أجرت جريدة المساء، في عددها 3193 الصادر يوم الاثنين 23 يناير 2017، حوارا شاملا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، تناول الشأن العام في البلاد وموقع الجماعة فيه، كما تطرق إلى مستجدات المشهد السياسي المغربي، وموقفها من جملة من قضاياه. وننشر فيما يلي النص الكامل لهذا الحوار تعميما للفائدة.

في إحدى حلقات “مناظرات المساء” سألنا رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، عن جماعة العدل الإحسان فطرح السؤال التالي: “ماذا يريدون؟”، ونحن نعيد طرح السؤال بطريقة أخرى، هل وقع تغيير بعد صعود العدالة والتنمية إلى الحكومة أم أن الملف أكبر من بنكيران؟

أرسلان: في الحقيقة هذا سؤال طرح أكثر من مرة على رئيس الحكومة وعلى كثير من القياديين في العدالة والتنمية لحظة ترأسهم الحكومة،  وإجابتهم كان فيها نوع من التهرب، ومنها ما تفضلتم به الآن. فهذا تهرب من الجواب وليس جوابا، والحال أن الجواب الواضح المناسب لوضعية رئيس الحكومة هو أن الملف أكبر منه، ، وهذا لا يخص فقط رئيس الحكومة الحالي بل يهم أي رئيس في ظل البنية السياسية الحالية حيث الحكومة لا تحكم. فلا يمكنه أن يبث في ملف العدل والإحسان كما هو الحال بالنسبة للملفات الأمنية والسياسية الكبرى. فالمنطق المخزني لا يمكن أن يتصرف فيه لا وزير ولا رئيس حكومة ولا غيره.

كأنك تقول ببساطة أن الحديث في هذا الملف مجرد مزايدة مادام أنه أكبر من بنكيران…

أرسلان: أتحدث الآن من الناحية العملية الواقعية، أما من حيث المبدأ فرئيس الحكومة يتحمل المسؤولية بحكم أن وزارة الداخلية والعدل توجدان تحت إمرته نظريا، لكن من الناحية العملية فنحن نعلم أن رئيس الحكومة لا حول له ولا قوة أمام قرار الداخلية، فهي وزارة سيادة والذي يقرر فيها ليس الأستاذ بنكيران، علما أن هناك قضايا تتعلق بحزب العدالة والتنمية، وقد كانوا عاجزين على التصرف فيها وهم يرأسون الحكومة. هذه هي مشكلتنا في المغرب، فالذي يحكم ويقرر مباشرة ليست الحكومة، ولذلك فبالنسبة إلينا لم نكن ننتظر من حزب العدالة والتنمية أو رئيس الحكومة أن يفعل شيئا فيما يتعلق بملف العدل والإحسان، لأنه لا يستطيع، من الناحية العملية، أن يقوم بذلك مثله مثل من سبقوه إلى هذا المنصب، لكن مع الأسف لا يتوانى رئيس الحكومة الحالي بين الفينة والأخرى في قلب الحقائق بتحميلنا مسؤولية الوضعية التي نعيشها عوض الوضوح في تحديد الجهة المسؤولة أو على الأقل الاعتراف بكون الملف أكبر منه.

البعض كان يتوقع أن يقود العدالة والتنمية وساطة بين العدل والإحسان والدولة. ألم تقع محاولات على هذا المستوى؟

أرسلان: هذا ممكن حينما يحل العدالة والتنمية مشكلته هو مع القصر. فالحزب لا زال يبحث عن وجوده وثقة القصر فيه، وبالتالي فأن يتوسط إلى طرف آخر هو أمر بعيد المنال في الوقت الحاضر.

