في واقعة كربلاء الشهيرة، التي يتذكرها المسلمون في شهر محرم من كل عام، وفي اليوم العاشر منه بالتحديد، قتلت الفئة الباغية ـ كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ “بطل” هذه الواقعة الأليمة، سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ مع سبعين من أهل بيته الطيبين الطاهرين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وقد تركت الأحداث الدامية لهذه الواقعة أثرا بارزا، وبصمات واضحة، على الإنتاج الفكري والأدبي والفني، الإسلامي والعربي والعالمي ـ لما احتوته من الرموز الإنسانية المتناقضة، وما سجلته من عناصر الصراع الذي بلغ ذروته بين قوى الحق والعدل والخير ـ من جهة ـ وقوى الباطل والظلم والشر ـ من جهة ثانية ـ.

يقول شاعر عربي معاصر، مستلهما واقعة كربلاء الأليمة:

كنت في كربلاء

قال لي الشيخ أن الحسين مات

من أجل جرعة ماء

وتساءلت: كيف السيوف استباحت بني الأكرمين؟!

فأجاب الذي بصرته السماء

إنه الذهب المتلألئ في كل عين

إن تكن كلمات الحسن

وسيوف الحسين وجلال الحسين

سقطت دون أن تنقذ الحق

من ذهب الأمراء

أفتقدر أن تنقذ الحق

ثرثرة الشعراء؟!
  1 قرأت هذا المقطع الشعري المؤثر، وأنا أسمع وأرى الأمة تعيش هذه الأيام مزيدا من الآلام، وتحيا في خضم بحر متلاطم بأمواج الدماء والأشلاء، تائهة وسط فتن كقطع الليل المظلم؛ بفعل تداعي أمم الأرض عليها من كل جانب، كتداعي أيدي الأكلة على قصعة الطعام، كما أخبر الصادق المعصوم، عليه الصلاة والسلام. هذا فضلا عن ولغ بني الجلدة في أعراضها ودمائها إلى درجة تعجز عن وصفها العقول وتحار في تفسيرها الأفهام!

وذكرني المقطع الشعري السالف، مقاطع شعرية أخرى، لشاعر عربي معاصر أيضا، نظمها على لسان سيدنا الحسين ـ عليه السلام ـ بعد استشهاده الملحمي على أرض كربلاء الشاهدة، يقول فيها:

فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها

حيرى حزينه

فإذا بأسوار المدينة

لا تصون حمى المدينه

لكنها تحمي الأمير وأهله والتابعينه

فلتذكروني عندما تجد الفضائل

نفسها أضحت غريبه وإذا الرذائل

أصبحت هي وحدها الفضلى الحبيبه

فلتذكروني حين تغشى الدين صيحات البطون

وإذا تحكم فاسقوكم

في مصير المؤمنين

فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم

يكذبون ويغدرون ويفتكون

والأقوياء ينافقون

والقائمين على مصالحكم يهابون القوي

ولا يراعون الضعيف

والصامدين من الرجال غدوا كأشباه الرجال

وإذا غزيتم في بلادكم وأنتم تنظرون

وإذا اطمأن الغاصبون

بأرضكم وشبابكم يتماجنون

فلتذكروني

فلتذكروا ثأري العظيم

لتأخذوه من الطغاة

وبذاك تنتصر الحياة

فإذا سكتم بعد ذلك على الخديعة

وارتضى الإنسان ذله

فأنا سأذبح من جديد

وأظل أقتل من جديد

وأطل أقتل كل يوم ألف قتلة

سأظل أقتل كلما سكت الغيور

وكلما أغفى الصبور

سأظل أقتل كلما رغمت أنوف في المذلة

ويظل يحكمكم يزيد ما..

ويفعل ما يريد!
  2 الحقيقة أن هذه المقاطع الشعرية التي تنقلنا إلى أرض معركة كربلاء ـ أو تنقل إلينا الواقعة نقلا حيا كما يقال ـ جعلتني أتساءل عن دور الكلمة الأدبية والفنية في المعركة الدائرة رحاها اليوم على أمتنا المغلوبة على أمرها!

