مقدمة

من المعاني القلبية المهمة والمحاسن الإحسانية العظيمة اليقين، وصف به الله المؤمنين حين أيقنوا بالله ربًّا وإلهًا، وأيقنوا بالآخرة وبلقاء الله، وأيقنوا بما وعد به اللهُ ورسولهُ صلى الله عليه وسلم المؤمنين في الدنيا من نصر وتمكين. فسماهم بالموقنين. ووعدهم على ذلك أن يكشف لهم من أسرار ملكوت السماوات والأرض ما لا يكشف لغيرهم. اليقين بموعود الله ورسوله لعباده الصالحين بالوراثة والخلافة فيه ابتلاء للمؤمنين، لأنه مرتبط بسنة التدافع والصراع بين أهل الحق والباطل. فحين يشاهد المؤمن مجريات الأمور لا تسير على طريق النصر والتمكين قد يساوره بعض الشك وفقدان الأمل فينقص يقينه في موعود الله ورسوله وثقته في نصر الله. ولهذا حتى يثبت له اليقين الكامل الخالي من أي شك أو ريب لا بد من تعلّمه لليقين فإنه يُتعلم كما يُتعلم القرآن، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا بد له من إيمان قوي يتأسس عليه هذا اليقين. وهذا ما تتيحه الصحبة وتحقّقه. تقوية الإيمان وتعليم الإيقان.

تعريف اليقين

تعريف اليقين في اللُّغة: هو العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر.
وفي الاصطلاح: فقد نقَل ابن قيِّم الجوزية رحمه الله عن الخاصَّة مِنْ أهل العِلم في “مدارج السالكين”  جملةً من التعريفات لليقين، وإنْ كانتْ هذه التعريفاتُ متباينةً من حيث المبنَى، إلا أنها متحِدة من حيثُ المعنى، ومن ذلك: قول الجُنَيْد: “اليقين هو استقرارُ العِلْم الذي لا ينقلِب ولا يُحوَّل ولا يتغيَّر في القلْب. وقول ذي النون: اليقين هو النَّظرُ إلى الله في كلِّ شيء، والرُّجوع إليه في كلِّ أمر، والاستعانة به في كلِّ حال” 1.
وأورد الجرجانيُّ في تعريفاته: أنَّ اليقين هو: “طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب” 2. وأخرج الطبراني من طريق عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “إِنَّ اللَّهَ تَعالى بِقِسْطِه وَعَدْلِه جَعَلَ الرّوْحَ والْفَرحَ في الرِّضا وَالْيَقِين” 3.
 وفي القرآن الكريم: وردتْ مادة يَقِنَ في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة.

أنواع اليقين ومقاماته

يقول الله تعالى: أفي الله شك فاطر السموات والأرض 4، ويقول كذلك: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون 5، فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون 6.
فمن أنواع اليقين نجد، اليقين بالله تعالى، اليقين بالآخرة، اليقين في موعود الله ورسوله بمستقبل الإسلام في الدنيا، واليقين في العمل بحصول الثواب.
– اليقين بالله تعالى هو التحقق بأسماء الجمال والتعلق بأسماء الجلال. اليقين في الله أنه الرزاق، الفتاح، الناصر، الكريم، الوهاب، الغفور، الرحيم… فمن يؤمن بأن الله هو الرزاق ويتسول الناس أعطوه أو منعوه، هذا ليس له اليقين بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، ومن يؤمن بأن الله هو النصير والناصر ثم يستنصر غيره ويبتغ العزة من غير الله ورسوله، هذا ليس له يقين أن الله هو نعم المولى ونعم النصير.
– اليقين بالآخرة هو حمل همّها والاستعداد لها واتخاذ أحسن الأعمال وأحبها إلى الله تعالى أثناء الرحيل إليها. ويدخل في هذا اليقين بالموت والبرزخ والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار.
– اليقين في موعود الله ورسوله هو الإيمان بما أخبر به الله في كتابه من غيب نصر وتمكين للمؤمنين أنه سيقع حقّاً وتحقيقا، وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من بشرى خلافة أنها آتية لا محالة. وأن هذا الإخبار يتوقف على أسباب العمل والجهاد. فالاستخلاف والتمكين والنصر في القرآن والحديث له شروط وأسباب يتعيّن تحقيقها.
– اليقين في العمل بالإخلاص فيه مع الاعتقاد الجازم بحصول الأجر والثواب. ومن أمثلة الأعمال التي أكد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرط اليقين لحصول الأجر والثواب نجد: ما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار… إلى أن قال: قلت: كنتَ بين أظهرنا فقمتَ فأبطأتَ علينا فخشينا أن تقطع دوننا ففزعنا فكنتُ أولَ من فزع فأتيتُ هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة، (وأعطاني نعليه) قال: “اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبُه فبشره بالجنة…” 7. وعنه رضي الله عنه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة” 8. وفي الصحيح عن شداد بن أوس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة” 9.