لكن في حلقة أخرى من “مناظرات المساء” قال عزيز الرباح، القيادي في “المصباح” بصريح العبارة: “على العدل والإحسان أن توضح موقفها من النظام المغربي”. ما ردك؟

أرسلان: أظن أن هذا كذلك نوع من الهروب من الجواب. فأيا كان جوابنا على السؤال المطروح، فهل هذا يمنعنا من أن يكون لنا حريتنا واستقلالية قرارنا؟ ألا توجد في الدول الديمقراطية، من قبيل بريطانيا مثلا، أحزاب تطالب بالجمهورية؟ نحن لا نؤمن بالعنف والانقلابية، بل نؤمن بالوضوح ونحترم القوانين الموجودة في البلد، وبالتالي ما الداعي إلى وجود هذا الموقف؟ وهل غير ممكن أن تتخذ قرار التعامل معنا إلا حين يرضى عنا النظام؟! أظن أن هذا الأمر ليس من حق أي أحد، فالأحزاب والأطراف والسياسية يجب أن تحترم الرأي الآخر بغض النظر عن جوابنا عن هذا السؤال، لأن ذلك مجرد مبررات واهية.

ساد نوع من التفاؤل في تاريخ علاقتكم بالفاعل الأساسي في المغرب خلال مرحلتين، الأولى في سنة 1999 مع وفاة الحسن الثاني، والثانية بعد وفاة عبد السلام ياسين، والسؤال المطروح هو ألم تبصم العدل والإحسان على نوع من الاستمرارية في مواقفها؟

أرسلان: هذا التفاف على الحقائق وهو خطاب يسوقه النظام ويغالط به الناس، ومع الأسف هناك من يثق في هذه الفرضية ويروج لها كأنها هي الحقيقة. والحقيقة أن هذه كلها مبررات لقرار أساسي يرتبط بالمنع، أي منع المعارض الحقيقي. فـأي معارض لا يريد أن يلعب اللعبة كما هي فسيتعرض للحيف، وإلا لماذا لم تمنح الدولة حزب الأمة والبديل الحضاري الترخيص، بل لم تمنحه أيضا لحزب التجديد الوطني الذي تقدمت به قيادة العدالة والتنمية الحالية بداية التسعينات ولم يسمح لهم إلا حينما لجأوا سياسيا إلى حزب آخر. لذلك أؤكد أن هذه مجرد تبريرات ومغالطات تسوق للتغطية على هضم حقنا وحق أي مكون في أن يكون له إطاره السياسي المستقل غير المشروط بشروط الإذعان، وإلا فهناك أطراف سياسية حصلت على الضوء الأخضر حتى قبل تأسيسها. وبالتالي فعندما تشكل معارضة حقيقية ولا تريد أن تلعب اللعبة كما هي، بغض النظر عن موقفك من طبيعة النظام، فإنك ستمنع، لكن حينما تقبل أن تدخل في اللعبة كما هي فإنك تحصل على الترخيص بكل بساطة.

ماهي طبيعة هذه اللعبة لدى العدل والإحسان؟ هل تريدون إزاحة النظام والمنازعة في الجانب الديني على حساب تقاليد المغاربة ودولة عمرها أزيد من 1200، والتي لم يعرف فيها المغاربة نظاما غير هذا؟

