مفهوما “الأعرابية والهجرة” نموذجا

فسد الحكم مبكرا بتحوله من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، وسادت “الأعرابية” على الناس بعد أن كان المسلمون يعطون بيعتهم لأهل الصحبة والسابقة. للأعرابية دلالتها اللغوية التي يقصد بها البدو، إلا أنها بلسان الوحي تعني أقواما منهم من أسلم ولم يهاجر لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم كما عزره المهاجرون والأنصار، ومنهم من مرد على النفاق، ومنهم من لا يقوم بأعباء الجهاد إلا ابتغاء الغنيمة. فالأعرابية تترسخ طباعها النفسية في حب الحياة الدنيا، والركون إليها، وابتغاء العافية، وتقديم المصلحة الخاصة على عموم المصالح، والتوسل إلى تحقيقها بشتى الوسائل، وبذلك يسع مفهوم “الأعرابية” القرآني ما لا يسعه الاصطلاح اللغوي، ويمنحنا ثلاثة مداخل: مدخل لفهم تاريخنا وتصنيف الطبائع التربوية والنفسية والسلوكية التي حكمت أمة المسلمين، فلا نقع في قبضة التحليل المادي الطبقي. ومدخل لفهم واقعنا، فنمايز بين فئات مجتمعاتنا المسلمة بين أعرابييها وأهل الإيمان فيها، دون أن نقع في قبضة الأحكام الفقهية التكفيرية المستحلة لدماء المسلمين. ومدخل لاستعمال إحدى المصطلحات القرآنية استعمالا لا يقف به عند حدود زمان ومكان معينين، ولكن يعطي للمصطلح القرآني خلوده بفهمه فهما يمكننا من تنزيله في واقعنا المخالف لواقع النزول.

كان الأعراب في عهد النبوة أبعد مكانا وإيمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب مخافة أن تلحقهم اللعنة يوم القيامة كما جاء في الحديث المروي عن الحارث بن عبد الله، “قال، قال عبد الله: آكلُ الربا وموكلُه وشاهداه وكاتبُه إذا علموا به، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد هجرته، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة” 1، فالمهاجر إذا انقلب من المدينة المنورة إلى البادية عُد مرتدا، إذ أن تحوله كان يعني البعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتخلي عن أعباء الجهاد الملزمة للأنصار والمهاجرين الساقطة عن الأعراب حتى يهاجروا، فكانت هجرة المهاجرين هجرتين: هجرة نفسية من قعود إلى جهاد، وهجرة مكانية من مكة إلى المدينة. ثم سقطت الهجرة المكانية من دار الكفر إلى دار الإسلام بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لا هجرة بعد اليوم ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا” 2.

تبقى الاختيارات أمامنا اليوم بين أن نعد الناس في مجتمعاتنا كفارا، فتلزم الهجرة نفسا وجسدا، بحثا عن رقعة أرضية تصلح أن تكون قاعدة خلفية للجهاد القتالي، معيدين التجربة النبوية بكل تفاصيلها. وإما أن نعد الناس مؤمنين والدين سائد في حياتهم فلا معنى للهجرة عندها إلا باعتبار هجرة آحاد الناس معاصيهم والتوبة منها. وإما أن نعد الناس أكثرهم أعرابا لا يعيرون لواقع الدين المنكَّس ألويته اعتبارا، فوجب تكوين جماعات تنتصر للدين في غربته، وتعلي رايته، وتجاهد الصادين عن سبيل الله بكل وسيلة ممكنة، وتربي الناس على الإيمان لتنقلهم من أعرابية سائبة إلى هجرة العادات، ونصرة الدين، وتجديد الإيمان.

إن الحديث النبوي السابق ينفي ويثبت، ينفي الهجرة المكانية ويثبت استمرار الجهاد، وهذا يعني عدم اعتبار مجتمع المسلمين من بعدُ مجتمع كفر، ولكن يعد مجتمع فتنة رغم الأمراض الخطيرة المتفشية فيه، وهي أمراض أصابت جسم الأمة وروحها، ولعلاجها وجب التطبيب بيد التربية الحانية التي لا تلجأ إلى البتر إلا إذا استحال العلاج. جاء في رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم في “نهج البلاغة” أنه قال للإمام علي بعد ظهور الإسلام: “يا علي إن القوم سيُفتنون بأموالهم، ويمُنون بدينهم على ربهم،ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحِلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية،فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسُّحت بالهدية، والربا بالبيع. قلت: يا رسول الله، بأي المنازل أُنزلهم عند ذلك؟ أبمنزلة ردَّة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: بمنزلة فتنة” 3، ومفهوم الفتنة يركز على القيم السائدة الواجب تغييرها، والمستهدف هي الفتنة ذاتها، في حين أن مفهوم الجاهلية يسبغ على الناس معاني الكفر، فيصبحون هم المستهدفون في عمليات عنف وتقتيل لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.

نعم، إن الإسلام مطلوب تصفيته من طرف أنظمة الحكم في مجتمعات الفتنة كما كان الحال في مجتمعات الجاهلية، وما كانت الهجرة يومئذ إلا لنصرة الدين، فهي اليوم واجبة أيضا، وإن كنا نعيش بين ظهراني مسلمين عن دينهم غافلين، الهجرة واجبة بما أن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه” 4، فيقطع الفرد حبائل النفس التي كانت تربطه بالفتنة، وتقعد به عن الانضمام للقائمين لنصرة دين الله عز وجل. لقد “مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومَجَنَّة وفي المواسم بمنى يقول، من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة” 5، وقد عاد الدين اليوم غريبا يبحث عن أنصار ومهاجرين 6 ينالون السابقة والغناء مصداقا لقوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل. أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وكلا وعد الله الحسنى. والله بما تعملون خبير 7، “فالجهاد في سبيل الله والهجرة إلى الله، والنصرة لدينه، أعمال مطلوبة مأجورة أساسية في الدين، في كل عصر وحين. وإنما فاز أهل السابقة في الإسلام، وأهل الغناء في الإسلام، وأصحاب الحظ من الله بالدرجة العظمى، لأن جهادهم وهجرتهم ونصرتهم كانت والإسلام محاصر محارب، وكلما وجد الإسلام في حصار كما هو الأمر في عصرنا، فأهل السابقة والغناء والحظ من الله هم أهل الولاية، ومن لحق بالجماعة بعد الفتح أو أثناءه  والفتح في عصرنا قيام الدولة الإسلامية  فيعمه قوله تعالى فيما مر معنا في سورة الأنفال: والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم [الأنفال 75]” 8.


[1] “مسند الإمام أحمد  كتاب: مسند المكثرين- باب: مسند عبد الله بن مسعود” و”سنن النسائي: كتب الزينة- باب الموتشمات”.
[2] “صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح”.
[3] “نهج البلاغة” من كلام الإمام علي كرم الله وجهه. دار الكتب العلمية – بيروت. ط 2001. ص: 196-197.
[4] “صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
[5] “مسند الإمام أحمد: باقي مسند المكثرين – مسند جابر بن عبد الله”.
[6] هناك أحاديث عدة تشير أن الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة، منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده برجال ثقات: “إن الهجرة خَصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقُبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة، حتى تطلع الشمس من الغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل”.
[7] الحديد: 10.
[8] عبد السلام ياسين “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” ط2، 1989. ص: 57.