الإسلام دين إخاء وتعاون ورحمة. قال الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة 1 . وقال أيضا: وتعاونوا على البر والتقوى 2 . وقال جل وعلا: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 3 .. لكن أنّى للمسلمين أن يصبحوا إخوة متعاونين، رُحماء بينهم ومع كافة الخلق، إن لم يكونوا أصحاب كلمة طيبة، وفكرة واضحة، وقُربٍ، وإنصاتٍ، وأدبٍ، ولينٍ، ومروءة عالية تدفع المخطئ ليعترف بخطئه، والمُحقَّ ليلتمس العذر لمخالفه؟ أنّى لهم ذلك إن لم يكونوا، العلماء والدعاة منهم خاصة، أصحاب حوار؟

إن المتأمل في سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لا بد يُجِلّ الرجل إجلالا من هذه الحيثية. فقد كان صاحب حوار بامتياز. آمن به منذ بداية حركته الفكرية والدعوية نابذا العنف السائد آنذاك. ودعا له، وعمل به مع الجميع حتى مع الغرب اللائكي الذي يُعادي جزءٌ منه الإسلام والمسلمين. وربّى عليه وبه رجالاً ونساءً في حضن الجماعة، طاعةً لله جلّت عظمته لا مناورةً وتكتيكاً، وسيرا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا اعتبارا للظرف السياسي وخصوصية المرحلة، وعضا بالنواجذ على سيرة أصحاب رسول الله والتابعين وأعلام الأمة، إن شئنا كامل التأصيل، لا تقليدا ل”موضة” شرقية أو غربية. قال الله سبحانه وتعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن 4 . وقال عز من قائل: فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك 5 .

يحاور الإمام المجدد رحمه الله مخالفه بأسلوب راق، ولهجة صادقة، ولغة شفيقة رفيقة مفعمة بالتقدير والتعظيم والاحترام. ففي رسالته النصيحة إلى ملك المغرب رحمه الله سنة 1974، الملك الغارق في الفساد، يبطش برجال المعارضة ويلهو مع الحاشية المرتشية المقرّبة، يخاطبه عشرات المرات بعبارة: يا حبيبي يا حفيد رسول الله صلّى الله عليه وسلم)؛ ويناديه قائلا: يا أخي المبتلى) 6 ؛ ويقول له: فها أنت سيدي حفيد النبي) 7 ، وسيدي الملك) 8 . خطاب محبة وأخوة، وتسييد اعترافا بالمحتد الشريف للملك في غير مداهنة أو نفاق أو خوف، إذ يقول له في نفس الرسالة ناصحا مشفقا بصدق، مُسميا الأشياء بمسمياتها: فدعني أصدقك وأنصحك لكيلا تهوي في النار. دعني ألتمس لك عذر الجهل بالإسلام لئلا يحشرك الله مع الذين اتخذوا دينهم هزؤا ولعبا وغرّتهم الحياة الدنيا (…) أكلتَ وحاشيتُك وأقاربُك أموالَ المسلمين بغير حق، وهتكت حرمات الله وغششتنا بدعواك، وتألّهتَ واستعبدت الناس) 9 .

ويكتب الإمام عن نفسه للملك بتواضع جم، رغم قامته العلمية، ونبوغه الفكري، وتجربته العملية في أعلى مستوى من المسؤولية: لستُ إلا طالب علم أعرف كل يوم الحدود التي يقف بي عندها جهلي) 10 .

في مقدمة كتابه حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) يشهد الإمام للمثقفين بكل أريحية بالفضل في أشياء. يقول: للمثقفين من الطبقة السياسية فضل علوم، وفضل اهتمام بالشأن العام، وفضل معرفة بما يجري في العالم) 11 . وفي عنوان الكتاب تقدير كبير وتبجيل، فكلمة فضلاء) من الفضيلة. ثم يناديهم أيضا بعبارة يا نبهاء) 12 .

الإمام عبد السلام ياسين رفيق في حواره مع مخالفيه، دقيق في اختيار ألفاظه، ينأى كثيرا عن إطلاق الكلام ولا يعمم أبدا. فعلى سبيل المثال، ينتقد من يصف الديموقراطية بالكفر بإعطاء وصف أكثر دقة وعلمية: ومن الإسلاميين من يصرح أن الديموقراطية كفر (…) ليست الديموقراطية نقيض الكفر، إنما هي نقيض الاستبداد) 13 .

في كتاب حوار مع صديق أمازيغي) نجد كذلك نفس الخصال: محبة صادقة، وتواضع جم، وفكر قاصد واضح، واعتراف بالجميل.. يكتب الإمام إلى الأستاذ محمد شفيق: أتذكر أنا جميلك إلي حين لقّنتني على باب قاعة الامتحان بعض المعطيات في الجغرافيا والتاريخ، وكنتُ جئت صفر اليدين منها) 14 .