أرسلان: مناط النزاع في نظرنا هو الطبيعة الاستبدادية للنظام، ومطلبنا باختصار هو أن ينعم المغاربة بنظام عادل حقيقة ولا يتدثر بالغطاء الديني أو الديمقراطي لتسويغ الاستبداد. النظام الذي يريده المغاربة ينبغي أن يختاره المغاربة ولا يفرض عليهم من أي جهة كانت. يجب أن تعطى للناس حرية الاختيار، فنحن لسنا ضد زيد أو عمر من الناس، لكن نحن مع أن تكون فقط حرية الاختيار وأن يكون الحاكم الذي يختاره الناس يخضع للمحاسبة. فنحن نتحدث عن قيم وليس عن الأشكال، ففي الغرب مثلا هناك ملكيات لكنها ديمقراطية، لكن نحن العرب لدينا جمهوريات لكن فيها الجبر والظلم والاستبداد والفساد. لهذا يجب ألا نحصر القضية في الأشكال بل المضامين، نحن ضد الاستبداد والظلم والانفراد بالسلطة، ونريد حاكما يُختار ويحاسَب، ونريد ألا تبقى الحريات والديمقراطية مجرد شعارات بل حقيقة تمارس. لهذا فمسألة شكل النظام لا أحد يفرضها، بل إنه إذا اختار الناس شكلا معينا في إطار حرية تامة يعبر فيها الجميع عن تصوراتهم واختياراتهم فنحن سنحترم اختيار الناس. ونحن حينما نتحدث عن الملكية والوراثة فإننا نتحدث عن سياق أمة وليس عن المغرب، ولما نتحدث عن النبوة والخلافة وكيف انتقل النظام في الإسلام من خلافة إلى ملك وراثي واستبداد فإننا نتحدث عن تاريخ وسياق أمة ولا نتحدث عن المغرب فقط.

طالع أيضا  رفض الجماعة الاشتغال من داخل النظام استثناء وسط الحركة الإسلامية.. الأستاذ أرسلان يوضح

الخلافة التي تتحدثون عنها لم تعمر في تاريخ الأمة الإسلامية إلا ثلاثين سنة، وبالتالي فالحديث عن هذا الأمر هو شيء هلامي لم تخبره الأمة سواء في المشرق أو المغرب…

أرسلان: يجب ألا نخلط بين الحديث عن الأمة وتاريخها، وبين الحديث عن المغرب باعتباره نظاما، إن كان ديمقراطيا أم لا، وإن كان نظاما يطبق فيها العدل أم لا، وهل الحقوق مكفولة أم لا، وهل من حقنا أن نطالب بالديمقراطية وفصل السلط والحريات داخل المغرب أم لا. أما عندما نتحدث عن الخلافة فهذا نظام مستقبلي، أي أن يتحرر العالم العربي والإسلامي ويصبح القرار بيده ويختار حكامه، ثم يختار هو شكل الخلافة كإطار يجمعنا، كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوربي وعدد من التكتلات. أما دعوى كون الخلافة هلامية فهذا غير صحيح، إذ الخلافة كانت موجودة وكان الحكم الإسلامي عاما في رقعة واسعة، حيث كانت هناك دولة إسلامية موحدة. ثم وقع الانكسار وانقلبت الأمور إلى ملك مستبد تخللته بعض الاستثناءات. والعبرة عندنا كما قلت سابقا بالمضامين لا بالمسميات وإلا فقد تسمت أنظمة كثيرة، على طول تاريخ المسلمين، بالخلافة والإمارة رغم أنها مارست حكما عاضا وجبريا مستبدا وفاسدا.  ومن تم أليس من حقنا كمسلمين أن نطمح للعودة إلى أصل الوحدة والقوة اللتين طبعتا العهد النبوي والراشدي وأن نستشرف بالعمل الدؤوب بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة بإنهاء الاستبداد في كل قطر على حدة ثم ائتلاف مجموع الأقطار في تكتل عام يجمعنا ويحفظ لنا مكانا محترما وسط تكتلات العالم؟  وبطبيعة الحال فنحن نتحدث عن  المدى البعيد. لذلك لا يجب أن نخلط هذا الأمر مع حديثنا عن المغرب الذي نرى أن الأولوية فيه لبناء نظام يضمن الحريات ويرعى العدل ويحترم التعددية ويعلي الإرادة الشعبية.