المعركة التي تتخذ كل الأشكال، وتلبس جميع الألوان.. عسكرية واقتصادية وفكرية وإعلامية!

– فما جدوى الكلمة الأدبية والفنية وسط كل هذه الفتن التي تموج موج البحر؟!

– وما عساه يفعل مداد الأقلام أمام أنهار دماء المسلمين المستضعفين السائلة في كل واد ـ بل الهادرة في كل بلاد ـ؟!

– وماذا تفيد لوحة الفنان أمام الصور الحقيقية الناطقة الكاشفة عن الحال الذي آلت إليه الأمة؟!

– وماذا يصنع صوت المغني وآهات المنشد إزاء وابل القنابل ورعود الرشاشات والمدرعات والدبابات والطائرات التي تفتك بالعزل المدنيين من الولدان والنساء والشيوخ، وتعصف بكل نسمة حياة في أي مكان يوجد فيه مسلمون؟!

لقد كدت أقع أسير النظرة التي تعتقد أن لا جدوى من الكلمة الفنية والأدبية في هذا الزمان، وهممت أن أستسلم لهذا التعليل الواقعي والمنطقي لواقع الحال الذي لا يحتاج منا إلى أي مقال!!

كدت أنسى كل ما قرأته وكتبته، وما شاهدته وسمعته، من أعمال أدبية وفنية، عن دور الأدب والفن ومهمتهما في تربية الإنسان، وتوعية المجتمعات، وتعبئة الأمم، لتخوض معارك الوجود والمصير!!

كدت أنسى كل ذلك التراث المجيد من شدة هول الأحداث الجسام التي تزلزل الأمة على كل صعيد!!

كدت أنسى!!

غير أني رجعت إلى القرآن الكريم، الذي يفصل فيه الله تعالى الآيات لقوم يعقلون ويتدبرون ويتذكرون.. فيعلمون ويعملون.. وتلوت قول الحق عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ 3 .

تلوت هذه الآيات الكريمات فتذكرت أن للكلمة الطيبة فعلا وتأثيرا، كما أن للكلمة الخبيثة ـ في المقابل ـ فعلا وتأثيرا، لكن شتان بين فعل وتأثير هذه، وفعل وتأثير تلك.. فالأولى أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (والثانية) اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (.. وإلى هذه المفاصلة الواضحة يشير قول الله عز وجل: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ، وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 4 .

يقول الأديب الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ في ظلال هذه الآيات المباركات: فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته- كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ، إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن (…) ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء:)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا.. فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام. هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة، واستقامت حياتهم على منهج. وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل، ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام. وانتصروا من بعد ما ظلموا فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه. ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها في إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- حسان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة- رضي الله عنهم- من شعراء الأنصار) 5 .

عن كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: “لما نزلت “والشعراء يتبعهم الغاوون” أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: ما ترى في الشعر؟ قال: “إن المؤمن يجاهد بسيفه وبلسانه”” 6 . وفي رواية أخرى للحديث، عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل” 7 ، وقد تبث في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضي الله عنه: “اهجهم، أو قال: هاجهم وجبريل معك” 8 .

والمطالع للسيرة النبوية الطاهرة، ولحياة الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ يجد أن الكلمة الطيبة المربية البانية، والقول الزاحف المجاهد، كانا حاضرين دائما إلى جانب البناء الميداني والجهادي العسكري…

وعلى منهاج الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ سار العلماء العاملون المجاهدون في العصور الإسلامية الفاضلة، وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة ـ رحمهم الله ـ فدواوين شعرهم وخطبهم ورسائلهم المنشورة في أكثر من مصدر شاهد لهم على باعهم الطويل في هذا الميدان؛ ميدان الكلمة الأدبية والفنية.. فلن ينسى تاريخ الكلمة الطيبة قولة الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ الخالدة: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق) 9 .

