تنامت خلال سنة 2016 حركات احتجاجية محلية في كثير من المدن المغربية الصغرى والكبرى، أخرجتها إلى الشارع المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وهذا يدل على مستوى النضج الذي وصله المجتمع المغربي بتفاعله مع مختلف القضايا في إطار منظم.

هذه التنسيقيات برهنت بالدليل الواقعي أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مواقع النضال الكلاسيكية “المدن الكبرى العمالية”، بل امتدت حتى إلى المناطق المهشمة والتي يفرض فيها المخزن هيبته بسياسة التعسف والاستبداد.

الاحتجاج في إطار التنسيقيات ليس سوى تجل من تجليات صمود الإنسان المغربي المقهور في المغرب المهدور الطاقات والإرادات؛ ولا ينفصل بروزها ومطالبها عن الحيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام.

إن نضج الفئات المحتجة ووعيها بمسؤوليتها وبمصير الأجيال القادمة جعلها تؤطر نفسها في تنسيقيات، وتنقل الاحتجاج من احتجاج مطلبي مادي مظروف زمكانيا، إلى احتجاج مهيكل، منظم ومؤسس يساهم في رسم الخارطة المستقبلية للمغرب بقوة الشارع؛ تساهم بفعالية في إسقاط مشاريع قوانين مجحفة وتثبيت أخرى، وتدافع عن الحقوق المكتسبة التي تناور الحكومة لسلبها والعصف بها.

هذه التنسيقيات أربكت الحسابات الأبجدية؛ إذ تسطر معادلات جديدة لا يمكن تجاوزها أو الاستخفاف بتفاعلاتها، وبإمكانها قلب الموازين في أية لحظة، فالاحتقان الاجتماعي بمغرب ما بعد الحراك صار متغيرا مستقلا وثابتا، وصارت قوة القهر والسيطرة السلطوية متغيرا تابعا باللغة السوسيولوجية في ظل المناخ السياسي المشحون.

ونلفت أنه بصمود هذه التنسيقيات تم تكريس ثقافة الاحتجاج، فأصبح منسوب وعي المتضررين مرتفعا، وتقلصت مساحة الخوف من أذهان المحتجين، وتجاوز الاحتجاج شخصنة المطالب فئويا إلى تجريدها بالنظر إلى تثبيت حقوق الأجيال القادمة، وبالإطاحة بمشاريع القوانين النخبوية. بهذا الصمود التاريخي بدأ الرأسمال الرمزي للسلطة القهرية يضمحل ويتآكل شيئا فشيئا.

في هذا التقرير سنقف عند أبرز التنسيقيات التي تشكلت خلال سنة 2016 والتي كان لها حضور قوي في دعم قضايا وطنية بروح محلية، كما كان لها إسهام هام في تصدير نموذج ثقافة الاحتجاج بشكل سلمي ومنتظم لباقي المناطق بالمغرب.

طالع أيضا  بيان الدائرة السياسية للعدل والإحسان بتازة حول حراك الريف واعتقال نشطاء الحراك بتازة

تنسيقيات لدعم الأساتذة المتدربين

مع مطلع سنة 2016 برزت عدة مشارب سياسية وحقوقية مختلفة توحدت في تنسيقيات بعدة مدن لدعم الملف المطلبي للأساتذة المتدربين، رفضا لسياسة القمع الممنهج ضدهم، وإسقاطا ل”المرسمومين المشؤومين”. هذه الهيئات ضمت في أغلبها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الدائرة السياسية لجماعة لعدل والإحسان، شبيبة العدل والإحسان، النهج الديمقراطي، الاشتراكي الموحد، المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، الجامعة الحرة للتعليم، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل…
وقد كان لها دور مهم في انتصار الأساتذة المتدربين ونيل مطلبهم، من خلال مساندتهم في مختلف الأشكال النضالية بمدن أكادير، تطوان، القنيطرة، الرباط، الدار البيضاء، فاس، مراكش، القصر الكبير، بني ملال، ورزازات، سلا، تمارة، مكناس وآسفي.

تنسيقيات ضد النفايات

مباشرة بعد فضيحة النفايات السامة التي استقبلها المغرب من إيطاليا، التأمت هيئات وجمعيات المجتمع المدني في مدن عدة ونسقت فيما بينها لاتخاذ أشكال تنديدية موحدة.
فبإقليم برشيد، في يوليوز 2016، خرجت تنسيقية محلية للاحتجاج أمام مقر عمالة المدينة، على استيراد النفايات السامة من إيطاليا، وإحراقها بمعمل للإسمنت بجماعة الساحل إقليم برشيد.
وببني ملال نظم تنسيق جمعوي وحقوقي، في الشهر ذاته، وقفة احتجاجية رفضا لجعل أرض المغرب مدفنا للنفايات السامة والضارة بالبيئة والإنسان.
وفي خطوة مماثلة ائتلف نسيج مدني بمدينة الجديدة للاحتجاج ضد هذه النفايات، كما كان لمدينة آسفي نصيب من هذه الاحتجاجات في إطار تنسيقي بين مجموعة من الجمعيات التي كانت مدعومة بالمواطنين.

حراك الحسيمة يوحد نشطاء وفاعلين

عقب حادث طحن الشهيد محسن فكري بشاحنة نفايات والذي حرك احتجاجات واسعة بمختلف الربوع المغربية، تشكلت تنسيقية احتجاجية بمدينة الحسيمة التي انطلقت منها شرارة الاحتجاج تحت مسمى “اللجنة المؤطرة لحراك الحسيمة”، حيث عملت على تنظيم مختلف المظاهرات، ضاربة نموذجا في الرقي الاحتجاجي السلمي والمنظم، وانتقلت اللجنة من الفعل الاحتجاجي إلى الفعل المطلبي، حيث صاغت وثيقة مطلبية موجهة للسلطات المعنية، من أجل رفع الحيف الذي يطال مدينة الحسيمة ومنطقة الريف، ومختلف جهات المغرب، بحسب تعبير الوثيقة. وقد نالت اللجنة احتراما واسعا وتفاعلا إيجابيا من طرف ساكنة إقليم الحسيمة.