لحد الآن لم تقدم العدل والإحسان بديلا عن آلية المؤسسات التي أبدعها العقل البشري، والبعض يقول إن الجماعة هي جزء من معطلات ممكنات المغاربة لأنها استقطبت آلاف الشباب وقامت بتعطيلهم ولم تشاركوا من داخل المؤسسات، بما فيها مؤسسات المجتمع، وهو ما يجعلكم جزء من الأزمة وليس الحل. لماذا لم تقوموا بنقد ذاتي؟

أرسلان: هذه الأسئلة جيدة، وإن كانت مبنية على أمور خاطئة وتتخذ بناء عليها قرارات وأحكام نهائية. يتحدث البعض عن كوننا لا نقوم بنقد ذاتي ولا نطور أنفسنا، وهذا غير صحيح، فنحن لدينا مؤسسات تجتمع دوريا وهناك شورى وديمقراطية وأفكار تتفاعل، باستثناء المجال التربوي فهو ثابت. أما الأفكار فهي تتطور، فإذا قمتم بعودة بسيطة إلى الوراء فسترون تطورنا وتفاعلنا وتعاملنا مع الأطراف السياسية، سواء اليسار أو غيره، علما أن ذلك لا يعني فقط أننا تطورنا وحدنا بل الأطراف الأخرى أيضا قبلت بأن يكون هناك حوار. أما القول بأننا لا نشارك في الجمعيات والفضاءات فهذا ليس مرتبطا برفضنا لذلك إنما نحن ممنوعون، وقمنا بأكثر من محاولة إلا أنه تم منعنا.

أنتم متغلغلون في الجامعات والنقابات والجمعيات. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟

أرسلان: هناك فرق كبير بين المؤسسات الديمقراطية الحقة، وبين ديكور وأشكال وضعها النظام لتزيين الواجهة، والتي ستجعلنا عندما ندخل المربع الضيق المرسوم سنلعب اللعبة التي يريدها هذا النظام. هل من الذكاء أو الغباء أن نقوم بتجربة قام آخرون بتجريبها من قبل ونحن نرى أمامنا النتائج التي ترتبت عما تدعوننا إليه. نحن نرى حال الأطراف التي رفضت الكرسي الفارغ وقالت إنها ستصلح من الداخل، فلو كان الأمر يتعلق بشيء لم يطبق بعد فسيغرينا لكن هذه تجارب عملية، والعاقل من اتعظ بغيره.

مثلا حزب النهج الديمقراطي لديه مواقف معارضة لكن يعبر عنها من داخل المؤسسة الحزبية، رغم أنه لا يشارك في الانتخابات. لماذا لم تحرجوا الدولة بتقديم طلب لتأسيس حزب سياسي؟

أرسلان: نحن طلبنا حزبا منذ بداياتنا وقبل كل الإسلاميين ورفض ذلك. وكي تتضح الصورة أكثر ينبغي أن تعرف أن النظام يحرمنا حتى من تأسيس جمعية أو حتى من مجرد الحق في عضوية جمعية حي أو جمعية آباء التلاميذ، كما يحرمنا من إصدار جريدة، ويمنع أعضاء الجماعة من حق الخطابة والوعظ في المساجد، ويتم منعنا من الفضاءات العامة وحتى الخاصة. فلا بد أن تكون هناك إشارات ومؤشرات تبرهن على وجود الديمقراطية، أما قولك بضرورة إقامة الحجة وإحراج النظام فمعلوم مثلا أننا طلبنا إصدار جريدة ورفض ذلك، بل نطلب مجرد الحق في قاعة خاصة لتنظيم نشاط فلا يسمح لنا بحيث يتم تهديد أصحاب القاعات الخاصة ناهيك عن القاعات والفضاءات العامة والإعلام العمومي فلا نستفيد منه مطلقا، وهناك محاكمات لإخواننا وأخواتنا، فهل هذه مؤشرات على وجود الديمقراطية؟

كنتم تصفون 20 فبراير بالحركة المباركة، واشتغلتم كفاعل أساسي داخلها، قبل أن تقرروا الانسحاب بشكل مفاجئ. ماذا وقع؟