ولن ينسى شهادة القائد الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله ـ في حق كاتبه القاضي الفاضل ـ رحمه الله ـ التي يقول فيها: والله ما أخذت البلاد بالعساكر، بل برسائل القاضي الفاضل”، وذلك هو وسام صلاح الدين يكرم به كاتبه، بل يكرم به الأدب والأدباء، ويظهر أثر الكلمة الطيبة الهادفة في إصلاح شؤون الأمة ونفي الخبث عنها، وتوحيد صفوفها، ورفعها إلى مستوى معركة المصير، التي أحسن صلاح الدين الإعداد لها، حتى استرد بيت المقدس وخضد شوكة الصليبيين، وألجأهم إلى زاوية ضيقة على البحر ما بين صيدا وصور) 10 .

ولو اتسع المجال لأوردنا المزيد مما روي في هذا الصدد عن العلماء والفقهاء والمحدثين والقضاة والقادة… ولئن كان ذلك مما يستحيل استقصاؤه في هذا المقام، فتكفينا الإشارات السابقة، ولمن أراد الاستزادة فكتب السير والتاريخ والأدب.. تروي الغليل، وتشفي العليل..!

فما أحوج الأمة اليوم إلى أدبائها وفنانيها ليؤدوا واجبهم في معركة المصير، كما أداها أمثال القاضي الفاضل من خلال رسائله التي كانت تؤدي دورها الذي أشاد به صلاح الدين، في إعادة الأمة إلى دينها القويم، وتدعو إلى رفض الفرقة والتناحر، وإلى أن ينضوي الجميع تحت راية الجهاد التي رفعها صلاح الدين خالصة لوجه الله عز وجل، وكذلك كان دور الشعراء في تصوير فظائع الصليبيين، واستنهاض همم المتقاعسين، وتمجيد الأبطال، ورثاء الشهداء.. حتى إذا أدوا دورهم في ذلك مضوا يرددون أهازيج النصر.. 11 .

وما أشبه الليلة بالبارحة! فالمسلمون اليوم في تيه دونه تيه بني إسرائيل، وقد أصابهم الوهن، الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فواجب الأدب والفن الإسلامي أن يصف للأمة دواء دائها، ويعينها على تجرعه ـ رغم مرارته ـ، حتى تسلك مسلك الصحابة الكرام رضي الله عنهم لتصنع حياتها وموتها من جديد، وتعيد مجدها وتاريخها التليد. فهل سيعيد التاريخ نفسه؟!

أجل! سيعيد التاريخ نفسه، وما هذا الربيع العربي سوى طلائع فجر قد أهلت بشائره في الأفق القريب. كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ 12 .

والزمان قد استدار

جناحك أبسط عاليا

طلع النهار

خل السفوح فحظك القمم

والفاتحان السيف والقلم

إن الزمان قدا استدار

فتجل باسم الله،

وانهض أيها النقع المثار

يا فارس الحرف المجلل

بالهدي النبوي

فالكون انتظار الكون انتظار..
والحمد لله على ما ألهم، وأنعم وعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وإخوانه وحزبه وسلم.


[1] من قصيدة “من أوراق أبي نواس” في الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل.\
[2] المقطع للشاعر المسرحي عبد الرحمان الشرقاوي في مسرحية الحسين شهيدا.\
[3] سورة إبراهيم، الآيات من 26 إلى 29.\
[4] سورة الشعراء، الآيات من 220 إلى 226.\
[5] في ظلال القرآن، المجلد الخامس، ص 2622، بتصرف.\
[6] فيض القدير على شرح الجامع الصغير، للعلامة المناوي، ج2 ص336.\
[7] رواه الإمام أحمد.\
[8] رواه البخاري (5801) ومسلم (2486).\
[9] أخبار الحسن البصري لابن الجوزي.\
[10] مجلة الأدب الإسلامي، العدد 8، ص1.\
[11] مجلة الأدب الإسلامي، العدد الثاني والثلاثون، ص1.\
[12] سورة الأنبياء، من الآية 103.\