طالع أيضا  شبيبات تنظيمات حزبية ومجتمعية تلتئم في إفطار رمضاني بدعوة من شبيبة الجماعة

تنسيقية أبي الجعد للدفاع عن الساكنة

تأسست بمدينة أبي الجعد المتاخمة لمدينة خريبكة تنسيقية محلية ضمت مجموعة هيئات حقوقية وسياسية ونقابية وجمعوية للدفاع عن حقوق ومطالب الساكنة البجعدية، حيث لقيت هذه التنسيقية تعسفا من طرف قائد المقاطعة الأولى، ما استدعى وقفة احتجاجية في شتنبر 2016 على إثر شكاية كيدية تقدم بها الأخير إلى وكيل الملك ضد مناضلي التنسيقية المحلية، والتي كرست انتهاكه للقانون وتنصله من احترام الحريات العامة ومخالفته للدستور والقوانين المعمول بها واحتقاره لنشطاء المجتمع المدني، باستهدافه المباشر للعمل النقابي بتوجيه تهم التحريض على الاحتجاجات وعدم الانصياع لقرارات السلطة المحلية.

تنسيقية للدفاع عن التعليم بخريبكة

على إثر الهجمة الشرسة التي يتعرض لها قطاع التعليم العمومي في خريبكة كما باقي المدن، حيث أقدمت وزارة التربية الوطنية على تفويت أربع مدارس ابتدائية عمومية بخريبكة ومدرسة عمومية أخرى بوادي زم لصالح مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في عملية مشبوهة تستهدف ضرب حق المواطنين البسطاء من ساكنة الإقليم في التعليم العمومي، تأسست تنسيقية/جبهة إقليمية تتألف من عدة هيئات سياسية ونقابية ومدنية للدفاع عن المدرسة العمومية بالمدينة، وسطرت برنامجا نضاليا، من ضمنه تنظيم وقفة احتجاجية بساحة المجاهدين بالمدينة في أبريل 2016.
وفي سياق آخر، تأسست تنسيقية أخرى تحت اسم الوحدة للباعة المتجولين بالمدينة شهر غشت من نفس السنة، بعد سلسلة من الوقفات الاحتجاجية التي نظمها عدد من الباعة المتجولين للمطالبة بتحسين ظروف اشتغالهم وتفعيل تأهيل القطاع.

تنسيقية للدفاع عن الحقوق بتطوان

في مارس 2016، تأسست لجنة محلية بتطوان للدفاع عن الحقوق والحريات، وشملت عدة هيئات سياسية وجمعوية، عملت على تقويم الوضع المتسم بالتراجعات الخطيرة على الحقوق والحريات العامة والتي مست مختلف الشرائح الاجتماعية، خاصة ما تعرضت له كلية العلوم بتطوان من قمع وحشي من طرف قوات الأمن، صبيحة يوم الثلاثاء 15 مارس 2016، والذي خلف إصابات متفاوتة الخطورة واعتقالات في صفوف الطلبة، استعملت فيها كل أنواع القمع من ضرب بالهراوات واستعمال خراطيم المياه وصلت إلى إشهار أحد رجال الشرطة مسدسه في وجه الطلبة.

طالع أيضا  د. متوكل: تجاوب الناس مع مبادراتنا يدل على أنهم يعرفون من يعبر عن همومهم

تنسيقية بالمحمدية من أجل ملف سامير

تشكلت بمدينة المحمدية تنسيقية/جبهة محلية لمتابعة أزمة شركة “سامير” ونظمت هذه التنسيقية عدة خطوات احتجاجية كما نظمت مهرجانا خطابيا بمسرح عبد الرحيم بوعبيد بالمحمدية، في فبراير 2016، تحت شعار: “المطالبة بعودة الإنتاج وتأميم القطاع”، وشارك في المهرجان الخطابي: حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب النهج الديمقراطي، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، جماعة العدل والإحسان.
وعبرت كل التدخلات عن تضامنها مع قضية “سامير” ووجوب التدخل العاجل للدولة من أجل الإنقاذ من الإفلاس، وحماية مصالح الاقتصاد الوطني ومدينة المحمدية وحقوق الأجراء.
وتميز المهرجان بالحضور المكثف لمناضلي الأحزاب السياسية والجمعوية، فضلا عن أجراء شركة سامير وشركات المناولة والمتقاعدين، وتجاوز عدد الحاضرين 720.

تنسيقية بالبيضاء في قضايا مختلفة

بمدينة الدار البيضاء الكبرى اختارت مجموعة من الهيآت السياسية والحقوقية والنقابية والمجتمعية الانسجام في إطار جامع من أجل شكل احتجاجي تضامني.. موحد في مختلف المناسبات.
وقد نظمت هذه التنسيقية عدة مظاهرات في مناسبات عدة منها ما خص الحرب على حلب، وحادث طحن محسن فكري وأزمة الأساتذة المتدربين، وأخرى صادفت ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان (10 دجنبر)؛ كما تحرص هذه التنسيقية في بلاغات مشتركة على دعوة ساكنة المدينة إلى مشاركتها الوقفات الاحتجاجية الشعبية بساحة الأمم المتحدة (ساحة ماريشال) التي دأبت على تنظيم المظاهرات بها.