أرسلان: لازلنا نعتبر أن 20 فبراير كانت حركة مهمة في تاريخ المغرب بشكلها ومضمونها وأيضا بمشاكلها. فلا زلنا نعتقد بأنها قامت بدور مهم جدا، وكان لها الفضل في تحقيق مجموعة من المكاسب التي لازال المغرب الآن يعيش على فضلها، ونحن جزء من هذا التاريخ. لكن بصفة عامة 20 فبراير عاشت صراعات ومحاولات فرض بعض الاختيارات من طرف بعض الأطراف.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: المشهد العام في المغرب يتميز بالفشل على كافة المستويات

هل كانت هذه الحركة مخترقة؟

أرسلان: على كل حال هناك أطراف حاولت أن تفرض تصورها على الحراك. وقد حاولنا ما أمكن أن ندخل في حوار مع هذه الأطراف لنضمن للحركة أن تسير باستقلالية وأن تختار بنفسها الشعارات والسقف، علما أننا كنا محاصرين على مستوى شعاراتنا ومواقفنا، وتحملنا هذا الأمر طيلة عشرة أشهر. لقد اختبرنا شركاؤنا واكتشفونا، ونحن أيضا اكتشفنا مجموعة من الناس الذين يستحقون كل الاحترام والتقدير، حيث عاشوا مع شبابنا وأعضائنا ووجدوا أن الشعارات التي نرفعها هي أمور ملموسة. لكن في المقابل اكتشفنا أيضا أناسا يريدون أن يفرضوا توجهاتهم وقد تحملنا ذلك إلى حين، وبعد ذلك وصلنا إلى قناعة، عبر مراحل، اعتبرنا فيها بأن الحركة بالشكل الذي صارت عليه قد وصلت إلى أقصى ما يمكن أن تحققه. وكنا بالتالي أمام خيارين، فإما أن نرفع الإيقاع بكل ما يعنيه من كلفة على كافة المستويات، وقد استنتجنا أن ذلك غير ممكن لا بالنسبة للأطراف ولا الواقع ولا لنا، خصوصا ونحن متشبثون برفض تحويل البلاد إلى مواجهة مفتوحة ودماء في ظل ما أبان عنه النظام من شراسة في لحظات التصعيد مثل المواجهة السلطوية العنيفة لمسيرات 13 مارس 2011. وبالتالي فإما كنا سنذهب في مغامرة لسنا مستعدين لها ولا أن نتحمل مسؤوليتها، أو أن ننسحب من هذا التكتل وهذا الشكل النضالي على أساس أن نبحث مع الأطراف الأخرى على الأشكال النضالية التي تناسب المرحلة الجديدة.

هل كانت العدل والإحسان تخاف أن تنجر إلى العنف في حركة 20 فبراير؟

أرسلان: نحن كنا حريصين مع مجموعة من الأطراف على ألا يتسرب العنف إلى الحركة حتى لا يسهل الانقضاض عليها. لذلك فقد بذلنا مع بعض الأطراف مجهودا كبيرا جدا لنحافظ على سلمية حركة 20 فبراير وحتى ما تحقق والحمد لله وهو محسوب لجميع المكونات التي شكلت الحركة حينها.

بالعودة إلى مشاورات الأغلبية، هل في تقديركم أن تشكيل الحكومة يأخذ بعين الاعتبار المعطى الدولي، أم أن القصة مرتبطة فقط بانعدام التفاهم بين الأمناء العامين للأحزاب؟

أرسلان: حصر القضية في كون أمناء الأحزاب لم يتفقوا أمر لا يقول به عاقل في المغرب. هناك قرار فوقي هو الذي يحدد الخريطة التي يجب أن تكون، والأطراف الفاعلة في الواجهة في كل مرحلة، ومستوى كل طرف.

