نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة أكادير مساء يوم الأربعاء 10 يناير 2017 ندوة حول موضوع “الفاعلون المجتمعيون وتعزيز ثقافة الحوار” ، وذلك ضمن فعاليات إحياء الذكرى الرابعة لوفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

حضور وازن ومتنوع

تميزت هذه الأمسية الفكرية الحوارية بحضور طيف متنوع من هيئات المجتمع المدني والسياسي الى جانب أكاديميين ونقابيين وهيئات شبابية ونسائية وجمعوية وحقوقية وإعلامية.. من بينهم ممثلين عن حركة التوحيد والإصلاح بأكادير وحزب الاشتراكي الموحد بأكادير والهيئة المغربية لحقوق الإنسان.

استهل الحفل بآيات بينات من الذكر الحكيم، لترحب المسيرة الأستاذة سعدية بيرات بالمشاركين وبجميع المدعوين منوهة بتلبيتهم الدعوة لحضور فعاليات إحياء ذكرى رحيل الإمام المرشد. ثم أعطت الكلمة للدكتورة نعيمة العلاوي لإلقاء كلمة باسم جماعة العدل والإحسان بإقليم أكادير والتي ثمنت كل مبادرات الحوار تحقيقا لصلة الرحم الإنسانية مع كل الفاعلين والفضلاء، ودعت إلى العمل الجاد المشترك وتضافر الجهود، من أجل بناء جبهة وطنية تناهض الظلم والاستبداد والإفساد، وتنشد التحرر والانعتاق، وخدمة هذا الشعب المفقر المقهور، وقبل هذا وذاك تجنيب بلادنا كل الانزلاقات المفضية إلى التطرف والعنف والإقصاء.

الندوة التي قام بتنشيطها الأستاذ عبد الغني الخنوسي، أجمع كافة المتدخلين في مستهلها على شكر جماعة العدل والإحسان بأكادير على دعوتها ومبادراتها النوعية في جمع الفاعلين المجتمعيين المحليين. وهم الأساتذة: إدريس مقبول مدير مركز ابن غازي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، والبشير خنفر عضو اللجنة الإدارية الوطنية للاتحاد الاشتراكي، والتيجاني الهمزاوي عضو المكتب الوطني للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة – أزطا أمازيغ، وحبيبة حفصاوي باحثة في علم الاجتماع بكلية الآداب ابن زهر، وحسن حيموتي الكاتب الجهوي لحزب النهج الديمقراطي بأكادير، ومحمد محسن السنونسي كاتب فرع حزب الاستقلال باكادير، وفاطمة الشعبي عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، ومحمد الغازي قيادي بجماعة العدل والإحسان. وقام المنشط ببسط أرضية الندوة التي تسعى تساؤلاتها إلى الإجابة عن مداخل تعزيز ثقافة الحوار بين مختلف الفاعلين المجتمعيين شركاء الوطن.

ضرورة التمييز بين اللحظة الحوارية والحالة الحوارية

تطرق الدكتور إدريس مقبول، مدير مركز ابن غازي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، في مداخلته لضرورة التأسيس لثقافة حوارية خالية من الوسائط وتتجاوزها، للوصول إلى حوار ينبني على أسس ذكرها الإمام عبد السلام ياسين وهي “الذكر والتذكير والمذاكرة”. مبرزا أهمية التمييز بين اللحظة الحوارية والحالة الحوارية وضرورة التحول من الأولى إلى الثانية للانتقال بالحوار إلى مرحلة النضج، منهيا مداخلته بالسؤال الكبير: أين وصلنا في تنضيج علاقاتنا الحوارية؟

بناء الثقة شرط اساسي للحوار

سؤال الثقة وضرورة بنائها كان محور مداخلة الأستاذ البشير خنفر، عضو اللجنة الإدارية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبرزا أنه “لا أحد اليوم يملك الحل بهذا البلد، فعلينا أن نتحاور وأن يكون هناك حد أدنى من الثقة لنتعايش جميعا”.

