبذ العمل السري، وتجنب الاتصال مع الدول الأجنبية.

وهي القواعد الثابتة التي لم تنفك جماعة العدل والإحسان أن تعمل على هديها وتسترشد من وحيها، بما يجعل من نواياها وأعمالها وأهدافها لا تخرج عن نطاق المشروعية والنظام العام، ولا تعاكس مسار السلم الاجتماعي، ولاتنخرط في مؤامرات مساس الأجنبي بالمصالح الوطنية.

في بداية إنخراطه في مسار الحركة الإسلامية، وقبل البدء في تأسيس تنظيم للتربية والدعوة كوسيلة للعمل الوطني، إسهاما منه في إنقاذ البلاد، إستهل الشيخ ياسين مشواره بالحوار مع الدولة، وذلك بعرض أولى إنتاجاته الفكرية، أطروحات بين يدي الدولة، يبسط من خلالها وجهة نظره في تقويم البلاد، سنة 1972، في كتابيه: “الإسلام بين الدعوة والدولة”، و”الإسلام غدا”، وقد أوصلهما إلى الديوان الملكي، دونما جدوى أو جواب؛ ثم ارتفع بمستوى الحوار إلى وضع أطروحته بين يدي الملك الحسن الثاني، سنة 1974، في الرسالة الشهيرة ب: “الإسلام أو الطوفان”، والتي لم تكن صرخة تمرد أو تحد أو عصيان، كما ذهب إلى ذلك البعض، بقدر ما كانت إعادة إنتاج لمؤسسة أصيلة في الثرات الإسلامي، هي مؤسسة النصيحة، التي كانت تؤلف الوشائج بين العالم والحاكم، في النظام الإسلامي الراشد.

وعندما استرد الشيخ ياسين حريته، سنة 1978، بعد سنوات الاعتقال السري والإخفاء القسري، وجد الحركة الإسلامية تقترب من الصدام مع النظام السياسي في البلاد، لما كانت تلتهب به في أوساطها الشبابية، من أفكار وتوجهات العنف الثوري، ولما كانت تمور به من تنظيمات العمل السري، على غرار الاتجاهات اليسارية المناوئة للنظام، فكان أن صوب وجهة الحركة الإسلامية نحو التحلل من عقيدة العنف الثوري، والبعد عن النزوع نحو الصدام، كما صوب منهجها نحو تفادي العمل التنظيمي السري، واعتماد الدعوة العلنية، والانتظام في أجواء الشفافية والمكاشفة والوضوح، بكل الشجاعة التي يتطلبها الموقف الإسلامي الوطني.

وفي ظلال هذا التصويب والتقويم نشأت جماعة العدل والإحسان، نشأة تنشر بها الوعي الإسلامي، وتشيع بها التربية الإيمانية الروحية والأخلاقية، وتصوغ بها الشخصية الإسلامية الوطنية الغيورة على قيم العدل والحرية والكرامة، دون تحريض على العنف ضد الدولة أو المجتمع، ودون دفع الناس نحو التمرد والتوتر وإشعال الفتن.

وبفضل هذه التربية الدينية والوطنية السليمة والرشيدة بين يدي مفكر وعالم رباني منقطع عن أطماع الدنيا وسفاسفها، تدفقت في شرايين المجتمع دماء حية ونشيطة، هي هذا البناء التنظيمي المتناسق، الذي دعمت به جمعية العدل والإحسان دينامية المجتمع المدني، ونشطت به حركية المشهد السياسي كقوة للرأي والاقتراح والمطالبة، وساهمت وتساهم به في تحصين البلاد من نزعات التطرف والعنف وموجات التكفير والكراهية والإرهاب.

ومن ثم فقد ساهمت الجمعية في العمل على توجيه المواطن نحو الوطنية الصرفة، بعيدا عن الانجرار وراء الموجات العابرة للقارات، وعلى توجيه المواطن نحو المواطنة الصادقة بما أنتج الأطر والموظفين والعاملين في النسيج الإداري والاجتماعي والاقتصادي، المتحلين بمبادئ النزاهة والالتزام والكفاءة والعطاء والإخلاص.

وعلى أساس ذلك تمددت الجمعية، تمددا يخدم التوازن في البلاد، وينشط دورة القيم في المجتمع، والتضييق على هذا التمدد الإيجابي، يضرب التوازن الذي هو عافية البلاد وصمام أمانها، ويهدم واحدا من الأسوار الحامية للوطن من شرور وتغول الغلو العقائدي الديني، ومن مخاطر توغل موجات الإرهاب العابرة للحدود والقارات.