لكن الملك محمد السادس استقبل بنكيران مباشرة بعد الانتخابات وكلفه بتشكيل الحكومة؟

أرسلان: لا أتحدث عن الاستقبال، بل عندما تدخل في الجزئيات فأنت أيضا تلعب اللعبة. الآن يتم الحديث عن الاجتماع الذي كان يوم 8 أكتوبر، أي قبل تعيين بنكيران، مع احترامي للرأي الذي يرى بأن الأمر مجرد صراع بين الأمناء، أما في نظري ونظر كثيرين، إن لم أقل الغالبية، فالمسألة أكبر.

هل هذا يعني أن العدالة والتنمية غير مرغوب فيه في المرحلة المقبلة؟

أرسلان: هو غير مرغوب فيه دائما وليس فقط الآن، لكن قُبل على مضض في مرحلة كان من الضروري أن تكون هناك فترة انتقالية، علما أنه قدم كل ما هو مطلوب منه مضاعفا أضعافا كثيرة. فهو ليس لديه مشكل مع الملكية واللعبة المرسومة والمشاركة من الداخل، لكننا نرى اليوم ما يعيشه.

أليس هناك أمل، على المدى القريب، في أن تشارك العدل والإحسان وتساهم في حل المشاكل الاقتصادية؟

أرسلان: كوننا نشارك ونساهم فهذا حاصل بقوة، فوجودنا ومواقفنا السياسية والمعارضة تحاول أن تلعب دورا كبيرا جدا في الضغط لتحسين الشروط من جهة ومن جهة ثانية توسيع جبهة الرافضين لهذا العبث الذي نعتبر الانخراط فيه تزكية له وإضفاء للشرعية عليه تمنحه التأبيد وطول العمر بما ينعكس عنه من دوام الاستبداد والفساد وما ينعكس عنهما من سوء على كافة أحوال الشعب.

هل العدل والإحسان في حاجة إلى “شكر كبير” لأنها تخدم الدولة في مفهومها الواسع؟

أرسلان: لا أخفيك أن هذه التشكرات تأتينا من الأطراف المشاركة نفسها. فهؤلاء مشاركون لكن جزءا مهما منهم كفروا بما شاركوا فيه، بل إن عددا منهم يباركون مواقفنا ويعتبروننا فاعلا مهما ممن يشكلون أمل المستقبل. نحن مشاركون بفعلنا السياسي ومواقفنا ونبين للناس بأن هناك من يرفضون هذه اللعبة العبثية ويقولون كفى من هذا التلاعب المضيع للوقت والفرص لإصلاح جدي، وهيا بنا نجتمع ونتفق حول كيف يمكن أن نخرج بلادنا من هذا التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيش فيه. وأقول لجميع الذين يأملون بأنه يمكن أن يكون تغيير في مستواهم الاجتماعي في ظل هذه الماكينة التي تدور بهذه الكيفية، فإن الأمر لا يعدو أن يكون عبثا. لذلك لابد أن يجلس عقلاء هذا البلد وأن يفتح حوار شامل يشارك فيه الجميع، ونتفق على المغرب الذي نريد، أما هذه الفدلكة المتعلقة بدخول هذا وخروج ذاك أو إعادة الانتخابات وغير ذلك فهي مجرد دوران في حلقة مفرغة. فإما أن تكون هناك إرادة حقيقية للإصلاح  تخرج بلدنا من هذا الوضع، أو أننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة. وأود فقط أن أنبه بأن القلة التي توجهت إلى صناديق الاقتراع وكان لديها أمل في نوع من التغيير فهي بدورها مصدومة الآن وجزء كبير منها يفقد الثقة.

