أثل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله مشروعا تغييريا متكاملا شاملا لنفس الإنسان وعقله وروحه، لدنياه وآخرته، لماضيه وحاضره ومستقبله، ليس نظرية فلسفية تسكن برجها العاجي، أو تخمينات وتنظيرات من نسج الخيال، بل هو مشروع مؤصل بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، يروم تغيير ما بالإنسان من أنانية وإمعية وتكبر وعنجهية، وما بالمجتمع من فساد وكساد عاث في الأرض وساد، فأوصد باب التنمية والتغيير، وبتر الإرادة فباتت نائمة ناعسة.

لقد تناول الإمام رحمه الله في مؤلفه القيم “إمامة الأمة” داء خطيرا ينخر الأمم ويبدد القيم النبيلة ويطمس معالم الأخلاق السامية، إنه داء الطبقية، بمعناها النفسي والمادي والاجتماعي.

إن الميزان في الإسلام، حسب الإمام، لا يحتكم للطبقية الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، وما شاكل ذلك، بل مقياس التفاضل بين الناس هو معيار التقوى والايمان، حيث الكل على صعيد التعارف والتعاون والاندماج الإيجابي إن نصبوا لأنفسهم ميزان الإيمان كمقياس تقاس به سلوكاتهم وتصرفاتهم.   يقول الإمام رحمه الله: “فلا يعرف الإسلام نخبوية المثقفين، ولا يعترف بالتنظيم الطبقي الذي يقسم الأمة أو يبقيها كما قسمتها الفتنة. ميزان القبول التقوى والعمل الصالح”.[1]

لذا ما يفتأ الإمام المجدد يؤكد على ضرورة محو الطبقية بمعناها النفسي والمادي[2]، فهي من أهم ضرورات وأهداف الحضارة الأخوية،  المؤطرة بالبشارة النبوية.

إنه رحمه الله يعي حجم المسؤولية الملقاة على الحركة الإسلامية لاستعادة زمن البشارة النبوية، إذ هي مسؤولية لا يستهان بها في وقت كثر فيه الأشر والبطر وأضحى النفاق شنشنة حكامنا ومثقفينا، لذا فأولى الخطوات نحو تحقيق المنشود وفق تصور الأستاذ ياسين هو استرجاع الثقة بين دعاة الحركات الإسلامية والسواد الأعظم من الناس[3]. وأس كل تغيير هو تربية الأنفس وحث الإرادات الإنسانية الصادقة على التجند لزمن البشارة الموعودة، والرفق بالضعفاء والحنو عليهم، ومساعدتهم فكريا وسلوكيا للتحرر من إسار مخلفات الماضي ومن كدر الحضارة المادية، والانتقال من زمن العادة حيث اللامعنى إلى زمن العبادة حيث المعنى عنوان كل سكنة وحركة تتغيى مرضاة الله عز وجل والارتقاء في مدارج معرفته سبحانه وتعالى.

إن الطبقية سلوك ظالم ولا تردد في محاربته والسعي لطمس معالمه الفكرية والسلوكية، ليفيء عباد الله إلى أمر الله ويفقهوا أن الإسلام دين اللاطبقية، ولا ميزان يعلى على ميزان الإسلام والتقوى.

فثمة مجموعة من الوقائع وقعت في عهد سيد المرسلين وأمراء المؤمنين تؤكد أن لا طبقية في الدين، وأن عباد الله عند خالقهم سواء، وأنه سبحانه وتعالى لا ينظر إلى وضعهم الاجتماعي ولا إلى شأنهم القبلي أو الثقافي، بل إلى أفئدتهم، إن كانت اكتنزت إيمانا ومعرفة يمكنها من إدراك عظمته سبحانه.

عندما تعمى القلوب وتسود البصائر، يظن أصحابها أنهم من طينة غير طينة البشر، حيث الأشر والبطر أعمى الأفئدة التي في الصدور.

يورد الإمام في مؤلفه[4] واقعة سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، ليؤكد أن مكانة الإنسان لا تقاس بمظهره ومستواه الاجتماعي، بل بصدقه مع الله وتقواه، بحيث ناجى رضي الله عنه العجوز خولة بنت ثعلبة حتى انطلقت، فحبس زعماء قريش حيث الشأن والعظمة، ولم يكترث لذلك، لأن لا ميزان في فلسفة حكمه غير ميزان التقوى والايمان “سمع الله قولها من سبع سموات”.

أما حياة الحبيب رسولنا الكريم فزاخرة بأمثلة ووقائع تقر بأن لا طبقية في الدين، فأن يأكل صلى الله عليه وسلم الطعام، ويمشي في  الأسواق، أمر لا يصدقه القياصرة والأكاسرة الجبابرة، يظنون أن مخالطة عموم البشر لا يليق بالقائد المغوار، وزعموا أنه حكم بالقهر والجبر، لكن دعوة الإسلام فوق كل ذلك وممحاة كل جور، كيف لدعوة الله أن تنتشر وتذاع في أحياء مكة والمدينة، مع الركون في زوايا البيوت، والترنح على أرائك الحكم؟

لذا فرسول البشارة الإلهية وعى كل هذا، فتجده صلى الله عليه وسلم يخالط الناس، يذكرهم، ويدلهم على طريق الخير والاستقامة، ويحارب الغش في العمل والتجارة، ويتحنن للعجزة والضعفاء من قومه حتى يقضي حاجتهم.