مقامات اليقين ودرجاته

هناك من عدّ اليقين أو الإيقان مقاما من مقامات الإحسان كما يذكر ذلك الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه “الإحسان”، وهناك من جعله مرتبة من مراتب الدين ودرجاته، التي يرتبها في الإسلام والإيمان والإحسان والإيقان، كما ذكر ذلك الإمام عبد القادر الجيلالي في كتابه المشهور “الفتح الرباني والفيض الرحماني”. وفي مقام اليقين أو الإيقان منازل ومقامات ودرجات أيضا حدّدها بعض العلماء في ثلاث، وهي: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وهناك من زاد نور اليقين. فعلم اليقين هو علمك بالشيء عقليا وتصورا ذهنيا دون أن تراه، هو علم ومعرفة. وعين اليقين هو رؤيتك له، هو مشاهدة ومعاينة. وحق اليقين هو التحقق منه، باللمس أو الذوق أو غيرهما، هو تجربة. هو تحصيل العلم والمشاهدة. وقد مثَّل ابن القيِّم رحمه الله لهذه المراتب الثلاث بقوله: “من أخبرك أنَّ عنده عسلاً وأنت لا تشكُّ في صِدْقه، ثم أراك إياه فازددتَ يقينًا، ثم ذُقتَ منه، فالأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين” 10.
يقول الجرجاني رحمه الله: “حق اليقين عبارة عن فناء العبد في الحق، والبقاء به علما وشهودا، وحالاً لا علما فقط، فعلم كل عاقل الموت علم اليقين، فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين، فإذا أذاق الموت فهو حق اليقين، وقيل: علم اليقين: ظاهر الشريعة، وعين اليقين: الإخلاص فيها، وحق اليقين: المشاهدة فيها” 11.
ونجد عند الإمام أبي بكر الوراق رحمه الله أن “اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة، ومعنى قوله يقين الخبر هو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به. وبيقين الدلالة: ما هو فوقه: وهو أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر ومن جهة الدليل، فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة، وهي يقين المكاشفة بحيث يصير المخبَر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب: كنسبة المرئي إلى العين، وهذا أعلى أنواع المكاشفة” 12.
ومن كرامة الله للموقنين أن كشف لهم في الأرض عن آيات حتى يدركوها دون غيرهم، وفي الأرض آيات للموقنين 13. ومن كرامته لهم كذلك أن الله تعالى جعلهم على هدى ومن المفلحين. فقال: وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 14. أما من كان له في الله شك، وفي الآخرة شك، وفي ما وعد به الله ورسولُه من غيب شك، فقد عرّض نفسه للخطر، لأنه لم يكن من أهل اليقين. يقول الله تعالى: [وإذا قيل إن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، قلتم ما ندري ما الساعة، إن نَظن إلاّ ظنّاً وما نحن بمستيقنين 15. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين” 16.

