جعل الله عز وجل الكون وما يعتمل داخله من سُنَن ربانية عبرة لأولي الأبصار الذين أشاد الحق تعالى بيقظتهم وإقبالهم على البحث والاستقصاء بغية تحقيق الفهم السليم الموافق لمراده جل وعلا من الأحداث والوقائع؛ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران 190-191). وفي المقابل، أنكر الله عز وجل على المُعطِّلة لقدراتهم العقلية والقلبية، العجزةِ عن التفاعل الواعي واليقظ مع الكون وأحداثه كَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (يوسف 105).

وكما جعل الله سبحانه الكون مدرسة للعلم والمعرفة والإيمان، جعل أحوال البشر وما يجري في عالمهم، من مختلف الوقائع، عبرا عظيمة، وأمر بالتدبر فيها والاعتبار بها. ولعل هذا ما يفسر توالي ذكر القرآن الكريم لسير الأقوام السالفة وتواريخها، وحديثه عن أصناف البشر وخصائصهم النفسية والسلوكية وعواقب اختياراتهم واصطفافاتهم، قربا من الحق ومناصرة له، أو ابتعادا عنه ومحاربة له ومواجهة لأهله.  

ومن الأصناف البشرية التي تحدث عنها كتاب الله وعرض منها نماذج وصورا متنوعة ومختلفة، الظالمون. وقد تكلم المفسرون كثيرا في أسباب الحديث في القرآن الكريم عن هذه الفئة الخاصة من البشر وتخصيصها بالتقريع الإلهي والتنبيه لمآلاتها وعواقب مواقفها من الحق والعدل. فمنهم من اعتبر أن المخاطب بالذكر الحكيم الظالمون في كل زمان تنبيها لهم وازدراء لأفعالهم ومواقفهم. في حين ذهب البعض إلى اعتبار هذا الحديث سلوى للمظلومين وإظهارا لعاقبة الظالمين وثمرات ظلمهم في الدنيا والآخرة، وقد يكون الخطاب القرآني موجها للفئتين معا، الظالمين والمكتوين بنار ظلمهم معا ولكل فئة رسالة في الخطاب الرباني.

طالع أيضا  دماء حياة لم تجف.. حراك على النت يدين النظام ويطالب بالكرامة

ومن الآيات الكريمة التي وردت في وصف الظالمين وإظهار عقوبة الله لهم في الدنيا والآخرة، قوله تعالى: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم 27). وقوله جل وعلا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (الحج 53).

ومن معاني الضَّلال العدول عن الطريق المستقيم عمدًا أَو سهوًا، كثيرًا أَو قليلاً. وضلَّ الشَّخصُ: زلَّ عن الشّيء ولم يهتدِ إليه، انحرف عن الطريق الصحيح، وضلَّ وِجْهَةَ أمره لم يهتدِ إلى مقصده. ويقال ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ أي اِنْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، وضَلَّ سَعْيُهُ بمعنى أنه لَمْ يَنْجَحْ فِي مَسْعَاهُ. ومنه لفظ أضلولة ويعنى به البعد عن طريق الحق والهدى والرشاد، جمع: أضاليل.

وقد ورد مفهوم الضلال في القرآن الكريم بمعان متعددة يحدد كل معنى السياق الذي ورد فيه. كما عرض الذكر الحكيم صورا مختلفة لهذه العقوبة  التي ابتلى الله بها الظالمين على مر العصور عقابا لهم على طغيانهم وتجبرهم وتنكيلهم بالمستضعفين، وأبرزَ تجليات كثيرة ومتنوعة لها، كما ذكر نماذج سمى أصحابها (فرعون وهامان وغيرهما) وأخرى نسبها للأقوام السابقة من مختلف الأمم.

ومن تجليات الضلال الذي يصاب به الظالمون:   

 1ـ فقدان التوفيق في الاختيارات والسلوكيات، فالله عز وجل يسلط جنديين من جنوده  على الظالمين لا يهتم لهما عامة الناس، هما الغفلة والغباء. فالظالم يمضي في غيه في اطمئنان الجاهل واستخفاف الغافل حتى يفجأ بنهاية ويلاقي مصيره.

 2ـ إتيان أفعال وممارسات واختيارات تؤدي إلى هلاك الظالمين عاجلا أو آجلا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”. حديث متفق عليه. 

عدم رجوع الظالم عن ظلمه واستمراره في غيه تضليل له عن الفعل الصواب واستدراج له إلى عاقبة غير متوقعة من قبله.

فمهما تجبر الظالمون ومهما جاروا ونكلوا بالمستضعفين فمن المؤكد أن الله عز وجل تكفل بخزيهم ومعاقبتهم من جنس تدبيرهم وعملهم، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ (إبراهيم 42).

طالع أيضا  فدرالية حقوقية تدين قتل السلطات للشهيدتين حياة وفضيلة وتطالب بتحقيق نزيه