لكن هذا التراجع موجود في العالم بأسره…

أرسلان: شتان بين واحد حقوقه مضمونة وكرامته مصونة، والأحزاب في بلده تتنافس على خدمته وتحسين عيشه فلا يبالي إن نجح هذا الحزب أو ذاك، ولا ينتفض إلا حين يرى مصالحه مهددة كما رأينا في فرنسا مثلا، شتان بين هذا وبين من لا يجد ما يأكل وبم يعيش في كرامة. والانتخابات بالنسبة إليه عبثية ولا يزداد كفرا بها. فلماذا سننفق عليها كل هذه الملايير؟ وحتى الـ20 في المائة التي شاركت الأمل. لا أعتقد أن هناك شخصا لازال يؤمن اليوم بوجود جدوى للعملية الانتخابية، ولذلك ففي ظل غياب أفق واضح بشأن تحسن الوضعية الاجتماعية والسياسية فالجميع أصبح متخوفا من تدهور وضعيتهم الاجتماعية، فماذا سننتظر من هذه الفئات؟ أنا أنبه فقط المسؤولين الحقيقيين وأقول بأنه في مصلحتهم ومصلحة الشعب أن نقول كفى وأن نرى كيف ننقذ الوضع قبل فوات الأوان، وقد أصدرنا سابقا نداء أسميناه ” قبل فوات الأوان” ألحننا فيه على استعجالية الولوج من البوابات الآمنة للتغيير، والآن نعيد النداء بإلحاح أكبر ألا مدخل جدي إلا بأن تكون الإرادة الشعبية هي وحدها الحكم، وأن من يحكم ينبغي أن يخضع للاختيار الشعبي، وأن تقرن كل مسؤولية بالمحاسبة، وأن تفصل السلطة عن الثروة، وأن تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وأن تضمن التعددية السياسية الحقيقية لا مجرد تعدد حزبي شكلي في ظل سيادة حكم الفرد…

طالع أيضا  ذ. أرسلان: نروم نظاما سياسيا أساسه التداول السلمي على السلطة وصون كرامة الإنسان

لنعد إلى البيت الداخلي لجماعة العدل والإحسان بعد وفاة مرشدها عبد السلام ياسين. صرح الأمين العام محمد العبادي، في إحدى الحوارات، بأن نظرية الجماعة أغلقت مع عبد السلام الياسين والآن نحن في إطار التنزيل. أليست هذه الفكرة خطيرة وتمثل نوعا من “الكهنوتية”؟

أرسلان: من الأشياء الخطيرة أن يتم فصل كلام شخص عن سياقه أو خصوصيته. أنا أؤكد أن الأستاذ محمد عبادي لم يقصد بكلامه ما تحدثتم عنه، وإلا فمن الناحية العملية ما نقوم به الآن هو عكس ذلك تماما. فهناك انتخابات على مختلف مستوى مؤسسات الجماعة، وهناك تطوير لكثير من الجوانب والمجالات تبعا لتوسع الجماعة النوعي والجغرافي ولتطور الواقع ومتطلباته. وهذا عممنا كثيرا منه على وسائل الإعلام. ومن جملة الأمور التي ناقشناها في مجلس الشورى الأخير هي المشروع الجديد والهيكلة الجديدة. فعندما نتحدث عن الماركسية مثلا فهل الأمر كهنوت إذا تشبث بها أصحابها؟ أم أن هناك مبادئ عامة ويتم تطوير النظرية؟ نفس الشيء بالنسبة لنا، فقد اكتملت نظرية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، لكن هل هو قال بأن هذه النظرية يجب أن تظل كذلك إلى الأبد؟ قطعا لا، ويعرف الكل أنه كان ضد هذا الأمر ولا يقبله، فلا فكره ولا تكوينه يؤمن بالجمود، بل هو جاء ليحارب هذا الجمود. ولا أكشف لكم سرا إن قلت بأنه من جملة الأمور التي أسسها في الجماعة هو مجلس أسماه بـ”رابطة الكتبة”، والتي جمع فيها مفكرين وباحثين يجتمع بهم بشكل دوري لتطوير هذا الفكر وتأسيسه، ولعل الكثير من الكتابات تم نشرها الآن تتحدث عن ذلك، لكن مع الأسف لا يطلع الناس على كل ما ينشر عن لأستاذ عبد السلام ياسين الذي كان يقول إن من لا يتطور يصبح حجرا يتيمم عليه.