طالع أيضا  هؤلاء المتحابون في الله عز وجل

تعلم اليقين

عن خالد بن معدان رضي الله عنه أن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم قال: “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه”. نفهم من الحديث أن اليقين علم يُتعلّم كما القرآن. وباستقرائنا لآيات القرآن الكريم نجد من الطرق لتعلمه:
– التفكر: يقول الله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين 17. ويقول كذلك: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرضِ وليكون من الموقنين 18. وحديث القرآن عن ملكوت السموات والأرض بشكل متكرر في السور والآيات إنما بقصد أن يتجدد الكون أمامنا في كل نظرة إليه، وحتى لا يبقى مألوفا كلما مررنا على آية منه أعرضنا غير معتبرين.
– العبادة: يقول الله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين 19. أي اعبده حتى تحقق درجة ومقام الإيقان والاطمئنان الذي هو بعد الإحسان.  وقيل: اليقين الموت، جاء عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: لو كُشف لي الحجاب لأرى ربي ما ازددت يقينا. قد بلغ بعبادته ربه مقام اليقين الكامل الذي ليس بعده يقين.
– الدعاء: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله اليقين، فيقول: “اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا…” 20. وأورد الأزرقي في تاريخ مكة عن عون بن خالد رحمه الله قال: “وجدت في بعض الكتب: إن آدم عليه السلام ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين ثم قال: “اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني بما قسمتَ لي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم، إنه حقٌّ علي أن لا يلزم أحد من ذريتك هذا الدعاء إلا أعطيته ما يحب ونجيته مما يكره، ونزعت أمل الدنيا والفقر من بين عينيه وملأت جوفه حكمة”. وعن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الناس لم يؤتوا في هذه الدنيا خيرا من اليقين والعافية، فسلوهما الله عز وجل”. قال الحسن رضي الله عنه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، باليقين طُلبت الجنة، وباليقين هُرب من النار، وباليقين أُنويت الفرائض، وباليقين صُبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير قد والله رأيناهم يتقاربون، فلما نزل البلاء تفارقوا” 21.  
– الصحبة: وعليها مدار تحقيق كل الطرق لتعلّم اليقين، وهذا ما نفهمه من الحديث، فالتعليم لا بد من معلم، وتعليم اليقين لا بد له من معلم ومرب موقن. وما دام اليقين من المعاني القلبية فهو يُتشرب من قلب لقلب عن طريق الصحبة والملازمة والمخاللة.
فمن خلال ما سبق يتبين أن تعلّم اليقين يكون بالتفكر في ملكوت السموات والأرض، ويكون بالعبادة لله تعالى الدائمة. ويكون بالدعاء، ويكون بالصحبة التي تُثبّت هذا اليقين في القلب وترسخه على أساس إيماني قوي. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله” 22.

طالع أيضا  الصحبـة والقـرآن

دور الصحبة في تثبيت اليقين

الواقع وما يعرفه من أحداث متصارعة ومتسارعة يتصدر مشاهدَها بنشوة النصر والتمكن والتحكم والقيادة والتخطيط المستكبرون والمستبدون والمفسدون، بينما المسلمون المستضعفون ضحية الظلم والقهر والقتل والتهجير والتشريد الذين لا بواكي لهم ولا ناصر إلا الله، هم غرباء. هذا المشهد المؤلم كثيرا ما يخدش في يقين المؤمن ويزعزعه، ويزيد من زعزعته وخدشه الأفق المظلم والمستقبل المجهول الذي لا يَظهر من خلاله أي بصيص أمل، اللهم إلا ما يقرأه أو يسمعه من آيات وأحاديث تبشّر بمستقبل الإسلام. فإذا لم يكن اليقين مبنيا على أساس إيمان قوي قد تستفزّ المؤمنَ الأحداثُ وتنال من يقينه. في هذه اللحظة تبرز أهمية الصحبة ودورها في تحصين المؤمن من تأثير الأحداث، وتثبّت يقينه وترسخه على تصور منهاجي واضح يعتبر الأحداثَ مهما كانت عصيبة، هي في حقيقتها تفتل في موعود الله ورسوله، لأن الفاعل الحقيقي فيها هو الله تعالى، فهو يبديها سبحانه وتعالى ويجريها بإرادته الكونية لما فيه الخير والصلاح لعباده الصالحين الوارثين. لكن هذا لا يعني ارتكاب الأخطاء والإخلال بواجب الدعوة والجهاد وترك أسباب النصر والتمكين.
والإمام المرشد رحمه الله تعالى الذي يمثل الصحبة عندنا، حاول أن يعلمنا اليقين ويثبّته في قلوبنا بطرق وأساليب مختلفة، منها:
– أنه قد وضع بين أيدينا كل الآيات والأحاديث التي تبشرنا بمستقبل الخلافة على منهاج النبوة، والتي جعلها منطلق ومحور كل أحاديثه وكتاباته بشكل لا تجد معه مللا من تكرارها. وعلى رأسها حديث الخلافة الذي رواه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”. وقد خصص لهذه الطريقة من تعليم اليقين كتابا خاصا عنونه بـــ“مقدمات بين يدي الإسلام”، يرجى الاطلاع عليه.
– أنه أوقفنا أمام التاريخ لننظر معه إليه من الأعالي، كيف تحقق معظم ما جاء في الآيات الواعدة بالنصر من غيبيات، وما جاء في الأحاديث المبشرة بالخلافة من مراحل وتنبؤات. فإن كان التاريخ يشهد بالتجربة الواقعية على صدق ما جاء في هذه الآيات والأحاديث، فإنه من غير المنطق بل مما يخدش في الإيمان أن يدخلنا الشك في عدم حدوث ما تبقى من وعد وبشائر مستقبلية. لنتأمل كلام الإمام رحمه الله كيف يرسخ اليقين ويثبته في قلوب المؤمنين، يقول: “على المحجة البيضاء نعود إليها إن شاء الله بعدما عَمَّاهَا عنا دخن الفتن. بشرى نضعها نُصب أعيننا برنامجا لإعداد القوة وأملا مشرقاً، بل يقينا ثابتا، بأن مواطئ أقدامنا على رُقعة الواقع تطابق مواقع قدر الله، وتستجيب لنداء الله، وتقتفي أثر رسول الله، وتماثل مسيرة الخلفاء الراشدين بهداية الله. لا إله إلا الله والحمد لله” 23. ولهذه الطريقة من تعليم اليقين وتثبيته خصص كتابا آخر عنونه بــ” نظرات في الفقه والتاريخ”، يرجى الاطلاع عليه.
– وأنه رحمه الله بعد كل هذا قام بتعليمنا اليقين بالمثال الحي والقدوة الحسنة، فقد كان يقينه بالله تعالى وبالآخرة وبموعود الله ورسوله بالخلافة يقينا ثابتا كاملا، كرس له حياته كلها، فبالرغم من جميع المحاولات من أجل زعزعة يقينه من عدم جدوى مشروعه والحيلولة دون استمراره في طريقه التربوي والدعوي والجهادي، إلا أنه ثبت وقاوم فنصره الله وأيّده. وما وصلت إليه هذه النبتة المباركة التي زرعها بيده الكريمة من توسع وانتشار في العالم إلا نتيجة هذا اليقين الراسخ بأن هذا العمل سيباركه الله تعالى وسيؤيده وينصره وسيصل إلى أبعد مدى، سيعمّ الأجيال الحالية واللاحقة بإذن الله تعالى. ولهذه الطريقة قد خصص كتابا خاصا تمثله حياتُه إذ جعلها نموذجا ومثالا لليقين الثابت والراسخ أن “الإسلام آت، آت، آت” وعد من الله ورسوله.
وهكذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم، يعلّمهم اليقين ويثبته في قلوبهم كلما حلّت بهم الابتلاءات واشتدت بهم المواقف بالصبر والبشارة والتفاؤل وزرع الأمل حتى أنجز الله لهم وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. والأمثلة في السيرة النبوية على هذا كثيرة، وخاصة في بداية الدعوة والمسلمون قلّة ضعفاء، ومن بعد ذلك أثناء الغزوات وملاقاتهم العدوَّ وجها لوجه. ومن هذه الأمثلة حديث سيدنا خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” 24.

