في إطار برنامجها السنوي، نظمت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بمدينة المحمدية ندوة بعنوان: “العمل السياسي عند جماعة العدل والإحسان: التصور والممارسة” ، أطرها الدكتور محمد منار عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، وذلك يوم الأحد 9 ربيع الثاني 1438 الموافق ل 8 يناير 2017.

وقد تطرق منار في الأرضية التي بسطها بين يدي الحضور منطلقات التصور السياسي عند جماعة العدل والإحسان، مؤكدا على أنه لا يمكن فهم هذا التصور إلا ضمن فقه جامع اجتهد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله في التأسيس له في مجموعة من الكتب، هذا الفقه الذي يجمع بين الدنيا والآخرة، والتربية والسياسة، والعلم والعمل، والخلاص الفردي والخلاص الجماعي… وقد أسس رحمه الله لهذا الفقه الجامع بانتقالات كبرى، يمكن إجمالها في:

-أ- الانتقال من الفهم التجزيئي للإسلام إلى الفهم الجامع؛

-ب- الانتقال من الإسلام الفردي إلى الإسلام الجماعي؛

-ب- الانتقال من الفهم السكوني للإسلام إلى الفهم السلوكي؛

-ت- الانتقال من الفهم الاستسلامي للإسلام إلى الفهم الاقتحامي؛

ث- الانتقال من الفهم الفروعي للإسلام إلى الفهم المقاصدي؛

ج- الانتقال من صيغة حفظ مقاصد فردية إلى صيغة طلب مطالب جماعية.

وكان ذلك، يضيف الدكتور، وفق رؤية تجديدية واضحة، تمثلت في قراءة فاحصة لتاريخ المسلمين ولواقعهم، كما استشرفت مستقبلهم. وذلك باستعمال مفاهيم قرآنية نبوية كمثال على ذلك مفهوم الفتنة. مستدعيا قول الأستاذ عبد السلام ياسين عن هذا المفهوم: “يفتتن الإنسان من داخله بنفسه ونوازعها، وبالشيطان ونزغاته.. ويفتتن الإنسان من خارجه، يفتنه الإنسان من بني جنسه… ويفتنه السلطان.. وتفتنه الطبيعة باستعصائها على جهوده، وتلهيه معاناتها عما هو بصدده… المجموع يكون فتنة بمفهومها القرآني”. ليوضح أن أهمية هذا المفهوم تتضح في كونه جاء مقابل مفهوم آخر كان هو السائد في صفوف الحركة الإسلامية، ألا وهو مفهوم الجاهلية. فإذا كان هذا الأخير يقتضي تكفير المجتمع ومقاطعته وهجرته، وربما استباحة العنف في مواجهة بعض أفراده، فإن مفهوم الفتنة يقتضي الرحمة والرفق بالمسلمين والصبر عليهم والتعاون بين فضلائهم لمواجهة أصل الداء الذي هو الاستبداد.

وأكد منار على أن التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان هو ضمن مشروع عملي، يتحرك في الواقع، ومن شأن هذا الاحتكاك بالواقع أن يغني التصور، خاصة فيما يتعلق ببعض التفاصيل، فكما أن التصور يفيد في ترشيد التصرف، فإن التصرف يفيد في تطوير التصور. العلم إمام العمل نعم، لكن العمل يفيد في تدقيق العلم. وأكد منار أنه لا سياسة بلا تربية وبلا أخلاق، لأن مشروع العدل والإحسان أساسه التربية والأخلاق، مشيدا بمبادئ الوضوح والصدق والمسؤولية والوفاء بالعهود، وغير ذلك، مما يمكن اعتباره أخلاق السياسة التي تحدث عنها الأستاذ المرشد رحمه الله.

وفيما يتعلق بأسلوب العمل السياسي كما تتصوره جماعة العدل والإحسان، أكد منار أن هذا الأسلوب فيه جمع بين الصدع بالحق والرفق والرحمة وحقن دماء المسلمين لأن “الرفق أصل من أصول السنة النبوية”، ومن خصائصه هذا الأسلوب المسؤولية والوضوح والمرونة والتدرج. مؤكدا على أهمية التواصل والبحث عن المشترك والانفتاح على التجارب الانسانية والاستفادة منها شرط أن يكون ذلك في تساوق وانسجام مع منطلقات وغايات التغيير كما تنشده الجماعة.

وتطرق منار لقضايا أخرى، كالحوار والميثاق الوطني، والمشروع المجتمعي.كما تميزت الندوة بتفاعل الحاضرين من خلال تدخلات وأسئلة أغنت الأرضية وأضافت إليها.