الإمام المجدد يكره الاستبداد بالرأي، واحتكار الفهم، كما ينتقد الشعارات التي تطلق على عواهنها.. يقول الإمام: شعار “الإسلام هو الحل” كفارغ البندق، جعجعة بلا طحن (…) الإسلام ما هو حكر على أحد، ولا مرتع خاص لحزب أو جماعة) 15 .

يغتنم الإمام ياسين في حواره مع الآخرين أي فرصة لذكر علماء المغرب والأمة ورجالاتها ومناضليها وكلَّ من سبقه بخير أيّا كانت مرجعيته؛ يقر لهم بالفضل، ويُثني على أعمالهم، ويستشهد بأقوالهم معتزّا مُستمعا، والأمثلة عديدة جدا أكتفي بما يلي. يقول الإمام: كان علال ومحمد المختار والعلماءُ المؤسسون للحركة الوطنية من عرب وأمازيغ “نخبة العفّة والدين” كما يصفهم المختار السوسي في كتاب “الإلغيات”) 16 . ويقول عن الزعيم الوطني الاتحادي بنبركة رحمه الله: كان ابن بركة ثوريا حقيقيا، لكنه إذا ذكر الأنبياء قال “عليهم أزكى السلام”. كان إيمانه بالوطن والشعب والجماهير معلنا..) 17 . ويكتب عن قادة النضال والتحرر بالمغرب: العالم الفقيه بنسعيد، تلميذ المختار السوسي النجيب (…) القائد البطل في جيش التحرير، المتمرد على الظلم (…) للرئيس العالم الفقيه [عبد الله ابراهيم] أصل متين من تربيته في حِلَق أساتذة كلية ابن يوسف (…) رجل الميدان والإنجاز محمد البصري (…) يعتقد الفقيه محمد البصري أن “التراث الذي بنته حضارتنا وتركه أسلافنا الميامين لهو بحق أمانة في عنقنا” (…) لليوسفي بطولات نضالية، واستقامة ونزاهة. وكان له منذ ربع قرن رؤية واضحة لماضي الإسلام ونظام الحكم في الإسلام..) 18 .

والإمام عبد السلام ياسين، لسعة صدره، وثقته بربه وموعوده للمؤمنين، وعطفه على سائر الخلق، وحكمته، وعالمية دعوته، يستدل بآراء حتى الذين ليسوا مسلمين ولا يؤمنون باليوم الآخر إن كانت هذه الآراء تخدم تحرر الإنسانية من الظلم والعنف، أو تدعو إلى الفضيلة، وتروم سعادة الإنسان في الدنيا. يحاورهم الإمام بموضوعية، دون إقصاء، ولا تحيّز، ولا دعوى. يقول مثلا عن الزعيم الصيني المعروف ماو تسي تونغ: وهذا الماو عبد الله الكافر كما أنك عبد الله المسلم هو أولا قائد أمة منبعثة (…) وإن كان الصينيون اليوم يتساوى وزيرهم والسوقة في البساطة والفقر الإرادي، ويقوم السفير يغسل صحنَه بعد الأكل كما يغسله الناس جميعا فذلك لأن ماو كان النموذج الرائد) 19 . ويقول عنه في سياق آخر: ففي فكر ماو أحكام أخلاقية تبهت من ألِف الفكر الماركسي “العلمي” الذي لا يصدر أحكام القيمة. فعنده الخير والشر حقيقتان عمليتان..) 20 .

كانت هذه نظرة وجيزة لأسلوب الحوار عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، رجل عرف الله تعالى عن تجربة فدعا إليه بيقين وصبر وقوة، محاورا من ناهضه أو اختلف معه برفق وأدب وحب ورحمة، مطمئنا إلى أن الذي يغير ما بالأنفس ويبعث على القلوب من غفلتها إنما هو الله جل جلاله خالق الناس أجمعين.


[1] سورة الحجرات، الآية: 10.\
[2] سورة المائدة، الآية: 2.\
[3] سورة الأنبياء، الآية: 107.\
[4] سورة النمل، الآية: 125.\
[5] سورة آل عمران، الآية: 159.\
[6] عبد السلام ياسين، الإسلام أو الطوفان (رسالة إلى ملك المغرب/ 1974)، ص: 28.\
[7] ن. م، ص32.\
[8] ن. م، ص: 88.\
[9] ن. م، ص:44-45.\
[10] ن. م، ص: 32.\
[11] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1994، ص: 3.\
[12] ن. م، ص: 7.\
[13] ن. م، ص:57.\
[14] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، مطبوعات الأفق، ط1، الدار البيضاء 1997، ص: 30.\
[15] ن. م، ص:42.\
[16] ن م، ص: 272.\
[17] عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، ص: 239.\
[18] ن. م، ص: 260-269.\
[19] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، مطبعة النجاح – الدار البيضاء، ص: 342.\
[20] ن. م، ص:368.\