ولم يخف الناشط السياسي خنفر تأثره بكتاب “أسلمة الحداثة” للأستاذ عبد السلام ياسين، قائلا إنه من الواجب الاعتراف للجماعة بهذا الفضل لأن ما يحيط بمجتمعنا اليوم وما يتهدده يقتضي من كل الفاعلين مهما كانت اختلافاتهم أن يكونوا على قدر كبير من الوعي بالمرحلة من أجل تجنيب البلاد الفوضى العارمة وما وصفه بالوضع البائس، مشددا على ضرورة توفر الثقة كشرط أساسي للحوار.

طالع أيضا  العدل والإحسان بالبيضاء تجمع الفرقاء من أجل حوار يرسي الثقة

الحوار يفرض التضامن

الناشط الأمازيغي التيجاني الهمزاوي عضو المكتب الوطني للشبكة الأمازيغية للمواطنة “أزطا”، أشار في بداية مداخلته أن “الإمام ياسين رجل مؤثر لم ينصفه التاريخ، وأن واقع اليوم يؤكد أن هناك حوارا، وأن ثمة تراكمات كثيرة تستوجب البناء الجماعي”.

وذهب الفاعل الجمعوي الهمزاوي إلى أن السلطة في المغرب تقوم بممارسة العنف كأسلوب في مقابل أداة الحوار، حيث تصل الدولة حسب تعبيره إلى “أن تفقد مشروعيتها باستعمال العنف المفرط”، وأن “العنف قاعدة تمارسها الدولة لتدبير صراعاتها مع الفاعلين تعظيما لوجه الاستبداد”.

وحسب الهمزاوي فإن الحوار يفرض التضامن مشيرا إلى أن بعض المكونات تحس أحيانا بالعزلة عندما تكون ضحية عنف الدولة أو مضايقاتها لتشمل مجالات مثل المنع من القاعات العمومية والتضييق على فنانين من أمثال رشيد غلام بدعوى انتمائه السياسي.

المخزن المغربي يحارب الحوار بين الفاعلين المجتمعيين

وعن شروط نجاح الحوار تحدث الفاعل السياسي والنقابي الأستاذ حسن حيموتي الكاتب الجهوي لحزب النهج الديمقراطي بأكادير ليحددها في “الاقتناع بالحوار، وأن نكون مستعدين ما دام المغرب مقبلا على انتفاضة كل عشر سنوات، وأن ما يهمنا ينبغي أن يكون مصلحة شعبنا ومستقبل شعبنا، وأن نناضل جميعا من أجل التغيير ضد “الحكرة” وضد المخزن ومن أجل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والكرامة لهذا الشعب المفقر”.

وذهب حيموتي إلى أن “النظام المخزني في المغرب يحارب الحوار بين الفاعلين المجتمعيين الجادين لأنه يعرف أن أي تقارب لهذه المكونات حول مشروع مجتمعي فهو يهدد مشروعه”. واشترط لنجاح الحوار ضرورة العمل الميداني المشترك على مستوى واجهتين أساسيتين: أولا النضال من أجل التغيير الديموقراطي وثانيا النضال من أجل القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ولم يخف تأسفه من غياب الحوار والنقاش وسوء تقدير اللحظة إبان حراك 2011.

طالع أيضا  ندوة "الحوار وضرورة البناء المشترك".. نقاش راق وجاد يستكشف السبل

بدون حوار تنتشر كل أشكال النفي

الباحثة في علم الاجتماع والدكتورة الجامعية بكلية/ الآداب ابن زهر حبيبة حفصاوي، أكدت أن الحوار هو تعبير وترجمة عملية لمستوى تطور المجتمع، وبدونه تنتشر كل أشكال النفي إلى أن تصل إلى النفي الجسدي أو التصفية، مؤكدة على دور النخب الفكرية في التمهيد للحوار والتأسيس له، موضحة أن “بلادنا بحاجة لمثل هذه المبادرات السياسية من خارج السلطة، وأنه يتعين علينا قبل الحوار أن نمتلك تصورات ومواقف لأن الحوار تفاعل قد يغير من تلك الرؤى وليس بالضرورة التماثل والتطابق”.

