مناسبة هذا الحديث السريع والضروري هو ما تقوم به الدولة هذه الأيام من استهداف لمواطنين مغاربة في معاشهم بإعفائهم من مناصبهم بسبب مواقفهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية (تحديدا للعدل والإحسان)، إذ لا يمكن أن يعني إلا أن الدولة اختارت أن تدخل نفقا ضيقا هو نفق الميز العنصري الوظيفي الذي تجرمه كافة القوانين والشرائع، تريد من وراء ذلك بناء غيتوهات وظيفية إسمنتية كما تصف حنة أرندت، تمنع بموجبها صنفا من المواطنين الممانعين وذوي الحساسية النقدية لسلوك الدولة من تولي وظائف وتقلد مناصب.

إن الدولة بسياستها العنصرية المريضة تريد أن تخبرنا أنها لا تريد مواطنين كاملي الكرامة باختيارهم مواقفهم وأفكارهم بحرية مما يجري، بل تريد قطيعا منسقا “نَعَمِيا”، يختار إذا اختار بطاقة “نعم لدستور ممنوح” ليضعها في صندوق الكذب، تريد قطيعا تقوده سلاسل “السلم الاجتماعي الموهوم” ليسير خلف “الراعي” الذي يملك “علفه” وما يملأ به بطنه..الدولة تريد شعبا يعيش الحرمان “المؤبد” ولديه قابلية شديدة للإذعان والاستغلال.. إنها تصنع الإذعان وترعاه بمؤسساتها الرسمية..

لقد ذهب المخزن العميق لإفريقيا ليرتب مصالح الكبار الذين يعيشون “فوق” على حد تعبير المكسيكي أريانو أتويلا في روايته “أولئك الذين تحت”، وعاد _ كما يحكي سارد الواقع _ ومعه جائحة من جوائح القرون الوسطى، عاد وقد أصيب بفيروس الأبارتهايد الذي تخلصت منه العديد من دول أفريقيا بنضال رجال بصموا التاريخ بدمائهم.. عاد ليتصرف في الوطن/الضيعة أو حضيرة الحيوانات يَسِمُ من يشاء فيها بميسم ناري عليه علامة “خادم”، ومن يأبى الوسم يلقى إليه برسم “الإعفاء والطرد”… إن المخزن لا يؤمن بـ”الإنسان الحر” وإنما بـ”الخادم الطبال”..

إن الدولة ما اكتفت بما بلغت إليه من معدلات التفقير وتعميم البؤس لمعظم الشعب المقهور، حتى أصبح غالبية الشباب ينظرون إلى الموت والحياة على أنهما متساويان ما دام فاقدا لحقوقه، بل ربما أن الموت أصبح أرحم من الحياة الذليلة لدى جمهور يائس يشعل النار في جسده هنا وهناك ضدا على الحكرة والفساد.. لم تكتف الدولة بذلك حتى انتهت إلى من بقي من “الأحياء” في هذا الشعب تريد أن تلحقهم غصبا بركام “الأموات”.. تمنع عن المستحقين منهم الوظائف وتستثني خيرتهم من تحمل المسؤوليات…تحارب أفكارهم على ساحة أقواتهم، وهو أسلوب رخيص ينم عن جهل أصحابه بتاريخ الأفكار..

طالع أيضا  بنعبد السلام: حصاد حاول تغليط الرأي العام ومؤسسة البرلمان

إن التمييز العنصري الوظيفي يضع المغرب إلى جانب إسرائيل في حربها على الفلسطينيين ومنعهم من الوظائف بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، فهل يعي الذين يلعبون بالنار إلى أين يسيرون بهذا الوطن؟ إن البيئة كما يقول جيمس كوفمان في حديثه عن أثر الاطمئنان الوظيفي على الرقي بمستوى الأداء والعمل وعلى توفير الاستقرار، تصبح ساحة للحرب والانفجار إذا افتقد فيها المسؤولون حس المسؤولية واستخفوا بقيمة وكفاءة “الإنسان المختلف”.. إن هذا التمييز العنصري الوظيفي من شأنه أن يحيي كما يقول جيري فولويل في كتابه “نهاية العنصرية” بربرية جديدة في المجتمع.

نذكر في النهاية بأمرين قبل إغلاق القوس: الأول أن العدل والإحسان ظلت طوال تاريخها عامل استقرار وصمام أمان لهذا الوطن بالرغم من معارضتها للنظام الاستبدادي وللحكم الفردي بسبب خطها التدافعي السلمي، فهي لم ولن تنقذف إلى منحدرات العنف مهما كانت الظروف والأحوال، وهو أمر فصلناه في كتابنا “ما وراء السياسة” فليرجع إليه.

والثاني أن من يتم إعفاؤهم في هذا البلد، هم مواطنون أصلاء منحدرون من هذا الشعب ولم يكونوا يوما لاجئين إليه فارين من هنا أو هناك، مواطنون تعرفهم سواحل هذا البلد وجباله وسهوله، إن تاريخهم أسبق من تاريخ النظام نفسه الذي يحكمهم، لأن تاريخ الشعب سابق بآلاف السنين على تاريخ النظام، ولئن كان النظام يزول ويتبدل كما يخبرنا ابن خلدون في مقدمته فإن الشعب لا يزول ولا يتبدل..عاش الشعب..عاش الشعب..عاش الشعب..