أجرى موقع الجماعة نت، حوارا مع الأستاذ حسن قبيبش، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حول موضوع (التربية الإيمانية الإحسانية)، تناول بعض الجوانب المرتبطة بدرجات الدين الثلاث (الإسلام، الإيمان، الإحسان) الواردة في حديث جبريل عليه السلام. كما تناول دور البيئة الدعوية في الترقي بالعبد من إسلام لإيمان لإحسان. وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار تعميما للفائدة.

يركز بعض الناس على المعاني الإحسانية باعتبار الإحسان أعلى درجات الدين، فتراهم يتحدثون عن هذه المعاني ويتتبعون أهل العلم المتحدثين فيها ويدمنون على مطالعة الكتب المستفيضة فيها، بينما تلاحظ بعض الإهمال في أداء أركان الإسلام على حقها كإقام الصلاة وصوم رمضان… وضعفا في صبيب شعب الإيمان كبر الوالدين وصلة الرحم وحسن الجوار… في مقدمة هذا الحوار، كيف يمكن النظر إلى الموضوع من خلال حديث جبريل عليه السلام؟

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله الكريم وعلى اله و صحبه أجمعين.

بداية أحبتي الساهرين على هذا المنبر، شكر الله حسن اهتمامكم بالمواضيع التي تهم الإنسان في حياته ومآله، عسى أن يحيي هممنا، ويبل نفوسنا الجافة بماء الذكر، ورحيق المحبة الصادقة، وأحيي القراء الكرام في كل مكان… راجيا من المولى أن يكون لنا عندهم نصيب من الدعاء الصالح.

إذا رجعنا إلى الحديث الشريف، فهو حديث متميز، له خصوصية، ولأهمية الموضوع الذي يعالجه، نلاحظ أن الله عز وجل قدر له “إخراجا” خاصا، حيث حضر الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الملك المرسَل، سيدنا جبرائيل، صحابةُ كرام شهدوا وسمعوا بل ورأوا بأم أعينهم الملَك في صورة رجل جاء يعلِّم الدين، كما أراده رب العباد لعباده، الراغبين في طلب وجهه. بدأ الأمر في هذا الحديث بالإسلام ثم الإيمان وصولا إلى الإحسان. والدرجة العليا من الدين، أي الإحسان، “لا تُنال قفزا”، على حد تعبير الإمام رحمه الله، بل تُنال بناء عليهما (الإسلام والإيمان)، لا تحليقا ولا حشوا للذاكرة بأقوال الصالحين، ولا بالإتيان بغرائب الألفاظ والمصطلحات… بل لا بد من إحكام الأساس الأول الذي يبنى عليه كل شيء، والأساس هو الإسلام مع ما يحمل من صفات أخلاقية وعملية وواجبات ونواهي وأوامر، أولها الصلاة والمحافظة عليها والطهارة الباطنية والحسية وبر الوالدين وحسن الجوار وغير ذلك مما ندبنا الشرع إليه، جاعلين نصب أعيننا إدراك مقام الإحسان بفضل من الله وكرمه، بما هو إتقان العمل وإصلاحه سواء فيه العمل الدنيوي أو الأخروي، وبما هو إحسان إلى الناس والأقربين واليتامى والإحسان إلى الناس أجمعين باعتبارهم خلق الله عز وجل، وبما هو كذلك مراقبة، وهي شهود نظر الله تعالى إلى العبد، كما قال بعض الصالحين. وقد جاء في الأثر أن “أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان”. وقد قيل في هذا المعنى:

كأن رقيبا منك يرعى خواطري ** وآخر يرعى ناظري وجناني

وهكذا نرى أنه كلما عظم مقام المراقبة زاد إحسان العمل بمفهومه الشامل العام، والذي ليس شيئا إن لم نهتم أولا بالدرجتين السابقتين اللتين تحدثنا عنهما، الإسلام والإيمان.