ولفتت الفاعلة الجمعوية إلى أن “الحوار لا يمحي ملامح المحاور والتطور الفكري يؤسس للفعل الواعي المنظم”.

كما أكدت أن فاعلية الحوار وإمكانيات تطويره تتوقف على تقوية دور الفاعلين كما تستلزم توسيع التنظيمات لأفق تفكير قواعدها الداخلية.

الموقف من العقلانية ومدنية الدولة أهم مدخل التوافق بين الفضلاء

وعن أهم مداخل التوافق المستقبلي بين الفضلاء الديمقراطيين ذهب الدكتور محمد الغازي، عضو مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للدراسات والأبحاث والقيادي بجماعة العدل والإحسان، إلى ضرورة استحضار تحديين اثنين: الأول تحد نظري فلسفي يقتضي التوافق حول الموقف من العقلانية، والثاني تحد واقعي يستلزم التوافق حول منظومة الحقوق والمساواة ومدنية الدولة.

وخلص الباحث الجامعي إلى أنه “واهم وحالم من يظن أن كل واحد لوحده يمكن أن يغير، فلا بد من الحوار والاتفاق على آلية، وعلى وثيقة مؤسسة للدولة المدنية تعود إليها كل الأطراف عند الاختلاف بالحجة والكلمة”.

المدرسة والإعلام واجهتان لتعزيز ثقافة الحوار

الدكتورة فاطمة الشعبي عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ونائبة الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي أكدت في مداخلتها على تعزيز لغة الحوار في المدرسة المغربية والإعلام وفق برامج واضحة كواجهتين مهمتين لهما دور استراتيجي في التغيير.

واعتبرت أن الحوار سلوك ونمط تفكير، خاتمة مداخلتها بالحديث عن أن تراكم التنوع المغربي فيه ثراء للوطن.

طالع أيضا  ندوة "الحوار وأفق العمل المشترك" بطنجة تجمع لفيفا من ساسة ونخبة المغرب

الحوار ضرورة وجودية

“الحوار ضرورة مجتمعية وفلسفة وإيمان وضرورة وجودية،” بهذه الجملة لخص الأستاذ محمد محسن السنوسي عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال وكاتب فرعه بأكادير مداخلته مبرزا انه أمام هذا المعطى فانه “يستوجب علينا التفكير الجماعي في كل المواضيع على مائدة الحوار البناء والفعال بعيدا عن الأنانيات التي ينبغي أن نوجهها توجيها صالحا”.

كما أورد مقتطفات من مكتوبات الراحل علال الفاسي رحمه الله التي تؤكد على أن الحرية هي الأساس والمنطلق لحوار بناء.

بعدها فتح باب المشاركة للحضور للمساهمة في إثراء النقاش؛ حيث أكدت معظمها على أهمية الحوار وتثمينها لهذه البادرة الحسنة، على أساس أن تثمر مثل هذه الندوات حوارات حية وتخرج من نطاق الندوات والمحاضرات إلى التنسيق الميداني الفعلي، على غرار ما شهدته الساحة المغربية إبان حراك 2011، مع الاستفادة من أخطاء الماضي، لتختم الندوة بتعقيبات المشاركين، ثم كلمة شكر للحاضرين ألقاها الأستاذ عبد الهادي بلخيلية عضو مجلس الإرشاد جماعة العدل والإحسان نوه فيها بجهود كل أحرار الوطن من أجل بناء مغرب يسع الجميع وختمها بقراءة الفاتحة ترحما على أرواح كل شرفاء وفضلاء المغرب رحمهم الله أجمعين.