المال في كل تنظيم هو سؤال استراتيجي،  فهل تم الحسم في الأمور المرتبطة بممتلكات الجماعة والشيخ؟

أرسلان: بالنسبة لمسألة الممتلكات فهي واضحة، فمقرات الجماعة حسمها  الأستاذ عبد السلام ياسين قبل وفاته، وعائلته كانت لديها وصية، وبالتالي هذا الأمر لم يطرح أي مشكل بل الأمور مرت بسلاسة.

ماذا عن غياب نادية ياسين عن أنشطة الجماعة؟

أرسلان: الأستاذة ندية ياسين من الأطر الأساسية في الجماعة، حيث ساهمت في بناء الجماعة بصفة عامة، وخاصة القطاع النسائي الذي رعته منذ البداية وقطعت معه أشواطا بعيدة. وهي تشتغل الآن على ترجمة كتب والدها الإمام عبد السلام ياسين.

معروف أن عبد السلام ياسين كانت لديه علاقات تاريخية مع الشيخ حمزة، هل الزاوية البودشيشية ستعرف نوعا من التغيير بعد وفاة الشيخ، ونحن نعرف الاختلاف الجوهري بينكما في الشق السياسي؟

أرسلان: الشيخ حمزة رحمه الله كان شيخي أيضا، حيث كنت في الزاوية سابقا، بل إنني كنت مريدا في الزاوية عندما كان والده الحاج العباس رحمه الله، قبل أن نغادر الزاوية ويأتي تأسيس العدل والإحسان، وبالتالي فأنا لدي مع الشيخ حمزة علاقات خاصة، وأكن له كل المحبة والتقدير. بطبيعة الحال فالزاوية ستقع فيها تغييرات، بالنظر إلى أن شخصية السيد جمال ليست هي شخصية الشيخ حمزة، على اعتبار أن الأول يتحرك ولديه حضور مادي. أما على المستوى السياسي فلا أعتقد بأنه سيكون هناك تغيير لأن الزاوية لا تدخل في الأمور السياسية، بل هي مختصة في الأمور التربوية. طبعا دخلت في بعض المواقف السياسية لكنني أظن بأنها جرت إليها جرا وليس اختيارا.

لاحظنا أن بعض وجوه السلفية يهاجمون بحدة جماعة العدل والإحسان، ونذكر هنا الموقف القوي لمحمد المغراوي. هل الأمر مرتبط بمشكل مع أشخاص أم مع تصور للتيار السلفي؟

أرسلان: هذه الخرجات التي سميتموها بالقوية لا تأتي فقط من طرف بعض الأشخاص المنتمين للتيار السلفي، بل أيضا من البعض في التيار العلماني واليساري. ونحن لا نلتفت إليها ومن حق الناس أن يعبروا، والشعب يعرف ويميز ويقارن، فإذا كان المغراوي يقول ذلك الكلام فإن هناك سلفيين آخرين يقولون عكس ذلك، ونفس الشيء ينطبق على العلمانيين، وبالتالي فهذا لا يستفزنا.

هل يمكن للمغاربة أن ينتظروا من العدل والإحسان أن تشارك سياسيا، بشكل من الأشكال، في المدى القريب؟

أرسلان: المشكل لا يرتبط بالعدل والإحسان، بل المشكل يتعلق بالحريات في بلادنا. فمتى ما أتيحت الحرية للجماعة في أن تشارك دون أن تفرض عليها شروط غير موجودة في الدستور ولا في القوانين، فإنها ستشارك.

لكن كيف لكم أن تستنجدوا بدستور لم تشاركوا فيه؟

أرسلان: المعضلة أن الدستور على علاته لا يحترمه واضعوه. والإشكال لدينا في المغرب لا يرتبط بالقوانين والدستور، على اعتبار أن ما يحدث اليوم ليس مرتبطا بالدستور بل هو إشكال سياسي بامتياز.