طالع أيضا  المحبة الصافية الطاقة المؤثرة

خاتمـة

قد لا يختلف الناس في يقينهم بالله، وفي يقينهم بالآخرة، وفي يقينهم بحصول الأجر والثواب عن العمل، لكن  الكثير من الناس لعدم اقتناعهم بالصحبة وفقدانهم لها نرى ونسمع كيف يعلقون على البشارة النبوية بالخلافة بأنها خرافة ويوتوبيا وأنها مستحيلة الوقوع في واقع اختلت فيه موازين القوى لغير المسلمين. ويتهمون من يوقن بعودة الخلافة على منهاج النبوة بأنهم يحلمون. ولا يدري هؤلاء أن ما وقع اليوم كان بالأمس حلما، وما يقع غدا هو حلم اليوم. يقول الله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين 25. فهو بلاغ.
اللهم صل على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وشفيعنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى ذريته الطيبين الطاهرين، وعلى جميع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى أمتهم الواحدة من الأولين والآخرين. آمين.


[1] ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، 2/125.
[2] الجرجاني، التعريفات، 1/85.
[3] رواه الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في شعب الإيمان.
[4] إبراهيم: 10.
[5] البقرة: 4.
[6] الروم: 60.
[7] أخرجه مسلم.
[8] أخرجه النسائي والإمام أحمد.
[9] أخرجه البخاري.
[10] ابن القيم، مدارج السالكين، 2/129.
[11] الجرجاني، التعريفات، 1/29.
[12] انظر مدارج السالكين: 2/400.
[13] الذاريات: 20.
[14] البقرة: 4.
[15] الجاثية: 32.
[16] أخرجه البخاري والبيهقي رحمهما الله.
[17] الذاريات: 20.
[18] الأنعام: 75.
[19] الحجر: 99.
[20] أخرجه الترمذي وابن المبارك رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[21] أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
[22] ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه.
[23] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص: 14.
[24] رواه البخاري رحمه الله تعالى.
[25] الأنبياء: 105-106.