قال الحق جل وعلا: أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 1 .

مثل الله عز وجل في الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين) 2 .

الحياة اسم يقع على كل شيء حيّ، ومنه قول القائل “حيّاك اللهُ”، وهي اشتقاق من الحياة، وقول المصلّي في التَّشَهُّد “التّحيات لله” معناه البقاءُ لله وحده دون غيره.

سمّى اللّه عز وجل الآخرة حيواناً: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ 3 لأنها الحياة الحقيقة للإنسان، لا موت ولا شقاء ولا متاعب فيها، يقول يوم القيامة: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي 4 ، كأن الحياة الدنيوية لم تكن له حياة تستحق الذكر إذا ما قورنت بالآخرة.

الحياة مصدرها الارتباط بالحي، فكل من ارتبط بالحي فهو حي، فالله عز وجل هو الحي الذي لا يموت، يهب لمن شاء الحياة فهو المحيي، وينزعها عما شاء وهو المميت، فكل ما ارتبط بالله يفضي إلى الحياة الحقيقية.

كتاب الله حياة للقلوب، بل وحياة للأمة: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ 5 ، كلا أو جزءا وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ 6 .

ذِكرُ الله عز وجل حياة ورفعة، ونسيانه خزي وندامة، فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عنه عن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: “مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ” 7 ، بل تعداه إلى المذكور فيه “مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت” 8 .

اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والامتثال لأمره دخولٌ في الحياة، والإعراض عليه هلاك وبوار: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم 9 ، بل كل سُنة تُحيى فهي حياة لمن عمل بها وداوم عليها مع النية المتجددة. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيى ليله، ومن معانيه أحيى نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، أو زرع فيه الحياة نجوما وكواكبا و..

طالع أيضا  وقفات تدبرية.. المحبة دعوى والاتباع برهان

صحبة أولياء ومحبتهم حياة وترياق مجرب، والبعد عنهم وعداوتهم سم قاتل:

تحيا بكُم كل أرض تنزلونَ بها ** كأنَّكُم بقاع الأرض أمطار
من معشر حبهم دين وبغضهم ** كفر وقربهم منجى ومعـتصـم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ** ويستزاد به الإحـسان والنعـم

حتى الموت في سبيله حياة سرمدية: وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ 10 ؛ فعن جابر بن عبد الله يقول: “لما قتل عبد الله بن عمر بن حرام يوم أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا جابر ألا أخبرك ما قال عز وجل لأبيك؟” فقلت: بلى، فقال صلى الله عليه وسلم: “ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، فقال: “يا عبدي تمنَّ علي أعطك”، قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الله عز وجل: “إنه سبق مني أنهم لا يرجعون”، قال: يا رب فأبلغ من ورائي” 11 ، فأنزل الله عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً 12 .

إذن، فالاتباع الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحبة المباركة لأولياء الله مع الذكر الكثير والصدق في الطلب تُثمِر ميلادا قلبيا ووجودا جديدا، تلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد المتحرر المستنير) 13 .

هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ، يعرفها فقط من ذاقها) 14 ، فيا سعدَ من حصلت له هذه الولادة الحسية واليقظة القلبية بعد سبات الغفلة والتيه عن سر وجوده، فبادري يا نفس بالتوبة، فإن الأمر جلل، واعتبري بمن فات ورحل، ولا تقنطي، ولكن احذري وكوني على وجل فواأسفاه واحسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما رحل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة. وواأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك الثكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك) 15 .

طالع أيضا  ومضات تدبرية -5-الأسرة لبنة بناء الأمة

[1] الأنعام: 122.\
[2] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية، ج2، ص341.\
[3] العنكبوت: 64.\
[4] الفجر: 24.\
[5] النحل: 2.\
[6] البقرة: 179.\
[7] صحيح البخاري، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.\
[8] رواه مسلم، كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ، وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ.\
[9] الأنفال: 24.\
[10] البقرة: 154.\
[11] سنن ابن ماجه، بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\
[12] آل عمران.\
[13] في ظلال القرآن، سيد قطب، ج3، ص 1201.\
[14] نفس المصدر.\
[15] طريق الهجرتين، ابن قيم الجوزية، ص268.\