يتحدث مصنفو السيرة النبوية عن بعض من أسلم من قريش أو من قبائل العرب فيقولون: “أسلم وحسن إسلامه”، فهل درجة الإسلام تحتاج هي الأخرى إلى إحسان؟

هذه مسألة تكلم فيها بعض الفقهاء، ومما قالوه في هذا الشأن قولان على الإجمال:

القول الأول: اعتبروا أن إحسان الإسلام أن يأتي بالواجبات ويترك المحرمات ويجعل مع الواجبات بعض النوافل.؟

القول الثاني: أن إحسان الإسلام معناه أن يكون على رتبة الإحسان في العبادة التي جاءت في حديث سيدنا جبريل الذي تحدثنا عنه سابقا.

وعموما أقول إن مَنْ حسُن إسلامه، هو من خرج من دائرة النفاق وأعطى البرهان العملي على ذلك في سلوكه وجهاده وصدقه، ولنا في سيرة الصحابة رضي الله عنهم، أفضل الأمثلة، فعكرمة بن أبي جهل ذهب في أول أمره على وجهه فرارا من الإسلام كراهة له حتى بلغ البحر، وقد خاض معارك عدة ضد المسلمين منها بدر، أحد، والخندق، وقد كان من الفرسان الشجعان، وبعد إسلامه أوصى به رسول صلى الله عليه وسلم خيرا، وحسن إسلامه وأعطى الصدق والبرهان على ذلك، حيث شهد حنين والطائف وشهد حجة الوداع، ويروى عنه أنه كان إذا قرأ القرآن بكى، ويغشى عليه في بعض الأحيان. والأمثلة كثيرة على حسن إسلام كثير من الصحابة خاصة مسلمة الفتح… إن الأمر إذن رقي دائم متواصل إلى أن نلقى الله عز وجل وهو عنا راض.

في حديث جبريل عليه السلام ما يفيد بأن العبد يرتقي في الدرجات من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، فهل يَسْلَمُ العبد السائر إلى الله تعالى من النزول من الدرجة الأعلى إلى الدرجة الأدنى؟

ما دام الإنسان في هذه الدنيا، وما دامت روحه بين جنبيه، يخشى عليه الفتنة ولا يأمنها، ولذلك كان بعض السلف الصالح عندما يوصف بالإسلام فإنه يقبلها وعندما يوصف بالإيمان يقول أنا كذلك إن شاء الله. وروي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: (ما خاف الله تعالى إلى مؤمن ولا أمن الله تعالى إلا منافق). لذلك فالخوف من الرجوع القهقرى والنكوص أمر واجب على كل مسلم، لأنه تقرر أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي عافانا الله وإياكم، والأصل أن لا يغتر أحد بعمل ولا يقنط من ذنب.

يقول الإمام المجدد رحمه الله وهو يتحدث عن أركان الإسلام الخمس (أركان بيت دين المسلم، فإذا كان بيت دين المسلمين واحدا واحدا قائما على غير الأساس المتين من نية التزكي وإخلاص الاتباع فدولتك إنما هي قرية نمل)، ويقول أيضا: الصلاة فلاح من أضاعها وأخل بشرط من شروط اعتدالها واطمئنانها وخشوعها نقص دينه وسقط على أم رأسه ولو ناضل بكل ماله وقواه ليقيم في زعمه الخلافة الإسلامية، وهكذا الزكاة وهكذا الصيام وهكذا الحج). (محنة العقل المسلم، ص: 44).

ما هي الأسباب في تقهقر العبد من الدرجة الأعلى في الدين إلى الأدنى منها؟ وما هي الأسباب التي تحصن العبد من التقهقر في درجات الدين وترقيه فيها؟

الأسباب كثيرة ومتعددة بتعدد الفتن التي ابتلي بها العباد، ولكل زمان فتنه وشهواته، ويبقى الأصل واحدا تحدث عنه القران الكريم، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلكم هي الدنيا، بما تحويه من متاع وزينة وشهوات… وقد قال أحد العارفين: (جعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه الدنيا). وقد روي عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال: (حب الدنيا رأس كل خطيئة). وإن حبها يورث قسوة القلب والانغماس في الملذات والمعاصي والرضى بالظلم وتسويغه وتبريره، وتجنب كل ذلك يكون بالإقبال على الله عز وجل والعمل على مرضاته بالأمور التي أمرنا بها نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الحرص على صحبة الصالحين والكينونة معهم، إذ صحبتهم من عوامل الثبات والاستقرار، قال أحد الصالحين: (الصحبة على الصدق والوفاء تنفي كل علة في المصطحِبَيْن إذا قاما وثبتا على منهاج الصدق). وقال الشاعر:

