في زمن هيمنت عليه معاني التواصل الأرضية المقطوعة عن الله واليوم الآخر، تلح علينا معاني التواصل القلبي بعمقها الروحي الإيماني الإحساني بما هي قاعدة العلاقات الإنسانية الراقية الغائبة عن دنيانا غيابا مذهلا. في هذه السلسلة التي يسعد موقع “الجماعة نت” بنشرها، يتحدث الأستاذ المجاهد أحمد الملاخ رحمه الله عن هذه المعاني مرتبطة بمجالي الدنيا والآخرة

هناك تراتبية في طلب الدنيا وطلب الآخرة. هنالك تفاضل في هاتين الغايتين، وشروط لضمان تحقيقهما في حياة المؤمن. والتفاضل لا يعني إلغاء الأدنى بل السمو به إلى المقصد الأعلى. فإذا لم يتحقق هذا التفاضل، بل السمو به إلى المقصد الأعلى، استغرق الإنسان في جزئيات الكسب والكدح، قال الله تعالى: يا أيها الإنسان، إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (الانشقاق 6).

الغاية واضحة والتفاضل بَيِّن، لكن تحديد الهدف يشترط عزما وإرادة وصدقا ثم تربية. إرادة الإنسان تتأرجح بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، قال عز وجل: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة (آل عمران 102).

لكن إرادة الآخرة مشروطة بسعي حثيث إليها، ومنوطة بنوعية التربية الهادفة التي تريد تحقيقها. قال الله تعالى: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (الإسراء 19).

في الدنيا يطلب من العبد اختيار الهدف، وشحذ الهمة، والاستمرار على حمل النفس على الطاعات المقربة إليها، وترك المعاصي.

في الإنسان قطبان يتجاذبانه، إما إلى الإخلاد إلى الأرض وطاعة الغافلين، أو طلب المعالي بالاستعانة بالعمل الصالح والمشي على الأرض هونا والسعي في الناس لُطفا – ليكون حاملا لنور رباني يضيء حلك الفتنة – وشحذ الهمة.

نعم تربية الإرادة، فالإنسان ليس بشِرِّير طبعا ولا خيِّر مطلقا. في الفطرة نوازع هابطة ومشاعر عليا. والتربية تفتيق وتنمية لجانب التكريم، وعبور لفتن البقاء في نوازع مادية فاتنة برَّاقة لكنها زائلة.

الإنسان إنسانان: شاكر أو كفور. تفجير الكوامن رهين بنوعية التربية والتزكية المؤدية إلى الفلاح. قال الله عز وجل: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (الأعلى 14). إيثار الدنيا والبقاء معها مظنة السقوط والتدحرج نحو الخيبة.

من يأخذ بحجزتك أيها الغافل لينقلك من اتباع الهوى وتبرير المزالق والعجز وأسر الأشياء؟

من يقذف في روعك هَمّا بالتحرر والترقي في مدارج الطالبين للحق إن لم تكن لك صحبة ذاكرة صادقة تعينك على تجاوز ما بنفسك من تبرير للكسل والهم والحزن لتقحمك مع جماعة تشرئب أعناقها إلى ما عند الله، وترغب في حط رحالها إلى قرب الله عز وجل، طِلبة المحسنين الموقنين الصادقين الذاكرين الذين يبحثون عما هو باق ويتركون ما هو فان ليحطوا رحالهم بالقرب من الله وجوار رسول الله صلى الله عليه وسل؟

طالع أيضا  الإخاء