أنى لحكام يومنا أن يفعلوا مثل هذا وقلوبهم فيها غبش وكدر؟

إن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق على حد قول الفاروق رضي الله عنه[5]، فالمطلوب من الحكام في دولة القرآن كما أورد الإمام في كتابه أن تتوطد علاقتهم بالشعب، وتتقلص الهوة بينهم حتى تشيع الثقة ويتبدد المكر والتمويه والمصلحة الخاصة.

على الحاكم أن يتخلص من منطق التقارير والوشايات حتى يعرف ما له وما عليه ويكون بمقدوره إدراك الداء في حينه ليجد له الدواء، لأن البيروقراطية الإدارية في التعامل تفسد الود في العلاقات وتكدر صفو الإرادات وتعطل مصالح الناس.

إن الشفافية بين الحاكم والرعية أمر هام في دولة القرآن، فهي تؤكد مسؤولية والي الأمر وتعظم شأنه، لكن من ترك الناس وفقرهم في دنياهم بلامسؤوليته واحتجب عن حاجتهم، تركه الله يوم القيامة وفقره وأوصد في وجهه أبواب الرحمة حتى يتوب إلى الله. فقد روى أبو داود عن أبي مريم الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم (بفتح الخاء: الخصاصة الحاجة) وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة”.

يا لها من مسؤولية عظيمة وحكام غلمان في دار الغفلة!!!

لقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يأخذ درته ويمشي في الأسواق يتفقد أمور المسلمين، وكان يمشي ليلا مع عبدالرحمن بن عوف وغيره من الصحابة يحفظ عورات الناس، وروي أنه استعمل سعد بن أبي وقاص على الكوفة، فبلغه أنه اتخذ قصرا وجعل عليه بابا، وقال انقطع عني الصويت (كأنه استراح من شكوى المتظلمين)، فأرسل إلى محمد بن مسلمة وقال له: إيت سعدا فأحرق عليه بابه فأتى الكوفة، فأخرج زنده، واستوقد نارا، ثم أحرق الباب، فجعل سعد يعتذر، ويحلف بالله ما قال. فقال له محمد بن مسلمة: نفعل ما أمرنا به، ويروى عنك القول[6].

باب واحد لقصر واحد، فماذا عن عشرات القصور بأبواب موصدة كل الشهور، بل كل السنين؟! يا ليتك ترجع يا عمر لتزورنا في زماننا، لنبلغك أن حاجة عباد الله آخر ما يفكر فيه، حتى تكلف بعضا من عباد الله لإشعال النيران في أبواب مرصعة بالذهب والفضة وكل أصناف الزينة والمنمقات!

حتى الدعاة عليهم أن يتحرروا من إسار كبر متعشش في قلوب بعضهم، فيظنون بأن هيبتهم وصيتهم سينزل عن عرشهم إن خالطوا الناس وباشروا قضاء حاجاتهم، إن من آكد الواجبات أن يتغلغل من اصطفاه الله في دعوته في سواد الأمة، وأن يتخلص من دعة التقوقع والركون والانزواء، والأمة في بحر التيه والبعد عن الله فلا مرشد ولا دليل ولا مذكر يرشد الشارد عن ربه والضال عن الطريق ليوقفوه على بساط كرامته، باتباع أمره واجتناب نواهيه.

إن التملق والتواضع المصطنع والانبساط المفتعل لعباد الله من مظاهر الطبقية الكاسحة لمجتمعاتنا، لذا فلا مناص من تربية تعيد المياه إلى مجاريها، وتصفي الجو من كدره وصخبه، وتقلص المسافة بين الدعاة والشعب حتى تسري معاني الإيمان والأخلاق الحميدة والتعاون الأخوي[7]. يقول الإمام رحمه الله: “الداعي إلى الله لا تمنعه الكبرياء أن يتعلم ويستفيد من العامة. فبانفتاحه ذاك تسري إليهم منه معاني الإيمان، وبالمثال يعدي إخوانه المسلمين بالأخلاق الحميدة، والتعاون الأخوي، والمعاشرة اللطيفة والوجه البشوش، إلى النفوس البعيدة الشاردة، يردها إلى باب ربها”[8].

علماء الإسلام عليهم مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقهم، لتنوير الشعب ودله على الطريق المستقيم، وتوعيته بأن الدين ضد كل مذلة وحيف وجور، وأن لحيف كل ظلم عند الله عظيم، وأن لا مهرب من مقاومة الفسدة المتجبرين لرأب صدع الطبقية السارية في نفوس الناس واجتماعهم وثقافاتهم. “يجب أن نعلم العامة أن الإسلام قومة على الفساد الكفر والظلم والفسق، كلها في قرن واحد”.[9]

جملة الكلام، إن الطبقية داء خطير ينخر الذوات ويبدد الإرادات ويصنع الفوارق والعصبيات ويذكي فتيل الأنانيات، لذلك لا مناص من تعرية بنيته الفكرية والثقافية والاجتماعية وتشكيلته النفسية، بإرادة ذاتية صادقة تروم التغيير وتتربى في حضن التقوى والإيمان واللاطبقية، في إطار مشروع فكري تغيري يمتح أسسه من المعين القرآني الذي لا ينضب، ومن المحجة اللاحبة النبوية المفصلة الشارحة.

 

[1] إمامة الأمة، ص15

[2]  نفس الكاب ص16-17.

[3] إمامة الأم ص28-37-39

[4]  إمام الأمة ص18.

[5] إمامة الامةص 21.

[6]  “بدائع السلك” لابن الأزرق ج1 ص372.

[7] إمامة الأمة ص 30.

[8]  نفس لكتاب ص30.

[9]  ص31.