دواء قلبك خمس عند قسوته ** فدم عليها تفز بالخير والظفر

خلاء بطن وقرآن تدبره ** كذا تضرع باك ساعة السحر

كذا قيامك جنح الليل أوسطه ** وأن تجالس أهل الخير والخبر

يركز كثير من الوعاظ في توجيهاتهم ومواعظهم على مسؤولية الفرد وعلى تحفيزه لعمل الخير، وعلى أهمية الدروس المسجدية وخطب الجمعة في هذا السبيل، فهل يستطيع الإنسان أن يترقى في درجات الدين في البيئة المجتمعية العليلة لوحده أو اعتمادا على تلك الدروس والخطب دون الحاجة إلى بيئة تربوية إيمانية؟

من المعلوم أن المساجد لها حرمة كبيرة وقدر كبير في نفوس المسلمين، وقد أثنى الله عز وجل في كتابه على عمار المساجد وأعطاهم صفة المؤمنين: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. ( التوبة 18).

وروى الدارمي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله يقول: نما يعمر مساجد الله من امن بالله.. لذا فعمارة المسجد من واجبات المؤمن، والاستماع للخطب والمواعظ والانتفاع بالعلم النافع أيا كان مصدره أمر مندوب ومطلوب، بالرغم من كون مساجدنا أصبحت مضيقا عليها وأُفرغت من رسالتها وأصبح الوعاظ والخطباء موظفين يأتمرون بأوامر السلطة وأصبح جلهم بوقا يردد ما تريد أن يسمعه المتنفذون وأصبحت التعليمات تعطى حتى في أبسط الأمور (صيغة الأذان وطريقة التسليم على سبيل المثال) زاعمة اتباع مذهب موحد، تنتقي منه ما تشاء وتدع ما لا يتماشى وأهدافها. لذلك خفتت أصوات الصادقين، وتقرَّب المتزلفون وعزت كلمة الحق والصدق. قلت، رغم هذا وغيره كثير مما لا مجال لذكره، لا بد من مخالطة المسلمين والمؤمنين في المساجد، ثم بعد ذلك البحت عن ما يقوي الإيمان وينميه وذلك يتأتى كما أسلفت، بالاجتهاد الفردي وصحبة المومنين والكينونة معهم لأن أعمال الخير كلها مندوبة تثمر ثوابا، أما الترقي في مدارج الإحسان أي ما يصطلح عليه بالسلوك، فلا بد له من صحبة الصالحين وملازمتهم، ليذكرونا إذا نسينا و يأخدو بأيدينا إذا فترنا، ونطلب معهم وبصحبتهم أعز وأنبل ما يُطلب في الآخرة: رضى الله، ووجه الله عز وجل، وذلك هو الفوز العظيم.

هل البيئة التربوية الإيمانية في كنف جماعة دعوية هي بديل عن أجواء المواعظ والدروس في المساجد أو هي مكمل لها؟

لا ينبغي أن نجعل تقابلا أو تضادا بين الاثنين، وأعتقد أن هذا التقابل الذي يهجم على أذهاننا وعقولنا نابع من الواقع الضاغط ولما آل إليه أمر المساجد كما أسلفت سابقا، لذا لا ينبغي التفكير “بشروط الأزمة” كما يقال بل أعتبر الأمرين أمرا واحدا منسجما يصب في اتجاه واحد، وإلا فالتربية والتزكية وتعلم السلوك محله الأول هو المسجد، والأئمة والخطباء ينبغي أن يكونوا هم الأمثلة الناصعة في هذا المجال، وعلماؤنا الأجلاء لو أعطيت لهم الفرصة فهم ولله الحمد أحق بذلك وأهل له، ولكن ما العمل والأمر غير ذلك بل يزداد سوءا، حيث تكمم أفواه العلماء ويطلق الحبل على غاربه لكل ناعق ليهاجم دين الله ومبادئه وقيمه؟ هنا فقط تتبين ضرورة الجماعة الدعوية وأهميتها في تحصين أبناء وبنات الأمة من الانحراف أو الزيغ أياما كان نوعه.

