“استحضار المصلحة الوطنية، خدمة المصالح العليا للوطن…” وغيرهما، من العبارات التي لا تتورع القيادات الحزبية من إعلانها بمناسبة أو بدونها، والغريب العجيب أن العبارات يبرر بها الجميع مواقف متناقضة إلى درجة تلتبس فيها الأمور فلا يُعلم على أية مصالح يدافع أو يحرص على ضياعها القوم.
وإذا كانت الوطنية حب الإنسان وطنه واستعداده لبذل النفس والنفيس في سبيله ومن أجله، أيْ، إن الوطنية بذل وتضحية، فهي غُـرْمٌ وليست غُنْما، عطاءٌ وليست أخذا. لذلك، تقاسُ الوطنية ويصنف الناس في سلمها بدرجة ما يبذلون وما يجودون به ويسترخصونه من أجل الوطن حرية وأمنا واستقرارا ورخاء.
وعليه، نسائل هؤلاء القادة السياسيين أو النخب الفكرية التي تدعي خدمة الوطن، كم تكلف أجورها وتعويضاتها المعلنة وغير المعلنة ميزانية البلد؟ هل يمكنهم أن يصارحوا أنفسهم قبل الشعب، ويعلنوا ـ فيما يُشبه التصريح بالممتلكات ـ كم يكلفون هذا الوطن الذين يدّعون خدمته والذّود على مصالحه العليا يوميا؟ وما سر هذا التهافت والحرص الشديد على المناصب لو لم تكن جالبة للغُنْم؟ والغُنْمُ في اللغة فوزٌ بالشيء من غير مشقة وضده الغُرْمُ.
وعليه، فأشد الناس وطنية وأخلصهم حبا للوطن فئات من الشعب بسيطة لا تكلف ميزانية الدولة فلسا، يعيشون أشد ألوان الحرمان والهشاشة، فقر بل تفقير وتجهيل وأمراض وإقصاء، في مغرب النسيان يموتون في صمت، لا يسألون عن نصيبهم من ثروات البلد المختلفة، غاية مناهم أن ينعم بلدهم بالأمن والاستقرار، هؤلاء هم الوطنيون حقا، لا يترددون في فداء الوطن، فحبه والتعلق به دم يجري في العروق.
الوطنيون حقا اليوم هم هؤلاء البسطاء الذين يسعون لتنمية الناتج الخام بما يمتلكون من وسائل إنتاج بسيطة، لا يعرفون شيئا عن مغرب بألوان قزح وتعويضات مخططاته، ولا يفقهون فنون التهرب الضريبي وألاعيب المشاريع الوهمية، يُقيمون في مناطق لا تغري بالإقامة، ومن الخيانة التفكير ـ مجرد التفكير ـ في هجرها.
أما القادة والساسة والنخب، إلا من رحم ربُّك، فكل موقف بمقابل، وكل حضور أو مشاركة في مناسبة فبتعويض عاجل أو آجل، فالقوم لا يكاد الواحد منهم يخطو خطوة قبل أن يعرف ما سيكسبه من تعويضات أو امتيازات مادية أو معنوية خدمة للصالح العام ادعاء وزعما. تُرى، هل سيبقى هذا التهافت على المناصب (العضوية في البرلمان وفي المجالس العليا وفي الحكومة والمجالس الجهوية والمحلية وغيرها) لو لم تكن بابا للاغتناء السريع وتحصين الامتيازات أو تنويعها؟
اليوم، وباسم المصلحة العليا للوطن تعطلت مصالح العباد، إلا من تدبير أحادي لتصريف الأزمات وتأجيلها إلى حين تشكيل حكومة تُحمل أوزارا لم تقترفها وتحاسب على إفلاس مشاريع لم تحضر إطلاقها وبالأحرى التخطيط لها. باسم الاستحقاقات الوطنية والتحديات القارية عُطل “مسار” ديمقراطي أخطأ طريقه منذ خط الانطلاق، فلا غرابة أن يضل ويتيه لأكثر من عقدين، حتى قيل في شأن “الانتقال الديمقراطي” تنكيتا: إما أن المسافة المطلوب قطعها طويلة أكثر مما كان يُتصوّر أو أننا ضَللنا وضيعنا السبيل.
وإلى أن تستيقظ ضمائر المتاجرين بمصلحة الوطن العليا وتستعيد حياتها المعنوية وتعي أن الوطن يعطي بقدر ما يُحَبُّ، وتُدرك أن ذاكرة الشعب أقوى مما يتصوره الجاثمون على صدره، العابثون بمصالحه، الناهبون لثرواته، المبذرون لمقدراته، المستخفون بقيمه، الهادرون لفرص تنميته وتحرره، نردد مع المغني:

“خذوا المناصب والمكاسب لكن خَلّوا لنا الوطن”

“أنت يا فخرَ المواطن والمناضل والسياسِي”

“أنت أجمل، أنت أغلى، أنت أعظم من الكراسِي”