كيف يمكن الانخراط في بيئة تربوية دعوية دون السقوط في العزلة عن المجتمع وعن منتدياته وأهمها المساجد؟

في بداية الأمر كان الإمام المجدد رحمه الله واضحا في تصوراته واختياراته، حيث الوضوح والانخراط في المجتمع والقطع مع السرية، وكان من يأخذ بهذه الأمور ويتبناها في ذلك الوقت يُنعت بالساذج، بحجة نشر “غسيل الحركة الإسلامية” على الملأ، لذا من يفهم الإسلام في شموليته ويتأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يمكنه الركون إلى العزلة أو هجران بيوت الله عز وجل أو إغفال الاهتمام بأمور المسلمين وقضاياهم المعيشية والاجتماعية ومعاناتهم مع الظلم والتهميش والتجهيل… فمخالطة الناس والصبر على أذاهم من سمات المؤمن القوي كما أخبر بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم.

في ظل الأجواء التربوية الإيمانية في كنف الجماعات الدعوية، كيف يمكن، في نظركم، تفادي السقوط في “الرهبنة” التي تنعزل بالفرد عن الانخراط الإيجابي في قضايا المجتمع أو في مهلكة “التكفير” التي تدفعه لمواجهته بالعنف اللفظي أو العنف المادي؟

إن الجماعات الإسلامية التي تتبنى الدعوة في بعدها الشامل وتتأمل سنن الله عز وجل في الكون وما يحدثه الله تعالى في خلقه، لا تربي الناس على الرهبنة، والمصطلح أصله من الرهبة وهو الخوف، الخوف من الدنيا وتحدياتها وفتنتها، وقد جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِكُلِّ نَبِيٍّ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”.

الجهاد بمفهومه الشامل العام، بما هو جهاد النفس للتحرر من عبوديتها وشحها وعدم الركون اليها، وبما هو فضح للظلم والاستبداد، وبما هو اصطفاف مع المحرومين المستضعفين… وبما هو كذلك رحمة ودعوة للناس إلى الخير ومعرفة خالقهم والتقرب إليه ومحبته والتفكر في يوم المعاد، يوم يعرض الناس على رب العالمين، وكل ذلك يتطلب مجهودا وتربية للنفس وتجديدا للفهم وهذا أمر لا يتأتى بمجرد التلقي عن طريق وسائل الإعلام، والإدمان على قراءة ما ينفع وما لا ينفع، وإنما ترسيخ الفهم يقتضي إيجاد نماذج حية من عباد الله، يتجسد فيهم ما أسلفنا، ويقع تشرب القلوب بعضِها من بعض حتى تصبح سلوكا وحالا يستنبطه المرء في ذاته ويحس بحلاوة ذلك تسري في كيانه، يقول الشاعر

ولما تتابعَ صَرفُ الزمان ** فَزِعنا إلى سيّدٍ نابِه

إذا كَشّرَ الدهرُ عن نابِه ** كَشَفنا الحوادثَ عنّا به

أما إن بقي الفرد تتقاذفه الأفكار ذات اليمين وذات الشمال وأمام الواقع الضاغط الظالم للشباب فإن ذلك يؤدي لا محالة إلى نوع من النفور من المجتمع “الظالم” “والخارج” عن جادة الحق فيتحول الأمر إلى كره ثم إلى تكفير، وصولا إلى العنف الذي هو رد فعل عاجز، تجاه واقع متمنع. أضف إلى ذلك أن من شيمة بعض الشباب التسرع، والعجلة وغياب طول النفس… إذا لا بد من مقاربة شاملة للتصدي لهذه الظواهر بعيدا عن الاستغلال السياسوي، بدءا بالعدل في قسمة الأرزاق ثم فتح المجال لرجال الدعوة والمروءة لتربية الشباب، لأن هذا الأخير يثق فيمن يحبه، لا فيمن يرهبه ويبتزه ويهمشه.